آخر صورة للفقيد العظيم. (7) سعد وحدة فطنته
كان النائب المحترم بشري بك حنا جالسا يوما في حضرة الفقيد العظيم حين دخل عليه معالي (واليوم دولة) محمد محمود باشا، فشغل رحمه الله بالحديث معه فتبادر إلى ذهن بشري بك أن دولته أعرض عنه استخفافا به أمام محمد محمود باشا، فانصرف من بيت الأمة في ذلك اليوم وقد عول على ألا تطأ قدماه عتبته مرة أخرى. وفعلا مر الأسبوع تلو الأسبوع بدون أن يعود إلى زيارة الرئيس كجاري عادته، فلم يخف الأمر على معالي فتح الله بركات باشا، فسأله عن الباعث له على إحجامه عن زيارة دولته، فقص عليه ما كان من معاملة الرئيس له، وأنه قرر عدم زيارة بيت الأمة في المستقبل مع احتفاظه بمبدئه السعدي، فتوجه معاليه في الحال إلى بيت الأمة وأبلغ الفقيد العظيم أن بشري بك عاتب عليه للسبب الذي بسطناه آنفا، فأطرق رحمه الله لحظة ثم قال: «ادعه إلى الغداء عندي وادع معه محمد محمود باشا.» فخاطب فتح الله باشا بشري بك بالتلفون وقال له: «إن الباشا يدعوك إلى الغداء عنده.» فقال بشري بك: «إني مرتبط اليوم بموعد آخر.» فقال له فتح الله باشا: «إن غداء الباشا موعده غدا لا اليوم.» فقبل بشري بك الدعوة، وفي ظهر اليوم التالي قصد إلى بيت الأمة فألفى دولة محمد محمود باشا في حضرة الرئيس، فلما رآه رحمه الله داخلا عليه نهض له هاشا باشا، وأقبل عليه طول مدة الغداء يتبادل وإياه النوادر والحكايات المستملحة، وقبل أن ينهضوا عن المائدة التفت (طيب الله ثراه) إلى محمد محمود باشا، وأعرب له بعبارات رقيقة عما لبشري بك من المنزلة الرفيعة في قلبه. (8) سعد ولباقته
في خلال سنة 1921 كتب بعض خصوم الوفد في بعض صحفنا اليومية يقولون إن المظاهرات التي تقام لسعد زغلول باشا ليست سوى مظاهر مفتعلة، وأن جميع أصوات الهتاف التي تكاد تبلغ الجوزاء لا تحركها إلا «الريالات».
وفي يوم من الأيام قصد أحد صحفيينا المعروفين إلى بيت الأمة ومعه نجله ليقدمه لدولة الرئيس، فلما دخلا عليه قال لدولته: «لقد جئت لأقدم لكم نجلي الذي كان يهتف أمس باسمكم في حفلة شاي أقامها لجمهور من زملائه.»
فالتفت سعد باشا إلى الشاب وقال له: «وكم دفع لك سعد باشا كي تهتف باسمه؟» فقال الشاب على الفور: «ولا مليم يا افندم.»
فقال رحمه الله عندئذ للصحفي المشار إليه آنفا : «إذا كان ابنك يسلك هذا المسلك ويقول هذا الكلام، فكيف ترضى أن تنشر في جريدتك كتابات يقول فيها خصومي عني أنني أدفع للهاتفين أجور الهتاف باسمي؟» ومن ذلك اليوم لم يعد الصحفي المذكور يرضى بنشر كلمة واحدة على صفحات الجريدة في هذا الموضوع. (9) سعد وشدة صراحته
ما كاد الوفد المصري يذيع في الانتخابات الأخيرة قائمة المرشحين الذين يؤيدهم ويعضدهم وما كاد ... بك ... يرى أن تلك القائمة جاءت خلوا من اسمه حتى زار بيت الأمة وتشرف بمقابلة سعد باشا، فكان أول ما قاله لدولته عند دخوله عليه في غرفته الخاصة: «لماذا لم ترشحوني في هذه الانتخابات؟» فنظر إليه سعد باشا شذرا وقال له: «لأنني لم أفكر فيك ولم أشأ أن أفكر فيك.» فانصرف ... بك من حضرة الرئيس وتقدم إلى الانتخابات من تلقاء نفسه على مبادئ الوفد المصري، فأصدر الوفد بلاغا قال فيه إنه لم تعد له أقل صلة به، وإن الوفد لا يؤيد ترشيحه على الإطلاق. (10) سعد وقوة وطنيته
بينما كان النحاس باشا والأستاذ مكرم وسينوت بك حنا جالسين ذات ليلة على شرفة الدار التي كان سعد باشا يقطنها في سيشل يتحدثون عن التعب الذي ألم بدولته من يومين، أقبل عليهم (رحمه الله) وهو يلوح بيديه بدون أن يقوى على الكلام، فنهضوا إليه مسرعين قائلين: «ما لك يا باشا؟ ... ما لك؟» فأشار إلى لسانه كمن يريد أن يفهمهم أنه معقود، ثم أشار إليهم بأن يجلسوه على كرسي طويل (شيزلونج) فأجلسوه عليه، فأخذ يتنفس بشدة وبعدما استراح قليلا ساعدوه على العودة إلى غرفته وجلسوا ملتفين حول فراشه، فلم يلبث أن نام نوما هادئا، فظلوا مقيمين في حجرته ليكونوا رهن إشارته وعلى استعداد لتلبية أوامره. وفي نحو الساعة الخامسة صباحا، فتح (رحمه الله) عينيه فأبصرهم جالسين على مقربة منه، فقال لهم: «ما تخافوش ... ما تخافوش.» وسكت قليلا ولما استرد قواه استأنف كلامه قائلا: «إن الحياة لا تستحق أن يحزن عليها المرء كثيرا ... ثم ما الفرق بين الموت هنا والموت هناك ... لقد كنت أتمنى أن تدركني الوفاة في المنفى فتذكي نار الحماسة والوطنية في نفوس المصريين؛ إذ أكون بموتي هنا قد ضربت لهم مثلا في كيفية بذل المهج والأرواح في سبيل الوطنية والنهضة القومية.» (11) سعد ونكاته
مزار الأكراد
لما كان الفقيد العظيم مقيما في بساتين بركات قبيل انتقاله إلى جوار ربه زاره يوما عبد العزيز رضوان بك، عضو مجلس الشيوخ، ومعه نجله الوحيد وهو في نحو العاشرة من عمره، فلما أقبل الفتى على دولته لثم يده، فقبله رحمه الله في جبينه وسأله عن اسمه، فأجاب: «محمد عبد العزيز رضوان الكردي»، فابتسم سعد وقال: «ومن أين أتى اسم الكردي هذا؟» فقال عبد العزيز رضوان بك: «بقيت يا دولة الباشا مدة طويلة بدون ولد، وفي سنة من السنوات قصدت إلى دمشق الشام، وفي ذات يوم زرت مزارا للأمراء الأكراد، وفيما أنا أجول فيه خطر لي أن أسأل المولى الكريم أن يمن علي بولد وعاهدته تعالى إذا أجابني إلى سؤالي أن أسمي ابني الكردي نسبة إلى السادة الأكراد، ثم لم ألبث أن رجعت إلى مصر، وبعد مدة غير طويلة رزقت ولدي هذا، فأسميته الكردي، ومن ذلك الحين لم أرزق غيره.»
অজানা পৃষ্ঠা