كل ما أذكره قبل ذاك حادث عابر جاء وذهب في لحظة قصيرة؛ فقد كنا نعبر النيل عند الخرطوم في مركب اشترته جماعة من الموظفين الأصدقاء، الذين يسكنون من النيل في ضفة ويعملون في الضفة الأخرى، ليكون المركب تحت تصرفهم دائما، على نحو ما يملك المالك اليوم سيارة خاصة؛ واصطف الراكبون صفين متقابلين، وفي الصف المقابل لي كان والدي وكان أحد أصدقائه، وأحسبني قد زررت عيني اليمنى، حين قال ذلك الصديق: «أتزر عينك منذ الآن يا بني؟ فماذا أنت صانع إذن حينما تتقدم بك السنون؟» مع حرف النون الأخير في عبارته وقعت كف والدي على وجهي صافعة، وهو يزجر: «افتح عينك حين تنظر.»
لم أكن أعلم قبل ذلك - إذن - ولا كان أهلي يعلمون أن بعيني ضعفا، حتى كشف لي الأمر صغار الزملاء من السودانيين، حين راحوا يطلقون علي أسماء من قبيل «الأعور» و«الأعمش»، ثم استقروا أخيرا على مصطلح لم أفهمه بادئ ذي بدء، وهو قولهم «7 و4» أحيانا، و«5 و6» أحيانا أخرى، ولطالما عجبت من العلاقة بين هذه الأعداد وبيني، لكنني كنت على يقين عندئذ أن الإشارة في هذا كله إلى عيني، وأخذت أحاول أن أنظر كما ينظر أصحاب النظر السليم، فالكتابة على السبورة لا أراها لكني أكتم الخبر، وقد حدث ذات يوم أن أقبلت علي طائفة من الزملاء، وأحاطت بي ليرى من لم يكن قد رأى كيف أني أزر عينا دون عين، فأردت أن أدحض لهم دعواهم، وبالغت في فتح عيني حتى أبرهن لهم أن ليس بها عيب يعاب، فازدادوا ضحكا، وازددت عجبا وريبة، ولما عدت إلى الدار وقفت أمام المرآة لأفتح عيني كما فتحتهما في الصباح لأرى كيف ظهرتا للمشاهدين، وإذا بالزملاء معذورون؛ لأنها في الحق حملقة تضحك من قصد إلى السخرية والعبث.
ومنذ ذلك العهد الباكر من حياتي، وعيناي العليلتان مصدر عجيب لكل ضروب العوامل التي تدفع صاحبها إلى الأمام مرة، وترده إلى الوراء مرة؛ فقد كان مما قيل في أوساط الأسرة - وقد عرفت حقيقة بصري - أنه لا جدوى من أن أكمل مراحل التعليم إلى آخر أشواطها، ما دام هذا البصر الكليل عقبة في سبيل التوظف على كل حال؛ فالتعليم عندهم وعند الناس أجمعين في ذلك العهد طريق للوظيفة، فإذا لم يكن الطريق موصلا إلى غايته بطل أن يكون طريقا، وكان عبئا ومضيعة للجهد والوقت والمال، وسمعت هذا اللغط يسري بين من يهمهم أمري ومن لا يهمهم من أفراد الأسرة الكبار، فزادني صلابة وعنادا وإصرارا على المضي فيما أرادوا أني يصدوني عنه، فإذا قال القائل: لا تقرأ حرصا على بصرك. كان رد الفعل عندي أن أقرأ ضعف ما أردت أن أفعل، ولست أشك في أن أقوى ما دفعني إلى حياة الدراسة هو ذلك العزم الذي بدأ عنادا أول الأمر، ثم انتهى إلى ميل وعادة.
ولست أنسى يوما - وكنت في السنة الثانية الابتدائية - حين «سرحت» عن الدرس، وسبحت بنظري خلال النافذة شاخصا إلى قطع السحاب تتسابق مع الريح، وتتخذ لنفسها أشكالا عجيبة، فجعلت أتأمل ماذا عساها أن تكون؟ فهذا جمل ذو سنامين وخمسة أرجل، وتلك بطة سابحة تلوي عنقها ذات اليمين مرة وذات الشمال مرة، وذلك تمساح فتح فكيه ليبتلع سمكة تجري أمامه ولا يلحقها، ثم جاءت سحابة ضخمة تشبه وجه الرجل الكهل بلحية طويلة وشاربين كبيرين، وعلى الوجه جلال وعظمة، فقد رأيته وكأنه يأمر بقية السحاب فتجري بأمره وتقف بأمره، فمن ذا يكون هذا الآمر العظيم؟ آه لقد عرفت، إنه «الله »؛ فقد حكوا لي أنه يسكن السماء، يا سلام! هذا - إذن - هو «ربنا»!
هكذا كانت خواطري تجري وأنا أنظر إلى قطع السحاب، حين جاءتني ركلة بالقدم في جنبي، وضربة بجمع اليد في كتفي، ومجموعة الأولاد في الفصل تنفجر ضاحكة، ونظرت مذعورا إلى الضارب، الذي هو المعلم وإذا به يكشر عن أسنانه اللوامع البيض: فيم زررت عينك يا أعور؟ وإلى أي شيء في السماء تنظر؟
وليت المعلم يعلم الآن أن العين العوراء ما زالت تنظر إلى السماء باحثة عن الله - لكنها هذه المرة تبحث عنه وراء قطع السحاب - سائلة عن الكون ونشأته وعن الإنسان ومصيره، وليت المعلم يعلم كذلك كم كانت تلك العين العوراء حافزا وكم كانت مصدر ألم ممض، فمنذ ركلته بالقدم، وضربته بجمع اليد، في تلك اللحظة الهائمة المتأملة، قد أصبحت العين العوراء هما مقيما على صدري، لا ينزاح ولا يزول، تبعث في نفسي كل صنوف المخاوف مما قد تضرب به الأيام فتصيب مني مقتلا، وإنما هي الشبح المخيف والظل الكئيب، الذي أراه مطروحا أمامي في الطريق أينما سرت، فيظلم الأفق ويصد عني شعاع الشمس المضيء. •••
كان للغلام فيما بين عامه العاشر وعامه الخامس عشر سبحات شاطحات في أحلام يقظته، معظمها يدور على محورين: أحدهما: هو أن يكسب مالا كثيرا يقيم به الدليل على «شطارته». والآخر: هو أن يضل في التيه طريدا شريدا.
فما سار يوما من البيت إلى المدرسة - ذلك الطريق الطويل برماله الغزيرة وشمسه الحارة وهوائه المعفر - ألا وقد طأطأ الرأس مثبتا عينيه في قدميه، وشاردا بخياله؛ إلى أين؟ إلى غابات الجنوب - وكان قد سمع عنها ما يثير خياله - فيتاجر مع أهلها، فيكسب المال الكثير، وأهله أثناء غيبته لا يعلمون أين ذهب، فيبحثون عنه حتى يأخذهم اليأس، فيقولوا: مات، أو فقد لغير رجعة، فإذا به بعد أعوام يعود إليهم ومعه صرر كبيرة، يسألونه: ماذا تحوي؟ فيجلس بينهم ويفتحها، فيتدفق المال، وتنفغر الأفواه من عجب، فيوزع عليهم أنصبتهم، ويبقي لنفسه نصيبها ...
وما جلس وحده يوما، إلا وقد راح يحلم بأنه يخبط في فجاج الأرض طريدا شريدا، يأكله الجوع فلا يجد اللقمة، ويقتله العطش فلا يجد جرعة الماء، وتتمزق ثيابه، وتنهد قواه، وربما اضطر إلى التسول ليقيم الرمق وهو في عزلة الشريد المجهول.
فأما موضوع المال وكسبه، فقد هم الغلام عندئذ بإخراجه من دنيا الأحلام إلى دنيا الواقع بصور شتى، فيها السذاجة الشديدة التي انتهت به ذات يوم إلى «علقة» ترده إلى صواب العقلاء؛ فمن ذلك - مثلا - أنه فكر: لماذا لا يتاجر ليكسب؟ ومر بالدار ساعتئذ - وكان أهله في زيارة - بائع الدجاج، فاشترى منه زوجين، وعاد الأهل من زيارتهم فظنوه اشترى الدجاج لحسابهم، وحمدوا له الصنيع لأنه دجاج جيد بسعر رخيص، لكنه في الحقيقة كان يضمر في نفسه تجارة؛ فبعد يومين مر بائع للدجاج آخر، معروف للأسرة لكثرة تردده على البيت بائعا، وهو رجل ضرير اسمه «صيام»، فلم يجد في الدار غيري، وما فتحت له الباب حتى بادرني بقوله: عندي دجاج سمين، فقلت له: وأنا كذلك عندي دجاج أسمن، فهل لك في الشراء؟ فتعجب الرجل لبيتنا يباع منه الدجاج وكان الظن أن يباع له، لكنه طلب البضاعة المعروضة ليفحصها، وأمسكت بدجاجاتي من فناء الدار بعد جري وراءها وهي مع بقية الدجاج في الفناء تندفع مذعورة هنا وهناك وتصيح كأنها تطلب الغوث ممن يغيث؛ أمسكت بدجاجاتي وعرضتها على «صيام» فراح يتحسسها، ثم سعرها بثمن يشتريها به، وهو ثمن يزيد قرشين عما كنت دفعته لشرائها، فأسلمته الدجاج وقبضت الثمن فرحا بكسبي، وعاد شمل الأسرة فاكتمل: أبا وعما وأما وامرأة عم، وعلموا بالأمر، فأخذتهم الدهشة المحيرة التي لم تنفك عنهم أسبابها إلا بالعصا؛ ولم تكن حيرتهم في أمري بأشد من حيرتي في أمرهم! لماذا تضربونني وقد اشتريت الدجاج لأتاجر فيه؟ فتزداد العصا أداء لمهمتها في تقويم غلام فسد واعوجت به السبيل!
অজানা পৃষ্ঠা