إلى هنا وضح الفارق الأصيل الذي تدور حوله جميع الفوارق الفطرية بين الجنسين، ونعني به الفارق بين الإرادة والإغواء.
وتتعلق بالإرادة جميع ملكات الابتداء والإنشاء والابتداع في المسائل الحسية والمسائل الذهنية والنفسية على السواء.
فالمرأة لا تبتدئ ولا تبتدع في صناعة من الصناعات أو فن من الفنون، وإن طال عملها فيه وانقطعت له أحقابا بعد أحقاب، فإذا شاركها الرجل في الطهي أو الخياطة أو النسيج أو التزيين والتجميل - وهي صناعاتها التي غبرت على مزاولتها مئات الأحقاب - كان له السبق بالتجويد والافتنان، واستطاع في هذه الصناعات نفسها أن يستأثر بإقبال المرأة وثقتها دون من ينافسه فيها من النساء.
ومنذ القدم كانت المرأة تنوح وتبكي وتطيل الرثاء والحداد على الأموات، ولكنها لم تنظم في الرثاء قصيدة واحدة تضارع قصائد الفحول من الشعراء الذين لم ينقطعوا للرثاء ولم ينظموا فيه إلا عرضا في الآونة بعد الآونة، كلما ألعجهم الحزن على فقيد عزيز.
ولا ينكشف قصور المرأة عن الابتداء والابتداع في فن من الفنون كما ينكشف في فن الغناء والموسيقى على الإجمال.
فقد ظن خطأ أن الغناء صناعة نسائية ينبغي أن تحذقها المرأة كما يحذقها الرجل أو تربى عليه، وقد سنحت لها فرص الحذق والإتقان في هذا الفن بين القصور وفي الأكواخ والأسواق فلم يؤثر لها ابتكار في التلحين ولا اختراع في الآلات ولا افتنان في معاني التعبير بالألحان والأصوات.
والخطأ هنا من سهو الفكر كالخطأ في تمييز الجمال وذوق الحسن والاستحسان؛ إذ الواقع أن الابتداء بالغناء أيضا خاصة من خواص الرجل الجنسية لا معنى لتفوق النساء فيها، ولهذا يستوفي صوت الرجل نماءه بعد البلوغ ويعظم تجويف صدره وتكمل أوتار حنجرته، وتتم له عدة المخارج الصوتية حينما تتم له مقومات الرجولة وملكاتها، وينعكس الأمر إذا سلب هذه المقومات والملكات، فتضعف حنجرته وتضيق كتفاه ويشتبه صوته بأصوات النساء والأطفال، وقلما يلحظ التغيير على مخارج المرأة الصوتية بعد المراهقة أو بلوغها مبلغ النساء.
وعلة ذلك ظاهرة، وهي العلة التي قدمناها في هذا الفصل وفي الفصول السابقة، ونعني بها أن الرجل هو الذي يريد وهو الذي يطلب المرأة ويسمعها نداء الرجولة دعاء وغناء فيقترن تمام الصوت فيه بتمام صفات الرجال.
والفارق في التركيب كاف وحده لإدراك الفارق بين الجنسين في الملكات والقرائح وفنون الابتداء والابتكار.
ولكن الواقع المشهود من قديم الزمن يغني في بيان هذا الفارق ما ليس يغنيه اختلاف التركيب.
অজানা পৃষ্ঠা