فصل في الصفات الأولى للمبدأ الواجب الوجود
فقد ثبت لك الآن شيء واجب الوجود، وكان ثبت لك أن واجب الوجود واحد، فواجب الوجود واحد لا يشاركه في رتبته شيء، فلا شيء سواه واجب الوجود، وإذ لا شيء سواه واجب الوجود، فهو مبدأ وجوب الوجود لكل شيء، ويوجه إيجابا أوليا أو بواسطة، وإذا كان كل شيء غيره فوجوده من وجوده فهو أول. ولا تعني بالأول معنى ينضاف إلى وجوب وجوده حتى يتكثر به وجوب وجوده، بل نعني به اعتبار إضافته إلى غيره. وأعلم أنا إذا قلنا بل بينا أن واجب الوجود لا يتكثر بوجه من الوجوه، وأن ذاته وحداني صرف محض حق، فلا نعني بذلك أنه أيضا لا يسلب عنه وجودات، ولاتقع له إضافة إلى وجودات؛ فإن هذا لا يمكن. وذلك لأن كل موجود فيسلب عنه أنحاء من الوجود مختلفة كثيرة، ولكل موجود إلى الموجودات نوع من الإضافة والنسبة، وخصوصا الذي يفيض عنه كل وجود، لكنا نعني بقولنا إنه وحداني الذات لا يتكثر أنه كذلك في ذاته، ثم إن تبعته إضافات إيجابية وسلبية كثيرة فتلك لوازم للذات معلولة للذات، توجد بعد وجود الذات، وليست مقومة للذات ولا أجزاء لها. فإن قال قائل: فإن كانت تلك معلولة فلها أيضا إضافة أخرى، ويذهب إلى غير النهاية. فإنا نكلفه أن يتأمل ما حققناه في باب المضاف من هذا الفن، حيث أردنا أن نبين أن الإضافة تتناهى وفي ذلك إنحلال شكه. ونعود فنقول: إن الأول لا ماهية له غير الإنية، وقد عرفت معنى الماهية، وبماذا تفارق الإنية فيما تفارقه في افتتاح تبياننا هذا فنقول: إن واجب الوجود لا يصح أن يكون له ماهية يلزمها وجوب الوجود، بل نقول من رأس : إن واجب الوجود قد يعقل نفس واجب الوجود، كالواحد قد يعقل نفس الواحد، وقد يعقل من ذلك أن ماهيته هي مثلا إنسان أو جوهر آخر من الجواهر، وذلك الإنسان هو الذي هو واجب الوجود، كما أنه قد يعقل من الواحد أنه ماء أو هواء أو إنسان وهو واحد. وقد تتأمل فتعلم ذلك مما وقع فيه الاختلاف في أن المبدأ في الطبيعيات واحد أو كثير. فبعضهم جعل المبدأ واحدا، وبعضهم جعله كثيرا. والذي جعله منهم واحدا فمنهم من جعل المبدأ الأول لا ذات الواحد، بل شيئا هو الواحد، مثل ماء أو هواء أو نار أو غير ذلك. ومنهم من جعل المبدأ ذات الواحد من حيث هو واحد، لا شيء عرض له الواحد، ففرق إذن بين ماهية
পৃষ্ঠা ১৭৯