وكان البارون هرش يضع صدقاته في موضعها حتى تنتج عنها الفائدة المقصودة، قال البرنس بسمارك في هذا الصدد: «إن هرش هو الرجل الوحيد الذي لا يفتقر الذين يتصدق عليهم.» وكان يأتيه كل يوم أربعمائة مكتوب في طلب الصدقات وبعضها من أبناء الملوك، وهؤلاء كانوا يستدينون منه ولا يوفونه غالبا، فيعد ما يعطيهم إياه صدقة.
وليلة العشرين من أبريل سنة 1896 قضى نحبه بغتة بالسكتة الدماغية بعد أن عاش سنين كثيرة مثالا للهمة والاجتهاد والإحسان، وعلم الأغنياء بسيرته وقدوته كيف ينفعون الفقراء، ويكونون بركة لنوع الإنسان لا لعنة عليه.
وبقيت زوجته ثلاث سنوات بعده سائرة في خطته خطة التصدق ، قالت لامرأة زارتها في فرساليا: إن الغنى الوافر عبء ثقيل على صاحبه، وغاية ما أطلبه وما أرجوه أن أتمكن من إنفاق أموالي كلها حتى يحصل من إنفاقها أكبر نفع لأكبر عدد من الناس.
ولم تمض سنة على وفاة زوجها حتى أرسلت أكثر من مليون ريال إلى مدرسة الصنائع التي أنشأها في نيويورك، حيث يتعلم شبان اليهود الذين هاجروا من روسيا، ولم تمض ثلاث سنوات على وفاته حتى أنفقت على الصدقات ثلاثة ملايين من الجنيهات، وجملة ما تصدقت به هي وزوجها في حياتهما أكثر من خمسة وعشرين مليونا من الجنيهات.
كتب المستر ستروس :
إن حياة البارونة هرش مثال للإيثار وإنكار الذات، فإن شغلها الشاغل كان كيف تستطيع أن تتصدق على الناس من غير أن يشعروا بالذل في نفوسهم، وكثيرا ما كنت أساعدها على فتح المكاتيب التي ترد إليها، وكان متوسط ما يرد إليها في اليوم خمسمائة مكتوب من كل أقطار المسكونة، وكان لا بد من قراءة كل مكتوب منها واختيار ما تظن أصحابه أهلا للمساعدة، فتختار المكاتيب التي يجب أن يجاب أصحابها عليها وتملي على الكتبة، وتقضي بضع ساعات كل يوم في إجابة السائلين وإرسال التحاويل المالية، هذه هي صدقاتها الإفرادية غير صدقاتها العمومية الجمهورية كهباتها للمدارس والمستشفيات وما أشبه ذلك.
وكانت على غاية الوداعة والرصانة قلبها قلب ملاك، ورأسها رأس فيلسوف، قال زوجها لي مرة: إنها لو كانت زوجة رجل فقير لكانت مثالا لنساء الفقراء في الاجتهاد والتدبير.
لما كانت فتاة في بيت أبيها كانت سكرتيرا له فيما يتعلق بصدقاته الكثيرة التي كان يتصدق بها، ولما تزوجت صارت سكرتيرا لزوجها في صدقاته، وكانت تحسن الكتابة بالإنكليزية والألمانية والفرنسوية، ولم تقتصر على أن تكون سكرتيرا لزوجها في كل أعماله الخيرية، بل كانت تحضه دائما على عمل الخير وترشده إلى أساليبه، وقد كتبت إلي مرة تقول: إن الثروة الوافرة مزية كبيرة، ولكنها وديعة في يد صاحبها يطلب منه أن يستعملها حيث يكون منها النفع الأعظم.
ولم تكن تنفق على نفسها أكثر مما تنفقه امرأة من أواسط الناس ولا كانت تهمل ترتيب بيتها وخدمها، وكانت تعمل أعمالها على غاية الدقة والانتظام، كنت راكبا معها مرة في ضواحي باريس فأوقفت المركبة بغتة وطلبت من أحد خدمها أن ينزل ويفرق على بعض الفقراء مبلغا من المال، ثم التفتت إلي وقالت: إن الذين درسوا أحوال المساكين لا يستصوبون هذا النوع من الإحسان، وأنا أعلم أنهم مصيبون، ولكن ما حيلتي وأنا أسر بأن أعطي وأريد أن أسر نفسي مثل غيري، وكانت تقول هذا القول على غاية الدعة والبساطة.
توفيت في مدينة باريس في غرة أبريل سنة 1899، وكان الاحتفال بدفنها بسيطا جدا، واحتفل بجنازتها في أماكن كثيرة في أوروبا وأميركا ومن صدقاتها المعروفة:
অজানা পৃষ্ঠা