وصاحبه من مكة إلى المدينة، وقد ساد بها الإسلام، فعد بسلطانه الأنام.
وبعد، فلست بحاجة إلى أن أحدثك عما كان قد غشي الأرض من ظلم وفساد، وتصدع في النفوس وتضعضع في الأخلاق، حتى كاد يقضي على الأمم بعدم الصلاحية للبقاء، إلى أن بعث محمد من عند الله حقا، فبلغ رساته إلى الناس كما أوحى إليه بهاربه حقا، فكان ما شهد التاريخ من ذلك الفتح والإصلاح والإسعاد.
ولا أحب أن أطيل في وصف ذلك الإصلاح والإسعاد، فبحسبهما أن تنزل بآياتهما وحي كريم من عند الله العلي العظيم.
وإنما أقف وقفة قصيرة عند سيرة من خلفوا محمدا
صلى الله عليه وسلم ، ولم يؤيد أحد منهم بوحي سماوي، ولا حبي بالعصمة التي حبي بها الأنبياء، إنما هم أناس مثل سائر الناس.
وإذا كان خلفاء الرسول قد ارتفعوا على سائر الناس، فبأنهم إنما ساروا سيرة هذه الشمس التي تطالعهم كل صباح وتغرب عنهم كل مساء، على أنها هي تعمل لعالم الأحياء والأجرام، أما هم فيعملون لعالم النفوس والأرواح.
يعملون جادين جاهدين لا يبتغون من سعيهم نفعا، ولا يريدون من ورائه فخرا ولا ذكرا؛ لأنهم أشد أمانة من أن يقتطعوا لأنفسهم أو لذويهم شيئا مما ينبغي أن يجرد كله للنفع العام.
يعملون لا مستبدين بالرأي ولا مستأثرين، بل مشاورين مصغين مسرعين، حتى إذا اتسق لهم الرأي الذي يرون فيه منفعة المجموع، أسرعوا إلى إمضائه ولو جاء من أصغر الجميع.
أما رأي الجماعة فشرع عندهم مشروع وقضاء مبرم محتوم، يعملون صادقين مخلصين لله وللنفع العام لا كبر ولا مخيلة، ولا استئثار بمنفعة من المنصب والجاه، بل ليس عندهم إلا الإيثار والتواضع، والرقة للضعفاء، وهيهات أن يؤثروا أحدا على أحد إلا بطاعة الله وما قدم من الخير للمجموع.
ولعمري، لتلك أعلى صور الديموقراطية التي يحلم بها أجل الفلاسفة من قديم الزمان.
অজানা পৃষ্ঠা