ولا تتم صورة العبقري العالمي بغير تلك الخطوط التي ترتسم بها سمات القرية بناحيتها الطبيعية وناحيتها الاجتماعية في تلك العبقرية الخالدة، فإن القرية هي التي ترسم لنا من صورة شكسبير الإنسان ملامح السمت والحرص على السمعة وتوجيه خلائق الجد والدأب إلى غايتها في القرية بين غايات الفن والشهرة، وقد تفسر لنا هذه الخطوط القروية خفايا السنوات المجهولة فنرضى عن تفسيرها؛ حيث يتركنا كل تفسير عداه متطلعين إلى سؤال لا جواب عليه.
فلا لغز في اختباء شكسبير بضع سنوات يشتغل فيها بالتمثيل منزويا عن عشيرته الأولى قبل أن ترتفع عنه معابة الاشتغال بهذه الصناعة، وقبل أن يحمد من أسرته مغبة الانتساب إليها.
وما من غرابة في هذا المسلك تلجئنا إلى طلب التفسير؛ لأنه المسلك الذي لا مسلك سواه بين يديه، ولا فكاك منه للفنان المطبوع الذي ولد قرويا ومات قرويا ولم تصرفه المدنية ولا العالم عن أحضان الطبيعة في قريته بين مآلف صباه ومعاهد آله وعشيرته.
فلم يكد يفرغ من حق المدنية والعالم عليه حتى عاد إلى القرية التي أعطته حياته الأولى ليعطيها بقية حياته.
الفنان
يقول روبرت جرين في هجائه لشكسبير إنه دعي يخيل إليه أنه هزاز الستار غير مدافع في أنحاء البلاد، وأنه من أجل ذلك يحسب أنه قادر على قرض الشعر المرسل كأبدع ما يبدعه فحول الشعراء في زمانه.
ولا ننظر هنا إلى نية روبرت جرين في مقاله، وإنما نستدل منه على اعتداد شكسبير بصناعة التمثيل كاعتداده، بصناعة التأليف ونظم القصيد، وربما لزم التنبيه إلى ذلك في العصور المتأخرة؛ لأن شكسبير قد كاد أن ينفرد بعظمة التأليف المسرحي بين نظرائه الذين سبقوه في الزمن أو لحقوا به إلى هذا العصر الحديث، حتى صغرت في أعين الناس كل شهرة غير شهرة التأليف تضاف إليه.
ومن الراجح أن شكسبير الممثل لا يفوق نخبة الممثلين كما فاق المؤلف شكسبير نخبة المؤلفين، إلا أننا لا نرى من أجل ذلك أن عنايته بالتمثيل كانت أقل من عنايته بالتأليف، فإن العناية بالشيء والقدرة عليه لا تتلازمان، وقد تكون القدرة العظيمة كافية لإتقان العمل بقليل من العناية، وقد تعظم العناية كلما صغرت القدرة ولم تأت وحدها بالكفاية من الإتقان، فإذا احتاج الشاعر إلى الجهد في إحدى صناعتيه فلا جرم يكون التمثيل أحوج الصناعتين منه إلى الجهد والاكتراث، ويكون الاعتداد به - كما قال جرين - أظهر من اعتداده بمجاراة الشعراء في النظم والتأليف.
وقد وجد في عصر شكسبير ممثلون تخصصوا للتمثيل ولم يشتغلوا بالكتابة للمسرح، ووجد فيه كتاب مثلوا الأدوار في الأدب القديم أيام دراستهم بالجامعات، ثم تخصصوا للتأليف ولم يأنسوا في أنفسهم القدرة على تمثيل الأدوار في رواياتهم ولا في غيرها من روايات زملائهم، ومنهم من تصدى للتمثيل ثم عدل عنه وأسند إلى الممثلين المنقطعين للمسرح تمثيل الأدوار التي يريد لها النجاح، وقد كان بن جونسون يشتغل بالتمثيل ويسند إلى شكسبير بعض الأدوار المختارة كما صنع في رواية «كل على هواه»
Everyman in his humour .
অজানা পৃষ্ঠা