وكان البيان عبارة عن محاولة استرداد السيطرة على النفق وطرد العدو منه؛ ولهذا كانت قوات الجيش الثالث تهاجم من يميننا إلى يسارنا، وليست بخبير عسكري حتى أدلي برأي فيما حدث، ولكنني كنت منفعلا تماما بأشياء كثيرة جدا، أولها أننا في المنطقة «ب» حسب معاهدة كامب ديفيد، تلك المنطقة ذات التسليح الخفيف، وكنت كثيرا ما أتذكر هذا وأحس بالغصة من قبول تلك الشروط المتعسفة ورضائنا بها. ها نحن الآن في قلب المنطقة «ب» وحيث سيشترك الطيران مع المدفعية مع الدبابات مع قوات الصاعقة في هذا البيان العسكري. أما ما أذهلني في ذلك البيان فهو التوقيت الدقيق لتدخل الدبابات مع التمهيد بمدفعية الميدان الثقيلة، ثم اجتياز حائط النابالم الذي أقامه العدو ليحد من زحف قوات المشاة المحمولة فوق الدبابات أو النازلة من أعلى الجبل المقابل، ثم الطيران المصري، يا للعظمة وأنا أشاهد لأول مرة في حياتي طائرة هليكوبتر من صنع مصر تقذف صواريخ صناعة مصرية شاهدتها قبلا في مصنع صقر وتصيب الهدف بدقة رائعة، إلى حد أن الطائرة «الحازيل» تصوب من بعد أكثر من أربعة كيلو مترات على هدف - مفروض أنه كمين للعدو - لا يتعدى حجم بابه المتر المربع فتنسفه تماما، ثم توالت موجات الهجوم، بحيث لا يحدث خطأ يؤدي إلى أن تقذف القوات المصرية بنيرانها على قوات مصرية. توالت موجات الهجوم وإصرار عليه ومفاجآت المدفعية الثقيلة التي تهز الجبل حتى ليرتعش وكأنه أصيب بحمى صاعقة. ثم وفي ظل ظروف جوية سيئة تماما وكأنما كانت تعمل لصالح العدو تثبت طائرات الهليكوبتر نفسها حتى تسقط كل منها عشرين مقاتلا من الصاعقة، ينزلون بسلك إلى الأرض، حيث الأرض لا تصلح حتى لهبوط الهليكوبتر، رياح عاصفة شديدة، بحيث إن مطارات مصر المدنية أغلقت في وجه الطائرات يومها. أما الصواعق فقد كانت من صنعنا نحن، وفجأة أحسست أني في جو حرب حقيقية لأول مرة في حياتي، والجيش المقاتل جيشي هذه المرة. لقد اشتركت بمعركة واحدة في حرب التحرير الجزائرية ضد فرنسا، وكان نصيبي خلعا في الركبة اليمنى لا يزال يؤلمني إلى الآن، ولكن معركة بهذا الحجم وباشتراك كل تلك القوات لم أجربها أبدا، والغريب في الأمر أنها حرب لا ترى المقاتلين فيها؛ فلونهم من لون الطبيعة وأجهزة تنشينهم بالرادار والليزر، ولكنك قطعا ترى إرادة الحرب والصدام واضحين من خلال مشهد حافل بدخان دانات المدافع والدخان المخفي لتحركات المشاة ودخان النابالم، التي صنع بها العدو حاجزا من لهب يحد من تقدم المشاة. حرب بمعناها الحديث تماما، إن العدو ليس هناك وإنما نحن أيضا الذين نضع العراقيل ونحاول صد الهجوم، ولكنها بكل المقاييس حرب ترتعش لها قلوبنا كما يرتعش لها الجبل ونصفق بتلقائية لدى كل رمية تصيب، وكل تحصين للعدو يسقط.
وصحيح أن المشير أبو غزالة قد قال في تصريح صحفي له إن هذا بيان عسكري فقط لا علاقة له أبدا بالوضع السياسي الحاضر، وليس له أي معنى آخر غير المعنى المباشر، وهو تحقيق مناورات عسكرية لرفع الكفاءة القتالية للقوات المسلحة، مناورات ذات مواعيد محددة سلفا ولا علاقة لها بمجريات الأمور.
ولكني أقول إن دوي المدفعية المصرية كان يخترق أذن الأصم ويصل إلى رفح ومعبري الحدود ويسمعه كل ذي أذن تسمع، ولا يسمعه أولئك الذين لا يريدون أن يسمعوا. •••
انتهى البيان الذي بلغت الدقة فيه حد أن كل قائد تشكيل يحين دوره في وصف ما نراه كانت كلماته هي بالضبط مؤقتة مع أداء التشكيل لا ثانية زيادة أو نقص، وفي العودة سعدت جدا بنبأ إقفال المطارات في سيناء وجميع مطارات مصر؛ إذ معنى هذا أننا لن نركب وابور الجاز مرة أخرى، وإنما ستأخذنا السيارات عبر مسارات ملتوية طويلة جدا حتى نصل أخيرا مبنى قيادة الجيش الثالث، وكان المشير أبو غزالة قد وصل إليه قبلنا، وكان لقاء حافلا طويلا مع المشير، ناقشناه في كل شيء ولم يتردد أمام أي سؤال، وكان بعضها محرجا، وكنت سعيدا به تمام السعادة، فإذا كان قد حرص على إقامة صناعة عسكرية مصرية متطورة، فها هو ذا يرينا اليوم ما طلبته أثناء زيارتنا للمصانع الحربية، من أن يرينا هذه المدفعية المصرية الصنع والصواريخ صقر والذخيرة المصرية والليزر والرادار في حالة «فعل»، وكانت هذه الدعوة الغامضة للبيان العسكري للجيش الثالث حين نرى مئات الشباب المقاتل يستعملون أسلحة مصرية وذخيرة مصرية في قتل العدو الغازي القادم من الشرق.
لقد كان يوما من أجمل أيام حياتي.
الرسالة وصلت وشكرا يا سيادة المشير.
الرقم القومي
من أشق الأمور على النفس أن يحس الإنسان أنه ظلم أو أنه مظلوم، وأحيانا يجد المظلوم نفسه عاجزا عن أن يثبت أنه على حق، وهذا ما حدث ليس من تسوية مدى خدمتي بالحكومة وبالصحافة، فقد سقط ملف خدمتي كطبيب في الإدارة الصحية لمدينة القاهرة مدة حوالي تسع سنوات بعد التخرج، إلى أن استقلت من الحكومة والتحقت بجريدة الجمهورية، وحاولت المستحيل للعثور على ملف خدمتي في أضابير وزارة الصحة وفي الإدارة الصحية للقاهرة، تلك التي كانت تتبع في أيامنا وزارة الشئون البلدية والقروية، أو حتى في وزارة الثقافة التي عملت فيها بعض الوقت منتدبا من الشئون البلدية صحة مصر دون جدوى. والحقيقة أني أحسست بغيظ لا مثيل له، فتلك السنوات بالذات هي أشقى سنوات عمري؛ حيث كنت أستيقظ في السادسة صباحا وأعود بعد الخامسة كعضو لجنة التصاريح لفتح المحلات العامة أو كقائم بأعمال حيكمباشي محافظة القاهرة لست سنوات متتالية ، حيث كنت أعمل مفتش صحة لبولاق أحيانا وللدرب الأحمر أساسا، وأحيانا مصر الجديدة أو مصر القديمة. جبتها «كعابي» على قدمي كل حواري ودروب القاهرة وحتى مدافنها، ثم تسقط هذه المدة من خدمتي، كيف؟ أحسست بنفس الإحساس الذي يرسله لي بعض القراء أحيانا والذي قل في الآونة الأخيرة تماما، والإحساس بأنه ممكن أن تضيع تلك إذا ضاع ملفك أو جزء منه، وهكذا بعناد شخصي مشروع آليت على نفسي أن أسترد حقي الضائع هذا مهما كان الثمن، ومع هذا عجزت تماما؛ فالمطلوب هو ملف الخدمة الموضحة به أقساط التأمينات والملف مفقود.
وحين استشرت الأستاذ سعيد ماهر مسئول التأمينات في مؤسسة الأهرام قال لي لم يعد أمامك إلا أن تلجأ لوزير الشئون الاجتماعية وتطالب بحقك. وأنا شخصيا أستحي من مقابلة أي مسئول في الدولة أو طلب شيء لنفسي، ولكن كلما تذكرت السنوات التسع من الشقاء والكدح وضياعها علي لم أستطع أن أمنع نفسي من الاتصال بمكتب الوزير وآخذ موعدا، وأنا يائس تقريبا إذا ذهبت فستقول لي حتما أين الملف ولا ملف إذن لا فائدة، وكانت أول مرة أرى فيها الدكتورة آمال عثمان عن قرب، تلك الوزيرة التي تبدو غير اجتماعية بالمرة، التي تبدو في صورها صغيرة الحجم صامتة أبدا، وبدأت أسرد عليها مشكلتي، ففوجئت بأنها ترد علي بأنها لهذا أنشأت لأول مرة في مصر كومبيوترا مركزيا يرصد فيه كل فرد من الشعب المصري ابتداء من تاريخ مولده إلى الوظائف التي تقلدها إلى يوم حلول خروجه على المعاش، وكانت المفاجأة الكبرى - إنهاء لموضوعي وأمثاله - قد أصدرت قرارا بلجنة تشكل لدراسة الحالات التي تشبه حالاتي. وكتبت طلبا وضعت فيه كل البيانات التي لدي ثم عدنا إلى حديثنا، وعن الرقم القومي لكل مواطن في مصر، وما عانت في سبيل الحصول على حقه من الضغط من وزارات أخرى كانت تريد أن تكون هي صاحبته، وأنه تم رصد أكثر من ثلاثة عشر مليونا مصريا ومصرية، وسيتم رصد جميع المصريين في عام 99 إن شاء الله، واصطحبتني في جولة داخل هذا المخ الجبار الذي له أكثر من أربعمائة فرع في أنحاء مصر على اتصال به، ويستطيع أن يغذيها بالمعلومات بالتليفون، تطور هائل فما في ذلك من شك. إذن لم تعد هناك أضابير وملفات ترعى فيها الفئران أبدا، كل شيء مسجل على أسطوانات الكمبيوتر وغير قابل للضياع أبدا، يا لها من نقلة حضارية رائعة لو كنت مثلي قد ضاع ملفك وذهبت إلى مخازن الأرشيف في وزارة الصحة، تلال وتلال من الأوراق والملفات مستحيل أن تعثر فيها - ولو كنت الجن الأحمر نفسه - على ملفك.
أما نحن اليوم فبضغطة زر تجد اسمك وكل المعلومات المهمة عنك.
অজানা পৃষ্ঠা