وهذا الفارق الدقيق ملحوظ في تقسيم الأفعال العربية؛ لأنها ماض ومضارع يدل على الحال متصلا بالاستقبال، ولا يكون الفعل إلا للحال والاستقبال، أو يكون الزمن فيه مضارعا للزمن السائر الذي لا يستقر على قرار.
وقد فطن لهذه الحقيقة عالم من أقدر علماء الأجروميات والمباحث اللسانية، ففي كتاب أصول الأجرومية الإنجليزية لمؤلفه الدكتور «أوتوجسبرسن»
Jespersen
يقول هذا الباحث المحقق: «إن لنا - على الأصح - أن نحسب أن الزمن ينقسم إلى جزئين: ماض ومستقبل، وبينهما حد الانفصال وقت حاضر كأنه النقطة الهندسية، التي لا طول لها ولا عرض ولا ارتفاع، ولكنها على الدوام منسوبة إلى المستقبل .»
وهذه التفرقة الفلسفية المنطقية ملحوظة في التفرقة الأجرومية بين الحاضر والمستقبل في لغة العرب، فإذا أراد المتكلم أن يذكر المستقبل بشتى معانيه، فهو موجود بمعنى الاستمرار وبمعنى الدلالة على ما يأتي، وبمعنى الإنشاء واستحداث الفعل على الطلب، فصيغة المضارع تدل على الحال والاستقبال، وصيغة المضارع مسبوقة بالسين تدل على المستقبل القريب، ومسبوقة ب «سوف» تدل على المستقبل البعيد.
وصيغة الأمر تدل على فعل مطلوب في المستقبل يقترن بالزمن عند حصوله: أمرته ففعل، وهذه المجاوبة بين طلب الفعل وحدوثه مألوفة في اللغة العربية تتمثل في أفعال المطاوعة التي لا نظير لها في كثير من اللغات: فإذا وقع الحدث في الزمن، فله صيغ متعددة تؤكد هذا التحقق كما يقال: أمرته فأتمر، ورسمته فارتسم، وقطعته فانقطع، وكسرته فانكسر.
ومن قبيل هذه التوكيدات للحدوث أو طلب الحدوث في الزمن - دلالة المفعول المطلق حيث نقول: فعلته فعلا، وصنعته صنعا، إلى أشباه ذلك في مواضعه ودواعيه من التعبير والتوكيد.
ومن علامات التطوير أفعال الدعاء والرجاء، فإنها في هذه اللغة العربية غاية في الدقة تحسب من قبيل التميز المنطقي أو الفلسفي في هذا الباب.
فالمعنى غالب على اللفظ في أفعال الدعاء والرجاء: يقول القائل: (صحبتك السلامة) و(حفظك الله) و(رعاك الله) ... ومن آية القصد في اللغة ألا يحتاج الفعل هنا إلى النقل من صيغة الماضي إلى الحاضر؛ لأن المعنى بالبداهة معلق بالاستقبال، وفي بقائه على صيغة الماضي ما يشعر بقوة الأمل في الاستجابة، كأن ما يرجى أن يكون قد كان وأصبح من المحقق المستجاب، ولا شك أن هذا المعنى مقصود؛ لأنه لم يأت عن عجز في اللغة ولا يمتنع على قائل أن ينقله إلى صيغة المضارع إذا شاء. •••
ومن المعلوم أن الغربيين في أجرومياتهم يلحقون باب الشرط والنفي بالكلام على الزمن في الأفعال وهو لحق معقول؛ لأن الشرط والنفي يفيدان ما يحدث وما لا يحدث في زمن من الأزمان، وقد استوفى الشرط والنفي في اللغة العربية أيما استيفاء، فكان من أدوات الشرط ما يفيد الاحتمال الضعيف ، ومنها ما يفيد الاحتمال القوي.
অজানা পৃষ্ঠা