ومن مغامرات الكسب أيضا أن اشتريت من جار لنا في مثل عمري بضع صور من بطاقات البريد المصورة، باع لي البطاقة بقرش، وكان مشروعي هو أن أقيم من تلك البطاقات ما يشبه السينما فأربح منها الكثير، وكيف ذلك؟ بأن أضع الصورة داخل زجاج المصباح، فينظر إليها الناظرون وهي خلف زجاج! ... وانتظرت الزبائن من أولاد الجيران وبناتهم، ولكن لا زبون، وكلما أغريتهم ازوروا عني واشتدوا نفورا، ولم أدرك كم أخطأت الظن إلا حينما عرضت على من كنت اشتريت الصور منه أن يجيء ليتفرج عليها لقاء مليمين للمرة الواحدة، فدهش وقال: ماذا تريدني أن أرى؟ ما الفرق بين رؤيتها أمام الزجاج ورؤيتها خلف الزجاج؟!
ومغامرة ثالثة للكسب مشروع شاركني فيه أخي عماد، وهو أن اشترينا نعجة قبل فصل المطر، ويسمونه في السودان بفصل الخريف، وهو في حقيقته فصل الصيف؛ أملا في أن نطعمها بما ينبته المطر من عشب، فتكبر، فتلد، فنبيعها هي ونبقي على الحملان لتكبر وتلد وهلم جرا، فما أكثر ما سمعنا عن أغنياء بدءوا حياتهم مثل هذه البداية البسيطة؛ لكن لم يكد ينبت العشب في الأرض الفضاء الفسيحة خارج البلد، ولم نكد نأخذها إلى هناك مع الصباح لتغتذي ونعود بها ساعة الظهر؛ أقول: إننا لم نكد نفعل ذلك أسبوعا أو أسبوعين، حتى نفقت النعجة بعد انتفاخ شديد أصابها، وقال العارفون من جيراننا إنها لا بد أكلت عشبا ساما كانوا هم يعرفونه ويجنبون أغنامهم إياه، لكن من أين لنا مثل هذا العلم بالعشب والغنم؟!
وأما أحلام التشرد والتسول والعزلة الضاربة في القفار، فما تزال هي هي الأحلام التي تعاودني بعد أن هذبها نضج الدراسة، فأصبحت أحلاما تحلم بعزلة المتصوفة الزاهدين.
ضلال ليس بعده ضلال في فهمنا لأنفسنا وفهمنا للناس، أن نلتمس محورا واحدا ندير حوله أحوال النفس جميعا؛ فلكل نفس محاور عدة تدور حولها في تصريفها لشئون حياتها، فلو قلت للناس - مثلا - إنني في أعماق نفسي زاهد في زخرف الدنيا، لا أريد مالها ولذائذها، قيل لي: لكنك تجد ساعيا في كسب المال وادخاره، وتزيد في حياتك من أسباب الراحة والترف. وإن قلت للناس: إنني في أعماق نفسي أحب العزلة، قيل لي: لكنك تأنس لحديث الأصدقاء. وإن قلت للناس: إنني أجعل من ذاتي وخبرتها أساسا أولا وأخيرا في تقويم الأشخاص والأشياء، قيل لي: إذن فقيم دعواك التي قلبت بها الأرض وأوجعت بها الدماغ، في وجوب أن يكون معيار التقويم دائما موضوعيا مستقلا عن الذات وأهوائها؛ وها أنا ذا أصيح بملء فمي: نعم، نعم، إنني هذه الجوانب كلها، وقولوا ما شئتم أن تقولوا. ••• ... إنني إذ ارتد إلى أعوام المراهقة الباكرة، أجدني ملتقى أخلاط عجيبة تشابكت أطرافها من دين وجنس وشعر؛ فقد أحاطت بنا جماعة من الأصدقاء لا تكاد تنطق بكلمة واحدة في أحاديثها إلا ولها صلة بأمور الجنس، وكانوا يكبروننا بأربعة أعوام أو خمسة، فكان لهم من الخبرات ما لم يكن لنا به علم، وكنا نستمع إليهم وكأننا نستمع إلى قادم من عالم مسحور يروي عن ضروب من الحياة والأحياء لم ترها عين من قبل ولم تسمعها أذن، نعم لقد حدث لي قبل ذلك بسنوات أن أخذت أدرك أن بين الجنسين أمرا يحرص الناس على أن يجري في خفاء وتستر، لكنني لم أكن أحس شيئا في هذه الفتنة التي يحدثنا عنها الأصدقاء، وإذن فلا بد أن تكون أبواب هذا العالم المسحور مغلقة عندي حتى ذلك الحين تنتظر مزيدا من النضج يتميز بعلامات حفظتها عن هؤلاء الأصدقاء حفظا، وجعلت أرتقبها مشوقا إليها، وأتعجل حدوثها كمن يتعجل قدوم الغائب الحبيب، لكنهما ارتقاب وتعجل لم يخلوا من شعور المرتاع من داهم مجهول.
كان منزلنا يبعد عن النيل مسافة نصف الساعة مشيا، وعن لي ذات عصر أن أحمل حصيرة صغيرة وأقصد بها إلى شاطئ النيل، فافترشها لأنظر إلى غروب الشمس على صفحة الماء، وأظنها كانت أول مرة أقصد فيها إلى شاطئ النيل في تلك البقعة بذاتها؛ إذ لم أكن أعلم أن عشرات السابحين يلهون بالسباحة في النيل عند ذلك المكان وفي تلك الساعة من النهار. لقد اخترت المكان عفوا لأن الطريق إليه كان يشق حديقة من شجر الليمون، توهم الإنسان بأنه سائر في ظل الشجر، والحقيقة أن لم يكن هناك ظل يحميه؛ لأن الأشجار قصيرة ومعراة من الوراق والثمر ، وعند شاطئ النيل افترشت الحصيرة وجلست وحدي، لا أجد ما أسند ظهري عليه، فكنت أستند إلى ذراعي من خلفي حينا، وأقرفص مشبكا ذراعي على ركبتي حينا آخر، وأستلقي ناظرا إلى السماء حينا ثالثا، فربما ظهر هذا التغير في الأوضاع لمن يشاهده كأنه قلق في النفس، لا مجرد بحث من الجسم عن وضع يريحه، فجاءتني فتاتان سودانيتان ما زلت أذكر منهما لمعة العيون التي تناديك في إغراء بل في إغواء صامت دون أن ينطق اللسان بكلمة، كما أذكر منهما صدورا ناهدة تستثير أصابع القديسين أن تمتد لتخمش. كانتا سمراوين أفتح لونا من اللون السائد بين نساء السودان، وأغمق لونا من اللون السائد بين نساء مصر. جلستا على الحصيرة واتكأتا على الذراعين، راكعتين على الركبتين، كأنما دربتا أن تقوما بهذه الحركة معا في توقيع موسيقي، وشخصتا إلي بعيون ضاحكة وشفاه باسمة كاشفة عن أسنان ناصعة البيضاء؟ وقالت إحداهما - ورددت الأخرى قولها: «إنك لتتململ قاعدا راقدا، باسطا ذراعيك قابضا لهما، كأنما في القلب جمرات نحن نعرفها»، فأخذتني رعشة هزت كياني هزا، من أعلاه إلى أسفله ومن باطنه إلى ظاهره، فكأنني هذه الساعة أسمع ما دق به قلبي دقا عنيفا، وتذكرت الدنيا المسحورة العجيبة التي طالما حدث عنها الأصدقاء، والتي طالما ارتقبتها، وخيل إلي أن تلكما الفتاتين هما اللتان أرسلهما الغيب لتفتحا الباب الذي لبث حتى تلك اللحظة مغلقا، لا أدري ماذا وراءه إلا عن طريق الرواية، لكني تذكرت كذلك أن علامات النضج التي هي جواز المرور إلى داخل العالم المسحور لم تظهر بعد، فقلت لهما بأنفاس متقطعة: «لكني ما زلت صغيرا»، فضحكتا في دلال لا يعرفه إلا من عرف كيف تدل الفتاة السودانية بأنوثتها، وقالت إحداهما - ورددت الأخرى قولها: «صغير؟! هذه هي السن التي جئنا نبحث عنها»، فلم أشعر عندئذ إلا بالقشعريرة الشديدة تلم ببدني كأنها المرض الداهم، وجمعت حصيرتي وأسرعت عائدا، تاركا ورائي فتاتين تضحكان ضحكات عالية الرنين.
ذلك كان نوع الارتقاب الذي كنت أرتقب به دخول العالم المسحور، ارتقابا مشوبا بالفزع ، وتلك كانت هي نفسها الأيام التي سمعنا فيها عن ألف ليلة وليلة، لكننا سمعنا عنها من أفواه أولئك الأصدقاء الذين استعرت نيران الجنس بين جوانحهم، فأقبلنا على قراءتها لا من حيث هي أدب من الأدب القصصي الرفيع، بل من حيث هي كتاب فيه لمسات من الدعارة المحرمة؛ ولذلك وجب أن يقرأ في خفاء عن أولياء الأمر، فطفقنا أياما متلاحقة في إجازة الصيف، نجتمع الصباح كله والعصر كله في منزل زميل لنا كانت له في داره غرفة خاصة لا أثاث فيها إلا حصيرة ممزقة على أرضها، فنضع الكتاب على الأرض وننكب عليه، أحدنا يقرأ في صوت مسموع، والآخرون يتابعون قراءته بالنظر الصامت، حتى فرغنا من قراءة أجزائه جميعا.
وكانت تلك هي نفسها الأيام التي أخذ فيها الشعور الديني يملأ قلوبنا؛ فالأمر هنا لم يقتصر على صلاة تؤدى في أوقاتها، وعلى صوم نصوم به شهر رمضان في حر يجفف الحلوق ويحيلها حطبا يابسا، بل تجاوز أمر التدين عندنا كل هذه الحدود، حتى كاد يبلغ بنا حد «الدروشة»، أو قل إنه قد بلغها وأوغل فيها، فكما أرادت لنا أيام المراهقة صحبة من أصدقاء تفتح أعيننا وآذاننا على عالم مسحور هو عالم الجنس؛ فقد أرادت لنا كذلك أن نجتمع بحلقة دينية، يتولى إمامتها شيخ وقور من أهل السودان، قيل لنا إنه قد تخرج في الأزهر، وكانت الحلقة تمتد ما بين صلاة المغرب وصلاة العشاء.
ففي ميدان فسيح بالقرب من دارنا، مبنى صغير يعلو عن مستوى الأرض درجتين أو ثلاث درجات، له بوابات بغير أبواب من جهات ثلاث. كان معدا ليكون مكانا يقف فيه حاكم السودان عند الاحتفال بالمولد النبوي، لتمر أمامه الفرق الصوفية ببيارقها؛ وأما بقية العام، فالمبنى متروك خلاء لمن شاء أن يأوي إليه في ليل أو في نهار، وفي هذا المبنى كانت تعقد الحلقة الدينية كل مساء بين صلاة المغرب وصلاة العشاء.
وكان أعضاء الحلقة يستأجرون دكانا صغيرا على بعد أمتار قليلة من ذلك البناء، يخزنون فيه الحصر، حتى إذا ما قربت ساعة الغروب ذهب منهم متطوع يرش أرض المبنى بالماء رشا خفيفا، ويكنسه، ثم يجيء بالحصر من مخزنها ذاك فيفرشها، فإذا ما أذن المغرب يكون الأعضاء قد تكاملوا، فيقيمون الصلاة، يؤمهم شيخ الحلقة ورائدها ومعلمها، وهو الشيخ أبو قرين؛ حتى إذا ما فرغ المصلون من صلاتهم، جلس الشيخ النحيل الوقور وحوله الأعضاء، وأخذ يقرأ الدرس الديني ويشرح، إلى أن يحين موعد صلاة العشاء.
تلك كانت هي الحلقة الدينية التي وصلنا أنفسنا بها في ذلك العهد الذي أتحدث عنه، ثم ما هي إلا أن أصبحنا نحن؛ أنا وأخي؛ العضوين اللذين يوكل إليهما - إما معا أو بالتناوب - رش المكان بالماء وكنسه وفرشه وملء القلل بالماء البارد، إعدادا للصلاة وللدرس الديني، ولو كان هذا الدرس اليومي مقتصرا على شرح أصول الدين وقواعده، لما كان منه في نفوسنا إلا حصيلة من علم، قد تلتمس طريقها إلى الرءوس دون أن تمس من القلوب شغافها؛ إذ لا بد من التفرقة بين من «يعلم» أصول الدين وقواعده، وبين من يتحول ذلك «العلم» في قلبه إلى «وجدان»؛ فهذان جانبان مستقل أحدهما عن الآخر، قد يجتمعان في إنسان واحد، وقد يتوافر أحدهما دون الآخر، فهنالك العالم المتبتل، وهناك العالم في غير تبتل، وهناك التبتل عن غير علم، وهناك من يخلو من العلم والتبتل كليهما؛ أربعة أنماط من الناس، لا بد من التفرقة بينها حتى لا نظن أن كل علم بالدين مقرون بالشعور الديني، وإنما قصدت بهذا أن أقول: إن ذلك الدرس الديني الذي لبثنا نستمع إليه أشهرا طويلة لا نتخلف عنه يوما واحدا، بل يحلو لنا أن نقوم نحن بإعداد العدة له، في تلك السن الهائجة بمشاعرها، لم يكن درسا دينيا للعلم وحده، بل كان يمتد إلى أشياء تهز وجداننا هزا عنيفا.
অজানা পৃষ্ঠা