476

اعلم أيها الجاهل أنه إنما يقيم ملك الملوك بعد الله الأموال والجنود وبخاصة ملك فارس الذي قد اكتنفت بلاده أعداء فاغرة أفواههم لالتقام ما في يديه وليس يقدر على كفهم عنها وردعهم عما يريدون من اختلاس ما يرومون اختلاسه منه إلا بالجنود الكثيفة والأسلحة والعدد الكثيرة ولا سبيل له إلى الكثيف من الجنود والكثير مما يحتاج إليه إلا بكثرة الأموال ووفورها ولا يستكثر من الأموال ولا يقدر على جمعها لحاجة إن عرضت له إليها إلا بالجد والتشمير في اجتباء هذا الخراج وما نحن ابتدعنا جمع الأموال بل اقتدينا في ذلك بآبائنا والماضين من أسلافنا فإنهم جمعوها كجمعنا إياها وكثروها ووفروها لتكون ظهرا لهم على تقوية جنودهم وإقامة أمورهم وغير ذلك مما لم يستغنوا عن جمعها له فأغار على تلك الأموال وعلى جوهر كان في خزائننا المنافق بهرام في عصابة مثله وفتاك مستوجبين القتل فشذبوها وبذروها وذهبوا بما ذهبوا به منها ولم يتركوا في بيوت أموالنا وخزائننا إلا أسلحة من أسلحتنا لم يقدروا على تشذيبها والذهاب بها ولم يرغبوا فيها فلما ارتجعنا بحمد الله ملكنا واستحكمت أمورنا وأذعن لنا الرعية بالطاعة ودفعنا عنهم البوائق التي كانت حلت بهم ووجهنا إلى نواحي بلادنا أصبهبذين وولينا دونهم على تلك النواحي فاذوسبانين واستعملنا على ثغورنا مرازبة وولاة ذوي صرامة ومضاء وجلد وقوينا من ولينا من هؤلاء بالكثيف من الجنود أثخن هؤلاء الولاة من كان بإزائهم من الملوك المخالفين لنا والعدو وبلغ من غاراتهم عليهم وقتلهم من قتلوا وأسرهم من أسروا منهم من سنة ثلاث عشرة من ملكنا ما لم يقدر الرجل من أولئك على إطلاع رأسه في حرم بلاده إلا بخفير أو خائفا أو بأمان منا فضلا عن الإغارة على شيء من بلادنا والتعاطي لشيء مما كرهنا ووصل في مدة هذه السنين إلى بيوت أموالنا وخزائننا مما غنمنا من بلاد العدو من الذهب والفضة وأنواع الجوهر ومن النحاس والفرند والحرير والإستبرق والديباج والكراع والأسلحة والسبي والأسراء ما لم يخف عظم خطر ذلك وقدره على العامة فلما أمرنا في آخر سنة ثلاث عسرة من ملكنا بنقش سكك حديثة لنأمر فيستأنف ضرب الورق بها وجد في بيوت أموالنا على ما رفع إلينا المحصون لما كان فيها من الورق سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جنودنا من الورق مائتا ألف بدرة فيها ثمانمائة ألف ألف مثقال فلما رأينا أنا قد حصنا ثغورنا وردعنا العدو عنها وعن رعيتنا [ وجمعنا مشتت أمرنا ] وكعمنا أفواههم الفاغرة كانت لالتقام ما في أيديهم وبسطنا فيهم الأمن وأمنا على نواحي بلادنا الأربع ما كان أهلها فيه من البوائق والمغار أمرنا باجتباء بقايا السنين وما انتهب من بيوت أموالنا من ذهب وفضة ومن خزائننا من جوهر أو نحاس ورد ذلك كله إلى موضعه حتى إذا كان في آخر سنة ثلاثن من ملكنا أمرنا بنقش سكك حديثة يضرب عليها الورق فوجد في بيوت أموالنا سوى ما أمرنا بعزله من الأموال لأرزاق جندنا والأموال التي أحصيت لنا قبل ذلك من الورق أربعمائة ألف بدرة يكون ما فيها ألف ألف ألف مثقال وستمائة ألف ألف مثقال وذلك سوى ما زادنا الله إلى تلك الأموال مما أفاء الله بمنه وطوله علينا من أموال ملوك الروم في سفن أقبلت بها إلينا الريح فسميناها فيء الرياح ولم تزل أموالنا من سنة ثلاثين من ملكنا إلى سنة ثمان وثلاثين من ملكنا التي هي هذه السنة تزداد كثرة ووفورا وبلادنا عمارة ورعيتنا أمنا وطمأنينة وثغورنا وأطرافنا مناعة وحصانة وقد بلغنا أنك هممت لرذولة مروءتك أن تبذر هذه الأموال وتتويها عن رأي الأشرار العتاة المستوحبين للقتل ونحن نعلمك أن هذه الكنوز والأموال لم تجمع إلا بعد المخاطرة بالنفوس بعد كد وعناء شديد لندفع بها العدو المكتنفين لبلاد هذه المملكة المتقلبين إلى غلبتهم على ما في أيديهم وإنما يقدر على كف أولئك العدو في الأزمان والدهور كلها بعد عون الله بالأموال والجنود ولن تقوى الجنود إلا بالأموال ولا ينتفع بالأموال إلا على كثرتها ووفورها فلا تهمن بتفرقة هذه الأموال ولا تجسرن عليها فإنها كهف لملكك وبلادك وقوة لك على عدوك

পৃষ্ঠা ৪৯০