42

Ibn Taymiyyah: His Life and Times, Opinions and Jurisprudence

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

প্রকাশক

دار الفكر العربي

وإن هذه المحنة التي نزلت بدمشق أظهرت ابن تيمية بطلها ورجلها، لا عالمها فقط؛ ولعل العلم يشاركه فيه غيره بقدر، ولكن في مواقفه هذه لم يشاركه أحد؛ وقد تمكنت أقدامه بهذا في الدولة وعند العامة؛ وما مكنها إلا همته وشجاعته، وصبره وإيمانه بالحق والفضيلة فوق عليه.

ولقد أقام الفضيلة والأخلاق عندما صار رجل دمشق، وحاكمها غير المتوج عندما فر حكامها في سنة ٦٩٩، وأصبح إنكار المنكر حقاً عليه بالفعل لا بالقول والقلب؛ إذ صار مبسوط اليد والسلطان فيها، فقد رأى الحانات والخمور فأخذ هو وصحبه، وقد صاروا حكام الساعة، فطموا أواني الخمر، وشقوا قربها، وأراقوا الخمور، وعزروا أصحاب (١) الحانات المتخذة للفواحش، فلقى ذلك من العامة ترحيباً، إذ رأوا حكم القرآن ينفذ، وعهد الرسول يعود.

وإذا عز عليه أن يقيم الحقوق بقوة الحكم أقامها بقوة الإقناع وهو لها أملك، وعليها أقدر، فإن جند التتار عندما دخلوا مدينة دمشق سنة ٦٩٩ وعاثوا بها فساداً، اتصل بهم سكان الجبال ومالئوهم، خرج إليهم ابن تيمية لقتالهم فجاءه رؤساؤهم مسترشدين مستهدين، فوعظهم واستتابهم، وبين الصواب لهم، والتزموا برد ما كانوا قد أخذوا من مال الجيش، وقرر عليهم أموالاً كثيرة يحملونها إلى بيت المال، وأقطعت أراضيهم وضياعهم، ولم يكونوا قبل ذلك يدخلون في طاعة الجند، ولا يلتزمون الملة، ولا يدينون دين الحق، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله (٢).

٤٦- انتهت المحنة لابن تيمية بسلطان من الحكم؛ ويظهر أنه بعد أن زالت المحنة لم يسحب منه ذلك السلطان الذي اكتسبه بقوة الحق، وقوة الخلق، وقوة العلم، فقد كان مرجع الحكام مع أنه ليس له منصب رسمي يؤهله للحكم فليس قاضياً ولا والياً، ولكن سودته مواهبه وهمته وعلمه.

(١) راجع هذه الأخبار كلها في البداية والنهاية لابن كثير جـ ١٤ ص ١١٠

(٢) الكتاب المذكور ص ١٩.

41