الآن كانت السدم الأصغر سنا تراقب الأكبر منها وهي تتساقط الواحد بعد الآخر إلى حالة من البلادة والارتباك كانت تنتهي على الدوام بالنوم الذي يدعوه البشر بالموت. وسرعان ما اتضح حتى إلى الأرواح الأكثر تفاؤلا أن هذا المرض ليس حادثة عارضة بل مصير متأصل في طبيعة السدم.
وواحدا تلو الآخر، فنت الوحوش السماوية العظيمة، وقد أفسحت المجال لظهور النجوم.
وإذ نظرت إلى تلك الأحداث الماضية من موقعي في المستقبل البعيد، حاولت، أنا العقل الكوني البدائي، أن أوصل للسدم الميتة أن موتها في الماضي السحيق أبعد ما يكون عن النهاية بل هو مرحلة مبكرة في حياة الكون. لقد كان أملي أن أواسيها بأن أمنحها تصورا عن المستقبل الشاسع المعقد، وعن تيقظي. بالرغم من ذلك، فقد اتضح أن التواصل معها أمر مستحيل. ومع أنها كانت تتمتع داخل دائرة خبرتها المعتادة بنوع من القدرات الفكرية، فقد كانت بلهاء تقريبا خارج هذه الدائرة. لقد كان الأمر شبيها بأن يحاول المرء أن يعزي الخلايا الجنسية التي انبثق هو نفسه منها بأن يخبرها عن مسيرته الناجحة في المجتمع البشري.
ولما ذهبت هذه المحاولة للمواساة عبثا، نحيت التعاطف جانبا، واكتفيت فقط بأن أتابع انهيار المجتمع السديمي إلى نهايته. وفقا للمعايير البشرية، طالت المعاناة بدرجة عظيمة للغاية؛ فقد بدأت بتفكك أقدم السدم إلى نجوم، واستمرت (أو سوف تستمر) إلى فترة طويلة بعد دمار آخر السلالات البشرية على كوكب نبتون. الواقع أن آخر السدم لم تسقط في هوة اللاوعي إلى أن تحولت العديد من جثث جيرانها بالفعل إلى مجتمعات تكافلية من النجوم والعوالم العاقلة. غير أن السدم نفسها، والتي كانت تعيش حياة بطيئة الوتيرة، قد شعرت بأن هذا الطاعون مرض متسارع. ووحدا تلو الآخر، وجدت هذه الوحوش الدينية العظيمة نفسها في مواجهة مع العدو المستتر، وحاربت ببسالة في معركة خاسرة إلى أن غلبها السبات. لم يعرف أي منها أن جسده المتفتت كان يعج بالكثير من الحيوات الأصغر والأسرع المتمثلة في النجوم، أو أنه قد امتلأ بالفعل بين الحين والآخر بحيوات أقصر وأسرع وأكثر ثراء على نحو كبير لكائنات كالبشر، والتي كانت عصورهم التاريخية المزدحمة مضغوطة بأكملها في اللحظات الأخيرة القليلة الكئيبة من حيوات هذه الوحوش البدائية. (2) اقتراب اللحظة الأسمى
إن اكتشاف الحياة السديمية قد أثر بعمق في العقل الكوني الابتدائي الذي أصبحت أنا عليه. بصبر، رحت أدرس هذه الوحوش التي تكاد تكون عديمة الشكل، مستوعبا داخل كياني المركب ما كانت تتسم به طبيعتها العميقة البسيطة من حماس. لقد كانت هذه الكائنات البسيطة تسعى إلى هدفها بعزم وحماس قد تفوقا على كل ما كانت تتمتع به جميع العوالم والنجوم. وبهذا الخيال المتقد دخلت إلى تاريخ تلك الكائنات حتى إنني أنا نفسي، العقل الكوني، قد تشكلت على نحو ما من جديد من خلال تأملها. حين تأملت من وجهة النظر السديمية ما تتسم به العوالم الحية من تعقيد شاسع ودقة شديدة، بدأت أتساءل عما إذا كانت الشطحات اللانهائية للعوالم تعود في حقيقة الأمر إلى ثراء وجودها أم إلى ضعف إدراكها الروحاني، إلى ما تتسم به طبيعتها من إمكانات هائلة التنوع أم إلى افتقارها إلى أي تحكم جاد في خبراتها. إن مؤشر البوصلة المثبت بمغناطيس ضعيف يظل يتأرجح مرارا وتكرارا إلى الشرق والغرب ويستغرق وقتا طويلا لتحديد اتجاهه الصحيح. أما المؤشر الحساس فإنه يستقر على الفور باتجاه الشمال. أيمكن أن يكون التعقيد الشديد لكل عالم بأفراده الضئيلين المعقدين هو ما قد أدى إلى تشويش إدراكه للاتجاه الصحيح للروح؟ أيمكن أن تكون بساطة هذه الكائنات الأولى العملاقة وعنفوانها الروحاني قد حققا شيئا ذا قيمة سامية للغاية لم يتمكن تعقيد العوالم ودقتها من تحقيقه على الإطلاق؟
لكن كلا! مهما كانت براعة العقلية السديمية بطريقتها الخاصة الغريبة، فقد كانت العقلية النجمية والكوكبية تتمتعان بفضائلهما الخاصة أيضا. ولا بد أن العقلية الكوكبية هي الأعلى فيما بينها؛ إذ إنها هي الأقدر على فهم العقليات الثلاث على أفضل نحو.
كنت الآن قد سمحت لنفسي باعتقاد أنني، إذ صرت أخيرا أضم في وجودي وعيا شديدا بالمرحلة الأولى من الحياة الكونية وليس بالمجرات العديدة فحسب، يمكنني الآن ببعض الإنصاف أن أرى نفسي العقل الابتدائي للكون بأكمله.
غير أن المجرات اليقظة التي دعمتني كانت ما تزال أقلية صغيرة من بين إجمالي عدد المجرات. من خلال التأثير التخاطري، واصلت تقديم المساعدة لتلك المجرات العديدة التي كانت على أعتاب النضج الذهني. لو أنني استطعت أن أضم في المجتمع الكوني للمجرات اليقظة مئات من المجرات بدلا من العشرات، فلربما تحليت أنا العقل الكوني بدرجة كبيرة من القوة وتمكنت من الارتقاء من حالتي الحالية المتمثلة في الطفولة الذهنية المقيدة إلى حالة أشبه بالنضج. لقد اتضح لي أنني كنت أنضج استعدادا لاستجلاء ما هو جديد، بالرغم من تلك الحالة الجنينية التي أنا عليها، وأنني قد أجد نفسي، مع محالفة الحظ، في حضور ما يدعى في اللغة البشرية لهذا الكتاب باسم صانع النجوم.
في هذا الوقت، كان توقي لذلك الحضور قد استبد بي بشدة. لقد بدا لي أن الحجاب الذي ظل يخفي مصدر جميع السدم والنجوم والعوالم وهدفها كان يتكشف بالفعل، وشعرت الآن بأن ذلك الذي ألهم الكثير من الكائنات المتنوعة بعبادته ولم يكشف عن نفسه بوضوح لأي منها بعد، ذلك الكيان الذي جاهدت جميع الكائنات بغير هدى من أجل الوصول إليه، وراحت تمثله لأنفسها بصور الكثير من الآلهة المتنوعة، على شفا أن يكشف عن نفسه لي، أنا روح الكون الناقصة التي لا تزال تنمو.
أنا من عبدني العديد من أعضائي الضئال، أنا من فاق إنجازي كل أحلامهم، كنت الآن مقهورا مدحورا لشعوري بضآلتي ونقصي. لقد كان حضور صانع النجوم المحتجب يتملكني بالفعل بقوة رهيبة. وكلما صعدت في مسار الروح، بدت القمم التي كانت تقع أمامي أكثر رقيا؛ ذلك أن ما كنت أظن قبل ذلك أنه القمة وقد تجلت لي بكاملها، قد بدت لي الآن أنها ليست سوى سفح. وفيما وراء ذلك، كان يقع السلم الحقيقي منحدرا متعرجا بالصخور جليديا يرتفع إلى الضباب القاتم. لا ينبغي بي أبدا أن أتسلق ذلك المنحدر، وبالرغم من ذلك، فلا بد لي من أن أتقدم إلى الأمام. التوق العارم قد تغلب على الرهبة.
অজানা পৃষ্ঠা