وحدث بعد ذلك أن فوجئت إيطالية بغتة بخبر نزول غاريبالدي إلى باليرمو، ولا شك أنه نوى أن يجعل صقلية قاعدة لقوته كما جعلها سنة 1860، ولربما كان لا يزال يتردد في تعيين وجهة تلك القوة، ويغلب على الظن أنه كان ينوي الذهاب إلى بلاد اليونان، وأنه يترقب مساعدة الملك الموعودة؛ ليستخدمها في الهجوم على روما.
وقد قوبل في باليرمو بحماسة فائقة وكان الغاريبالديون فيها أقوياء، وحدثت في إحدى نواحيها ثورة جمهورية لم تقمع إلا بسفك كثير من الدماء، مما دل على أن العناصر الفوضوية التي تؤيد فكرة الحكم الذاتي المنفصل في الجزيرة كانت لا تزال قوية، وبعد مرور بضعة أيام هاجم غاريبالدي الإمبراطور حين خاطب أهل باليرمو قائلا: «على نابليون أن يترك روما وإلا نعيد مأساة أفعى صقلية.» أما باللافجينو والي باليرمو فلم يحتج على خطابه.
وفي مارسله صرخ أحد المستمعين قائلا: «روما أو الموت.» ثم أقدم على دعوة الشعب للقسم على المذبح في الكتدرائية، وبذلك أعلنها حربا مقدسة شبيهة بالحروب الصليبية، وأثار مشروع غاريبالدي الجديد في البلاد هياجا شديدا، وخيل للبلاد أن زحف سنة 1860 سيعاد للاستيلاء على روما كما استولى غاريبالدي على نابولي قبلا، وقررت فيتربه العصيان، وبينما كان بعض القوميين في روما يبرقون لرتازي طالبين تعليماته اتصل البعض الآخر بغاريبالدي وتأهب للحركة، وكان جميع الناس قانعين بأن الحكومة تؤازره، وبهذا دخلت الحكومة في مأزق لا مخرج لها منه، ولعل رتازي كان يتوقع أن يستخدم غاريبالدي وحركته لحمل الإمبراطور على الإذعان، وعليه فإنه بدلا من أن يعترض على مشروع الثورة في روما اكتفى بأن نصح الرومانيين باجتناب الاصطدام بالإفرنسيين فقط، وترك باللافجينو من دون تعليمات سوى أمر غامض يقضي بإحباط عمل المتطوعين، وقد رؤي ذات مرة يشرب نخب غاريبالدي راجيا أن يتوج فيكتور عمانوئيل في أقرب وقت في الكابيتول.
وهرب أفراد مختلفو الرتب من الجيش؛ للالتحاق بجيش غاريبالدي من دون أن يلاقوا أي عائق، إلا أن الوزراء فزعوا هذه المرة أيضا كما فزعوا في شهر أيار، ويغلب على الظن أن موقف نابليون هو الذي أقلق الحكومة فعزلت باللافيجينو، وسعت لمنع وصول المتطوعين إلى الجزيرة وصدر بيان ملكي في 3 آب يصف الحملة بأنها عصيان ومدعاة للحرب الأهلية.
والواقع أن الحرب الأهلية كانت - على ما يظهر - قريبة الوقوع، وعلى إثر ذلك تراجع أصدقاء غاريبالدي الخلص وأفزعتهم خطورة الحال حتى إن أحدا من قواده القدماء لم يرغب في السير معه، وبذل تابريزي ومديجي والنواب الدموقراطيون جهدهم لردعه عن السير في هذه الحركة الطائشة، بيد أن غاريبالدي رفض التريث معتمدا على مؤازرة الملك ومطمئنا إلى أن الإفرنسيين لن يقاوموه، وشجعه إقبال المتطوعين والهروب من الجيش النظامي على المضي في منهجه، وترددت السلطات ذاتها حينئذ في مقاومته، ولعل رتازي كان لا يزال يتوقع أن يعيده إلى رشده، ولما أصر على موقفه قطعت الحكومة صلاتها به في 17 آب، وأعلنت بأنه أصبح عاصيا وأرسلت القائد جيالديتي إلى صقلية لإعلان الإدارة العرفية فيها.
ووصل غاريبالدي في اليوم التالي إلى كتانيه وكاد الاصطدام يقع بينه وبين الجند لو لم يرغب الفريقان في اجتناب حرب أهلية، ولم يكن لدى غاريبالدي سوى 4000 رجل أكثرهم من الفتيان المتشردين، ولو قامت السفن التي كانت تحاصر الميناء بواجبها لكان من الصعب أن يجتاز غاريبالدي المضيق إلا أنها أغمضت عينها وساعدته على أن يستولي على باخرتي نقل، فحرق خط الحصار مع 2000 من رجاله ليلا في 24 آب ونزل في ساحل كلبريه ولكنه لم يلاق من الأهلين إلا قليلا من العطف، وكانت قطعات قوية تحتل ريجيو فاضطر إلى الانسحاب برجاله الذين أخذوا يتضورون جوعا وانطلق بهم إلى روابي «أسبرومونته» الجرداء، وتلقت قطعة تزيد على الثلاثة آلاف جندي أمرا بمهاجمته فورا وإجباره على الاستسلام، وكان اضطراره إلى مسيره الشاق لجمع المتخلفين والحصول على الغذاء فرصة سانحة للقطعة المطاردة التي أحدقت به، فلم يبد غاريبالدي أية مقاومة، وحاول منع جنوده من إطلاق النار على الجند الطلياني إلا أنه نشب قتال استمر عشر دقائق وجرح فيه ما يقارب العشرين من كل فريق، وسلم غاريبالدي نفسه بعد أن جرح برصاصة إيطالية في عقب رجله، وعلى كل حال فإن حادثة أسبرومونته قد أفادت البابا ودفعت قضيته إلى الأمام بصورة أزعجت الأحرار.
وكانت الحكومة قد أظهرت ما يكفي من القوة لإحباط عمل الحزب الثوري، فأدرك إذ ذاك رجال - أمثال فانتي - كانوا إلى ذلك الحين يفضلون تأجيل الزحف على روما إلى حين؛ بأن سياسة أصبحت وقتئذ محفوفة بالصعوبات، بيد أن فانتي وجميع الموظفين كانوا يعلمون بأن محاولة الذهاب إلى روما من دون رضاء الإمبراطور هي مجرد طيش، ولو اقتنع نابليون بأن لديه القوة الكافية لكان ترك فيكتور عمانوئيل يتوج في الكابيتول عملا بمشروع نيابة الملكية القديم، وفي هذه الظروف ذاتها كتب كتابا مفتوحا يقترح فيه استدعاء الحامية الإفرنسية ، بشرط أن تعترف إيطالية بسلطة البابا في الأراضي التي كانت لا تزال في حوزة البابا، على أن تؤلف تلك الأراضي نوعا من الاتحاد مع الملكية.
بيد أن البابا ظل متصلبا شأنه سابقا آبيا التفاهم، وأيده مجمع كبير من الأساقفة يكاد يكون أغلبهم غير طليان، وكان اجتمع لتقديس أحد الشهداء اليابان ورفض أي تساهل وأعلن تمسكه بالسلطة الزمنية، وكان الإمبراطور - على ما يظهر - متمسكا بقراره بسحب قطعاته، لولا أن الكاثوليك الإفرنسيين استطاعوا بنفوذهم أن يحملوه على التراجع الوقتي فرفض وزير خارجيته ضمنا إخلاء روما.
وأدى هذا الفشل الذي مني به رتازي في الحصول على تساهل الإمبراطور أو تأييده إلى زلزلة موقف الوزارة من جديد، ولم يستطع رئيس الوزراء رغم لباقته أن يضمن له أكثرية مستقرة، وكانت الشكوك دائما تخالج حزب اليمين ولم يمنحه هذا الحزب الثقة إلا بسبب نفرته الشديدة من الغاريبالديين، وأخذ «بيروزي» الذي كان يترأس الفرع اللابيمونتي يهاجمه؛ لأنه سعى لتوسيع بيمونته بدلا من تكوين إيطالية، أما الغاريبالديون فراحوا يقيمون الدنيا ويقعدونها احتجاجا على ما جرى في أسبرومونته.
ولما اجتمع البرلمان في شهر تشرين الثاني هبت الزوبعة من جميع الأطراف وصدق كثيرون من الناس الشائعة التي زعمت بأن الحكومة شجعت غاريبالدي ثم تخلت عنه، وكان من السهل أن يدرك المرء سخط نصف إيطالية وحقدها لما علمت بأن غاريبالدي سقط جريحا برصاصة إيطالية، وأخذ الخطر يهدد المملكة وينذر بحرب أهلية في صقلية؛ إذ طارد جيالديني المتطوعين في صقلية وقتل سبعة من الجنود الهاربين الذين التحقوا بهم، وبدلا من أن تعفو الحكومة عن غاريبالدي حالا عاملته معاملة فيها قسوة غير لائقة، ولم تجرؤ على سوق غاريبالدي أمام المحاكم؛ خشية أن يفشي أسرارها ويسود وجهها، ولم يصدر العفو عنه إلا في شهر تشرين الأول، فلما اجتمع البرلمان اتحد جناحا اليسار واليمين، وهاجما الوزارة معا حتى اضطر رتازي إلى تقديم استقالته في 1 كانون الأول 1862.
অজানা পৃষ্ঠা