414

ফুতুহাত মাক্কিয়্যা

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

প্রকাশক

دار إحياء التراث العربي

সংস্করণ

الأولى

প্রকাশনার বছর

1418هـ- 1998م

প্রকাশনার স্থান

لبنان

অঞ্চলগুলি
সিরিয়া
সাম্রাজ্যসমূহ ও যুগসমূহ
আয়্যুবিদ

كل امرىء مصبح في أهله . . . والموت أدنى من شراك نعله ولهذا سماها الله صدقة أي هي أمر شديد على النفس تقول العرب رمح صدق أي صلب شديد قوي أي تجد النفس لإخراج هذا المال لله شدة وحرجا كما قال ثعلبة بن حاطب وصل مؤيد قال تعالى في حق ثعلبة بن حاطب ' ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ' وما أخبر الله تعالى عنه أنه قال إن شاء الله فلو قال إن شاء الله لفعل ثم قال تعالى في حقه ' فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون ' وذلك أن الله لما فرض الزكاة جاءه مصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه زكاة غنمه فقال هذه أخية الجزية وامتنع فأخبر الله فيه بما قال فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون فلما بلغه ما أنزل الله فيه جاء بزكاته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فامتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذها منه ولم يقبل صدقته إلى أن مات صلى الله عليه وسلم وسبب امتناعه صلى الله عليه وسلم من قبول صدقته أن الله أخبر عنه أنه يلقاه منافقا والصدقة إذا أخذها النبي منه صلى الله عليه وسلم طهره بها وزكاه وصلى عليه كما أمره الله وأخبر الله أن صلاته سكن للمتصدق يسكن إليها وهذه صفات كلها تناقض النفاق وما يجده المنافق عند الله فلم يتمكن لهذه الشروط أن يأخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة لما جاءه بها بعد قوله ما قال وامتنع أيضا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أخذها منه أبو بكر وعمر لما جاء بها إليهما في زمان خلافتهما فلما ولي عثمان بن عفان الخلافة جاءه بها فأخذها منه مأولا أنها حق الأصناف الذين أوجب الله لهم هذا القدر في عين هذا المال وهذا الفعل من عثمان من جملة ما انتقد عليه وينبغي أن لا ينتقد على المجتهد حكم ما أداه إليه اجتهاده فإن الشرع قد قرر حكم المجتهد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما نهى أحدا من أمرائه أن يأخذ من هذا الشخص صدقته وقد ورد الأمر الإلهي بإيتاء الزكاة وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا قد يفارق حكم غيره فإنه قد يختص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمور لا تكون لغيره لخصوص وصف إما تقتضيه النبوة مطلقا أو نبوته صلى الله عليه وسلم فإن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم في أخذ الصدقة تطهرهم وتزكيهم بها وما قال يتطهرون ولا يتزكون بها فقد يكون هذا من خصوص وصفه وهو رؤف رحيم بأمته فلولا ما علم أن أخذه يطهره ويزكيه بها وقد أخبره الله أن ثعلبة بن حاطب يلقاه منافقا فامتنع أدبا مع الله فمن شاء وقف لوقوفه صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر ومن شاء لم يقف كعثمان لأمر الله بها العام وما يلزم غير النبي صلى الله عليه وسلم أن يطهر ويزكي مؤدي الزكاة بها والخليفة فيها إنما هو وكيل من عينت له هذه الزكاة أعني الأصناف الذين يستحقونها إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نهى أحدا ولا أمره فيما توقف فيه واجتنبه فساغ الاجتهاد وراعى كل مجتهد الدليل الذي أداه إليه اجتهاده فمن خطأ مجتهدا فما وفاه حقه وإن المخطىء والمصيب منهم واحد لا بعينه وصل اعلم أن الله تعالى لما قال ' الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم كان ذلك قبل فرض الزكاة التي فرض الله على عباده في أموالهم فلما فرض الله الزكاة على عباده المؤمنين طهر الله بها أموالهم وزال بأدائها اسم البخثل من مؤديها فإنه قال فيمن أنزلت الزكاة من أجله فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فوصفهم بعدم قبول حكم الله فأطلق عليهم صفة البخل لمنعهم ما أوجب الله عليهم في أموالهم ثم فسر العذاب الأليم بما هو الحال عليه فقال تعالى ' يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ' وذلك أن السائل إذا رآه صاحب المال مقبلا إليه انقبضت أسارير جبينه لعلمه أنه يسأله من ماله فتكوى جبهته فإن السائل يعرف ذلك في وجهه ثم إن المسؤول يتغافل عن السائل ويعطيه جانبه كأنه ما عنده خبر منه فيكوى بها جنبه فإذا علم من السائل أنه يقصده ولابد أعطاه ظهره وانصرف فأخبر الله أنه تكوى بها ظهورهم فهذا حكم مانعي الزكاة أعني زكاة الذهب والفضة وأما زكاة الغنم والبقر والإبل فأمر آخر كما ورد في النص أنه يبطح لها بقاع قرقر فتنطحه بقرونها وتطره بأظلافها وتعضه بأفواهها فلهذا خص الجباه والجنوب والظهور بالذكر في الكي والله أعلم بما أراد فأنزل الله الزكاة كما قلنا طهارة للأموال وإنما اشتدت على الغافلين الجهلاء لكونهم اعتقدوا أن الذي عين لهؤلاء الأصناف ملك لهم وإن ذلك من أموالهم وما علموا أن ذلك المعين ما هو لهم وأنه في أموالهم لا من أموالهم فلا يتعين لهم إلا بالإخراج فإذا ميزوه حين ذلك يعرفون أنه لم يكن من مالهم وإنما كان في مالهم مدرجا هذا هو التحقيق وكانوا يعتقدون أن كل ما بأيديهم هو مالهم وملك لهم فلما أخبر الله أن لقوم في أموالهم حقا يؤدونه وماله سبب ظاهر تركن النفس إليه لا من دين ولا من بيع إلا ما ذكر الله تعالى من ادخار ذلك له ثوابا إلى الآخرة شق ذلك على النفوس للمشاركة في الأموال ولما علم الله هذا منهم في جبلة نفوسهم أخرج ذلك القدر من الأموال من أيديهم بل أخرج جميع الأموال من أيديهم فقال تعالى ' وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ' أي هذا المال مالكم منه إلا ما تنفقون منه وهو التصرف فيه كصورة الوكلاء والمال لله وما تبخلون به فإنكم تبخلون بما لا تملكون لكونكم فيه خلفاء وعلى ما بأيديكم منه أمناء فنبههم بأنهم مستخلفون فيه وذلك لتسهل عليهم الصدقات رحمة بهم يقول الله كما أمرناكم أن تنفقوا مما أنتم مستخلفون فيه من الأموال أمرنا رسولنا ونوابنا فيكم أن يأخذوا من هذه الأموال التي لنا بأيديكم مقدارا معلوما سميناه زكاة يعود خيرها عليكم فما تصرف نوابنا فيما هو لكم ملك وإنما تصرفوا فيما أنتم فيه مستخلفون كما أيضا أبحنا لكم التصرف فيه فلماذا يصعب عليكم فالمؤمن لا مال له وله المال كله عاجلا وآجلا فقد أعلمتك أن الزكاة من حيث ما هي صدقة شديدة على النفس فإذا أخرج الإنسان الصدقة تضاعف له الأجر فإن له أجر المشقة وأجر الإخراج وإن أخرجها عن غير مشقة فهذا فوق تضاعف الأجر بما لا يقاس ولا يحد كما ورد في الماهر بالقرآن أنه ملحق بالملائكة السفرة الكرام والذي يتتعتع عليه القرآن يضاعف له الأجر للمشقة التي ينالها في تحصيله ودرسه فله أجر المشقة وأجر التلاوة والزكاة بمعنى لاتطهير والتقديس فلما أزال الله عن معطيها من إطلاق اسم البخل والشح عليه فلا حكم للبخل والشح فيه وبما في الزكاة من النمو والبركة سميت زكاة لأن الله يربيها كما قال ' ويربيس الصدقات ' فتزكوا فاختصت بهذا الاسم لوجود معناه فيها ففي الزكاة البركة في المال وطهارة النفس والصلابة في دين الله ومن أوتي هذه الصفات فقد أوتي خيرا كثيرا وأما قوله فيها إن تقرضوا قرضا حسنا فالحسن في العمل أن تشهد الله فيه فإنه من الإحسان وبهذا فسر الإحسان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله عنه جبريل عليه السلام وذلك أن تعلم أن المال مال الله وأن ملكك إياه بتمليك الله وبعد التمليك نزل إليك في ألطافه إلى باب المقارضة يقول لك لا يغيب عنك طلبي منك القرض في هذا المال من أن تعرف أن هذا المال هو عين مالي ما هو لك فكما لا يعز عليك ولا يصعب إذا رأيت أحدا يتصرف في ماله كيف شاء كذلك لا يعز عليك ولا يصعب ما أطلبه منك مما جعلتك مستخلفا فيه لعلمك بأني ما طلبت منك إلا ما أمنتك عليه لأعطيه من أشاء من عبادي فإن هذا القدر من الزكاة ما أعطيته قط لك بل أمنتك عليه والأمين لا يصعب عليه آداء الأمانة إلى أهلها فإذا جاءك المصدق الذي هو رسول رب الأمانة ووكيلها أد إليه أمانته عن طيب نفس فهذا هو القرض الحسن فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إذا رأيته علمت أن المال ماله والعبد عبده والتصرف له ولا مكره له وتعلم أن هذه الأشياء إذا عملتها لا يعود على الله منها نفع وإذا أنت لم تعملها لا يتضرر بذلك وإن الكل يعود عليك فالزم الأحسن إليك تكن محسنا إلى نفسك وإذا كنت محسنا كنت متقيا أذى شح نفسك فجمع لك هذا الفعل الإحسان والتقوى فيكون الله معك فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ومن المتقين من يوق شح نفسه بأداء زكاته ومن المحسنين يعبدني كأنه يراني ويشهدني ومن شهوده إياي علمه أني ما كلفته التصرف إلا فيما هو لي وتعود منفعته عليه منة وفضلا مع الثناء الحسن له على ذلك والله ذو الفضل العظيم وصل إيضاح واعلم أن الله فرض الزكاة في الأموال أي اقتطعها منها وقال لرب المال هذا القدر الذي عينته بالفرض من المال ما هو لك بل أنت أمين عليه فالزكاة لا يملكها رب المال ثم إن الله تعالى أنزل نفوسنا منا منزلة الأموال منا في الحكم فجعل فيها الزكاة كما جعلها في الأموال فكما أمرنا بزكاة الأموال قال لنا في النفوس قد أفلح من زكاها كما أفلح من زكى ماله كما ألحقها بالأموال في البيع والشراء فقال ' إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ' فجعل الشراء والبيع في النفوس والأموال وفي هذه الآية مسئلة فقهية كذلك جعل الزكاة في الأموال والنفوس فزكاة الأموال معلومة كما سنذكرها في هذا الباب على التفصيل إن شاء الله وزكاة النفوس بوجه أبينه لك إن شاشء الله أيضا على الأصل الذي ذكرناه إن الزكاة حق الله في المال والنفس ما هو حق لرب المال والنفس فنظرنا في النفس ما هو لها فلا تكليف عليها فيه بزكاة وما هو حق الله فتلك الزكاة فيعطيه لله من هذه النفس لتكون من المفلحين بقوله قد أفلح من زكاها ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون فإذا نظرنا إلى عين النفس من حيث عينها قلنا ممكنة لذاتها لا زكاة عليها في ذلك فإن الله لا حق له في الأمكان يتعالى الله علوا كبيرا فإنه تعالى واجب الوجود لذاته غير ممكن بوجه من الوجوه ووجدنا هذه النفس قد اتصفت بالوجود قلنا هذا الوجود الذي اتصفت به النفس هل اتصفت به لذاتها أم لا فرأينا أن وجودها ما هو عين ذاتها ولا اتصفت به لذاتها فنظرنا لمن هو فوجدناه لله كما وجدنا القدر المعين في مال زيد المسمى زكاة ليس هو بمال لزيد وإنما هو أمانة عنده كذلك الوجود الذي اتصفت به النفس ما هو لها إنما هوة لله الذي أوجدها فالوجود لله لا لها ووجود الله لا وجودها فقلنا لهذه النفس هذا الوجود الذي أنت متصفة به ما هو لك وإنما هو لله خلعه عليك فأخرجه لله واضفه إلى صاحبه وابق أنت على إمكانك لا تبرح فيه فإنه لا ينقصك شيء مما هو لك وأنت إذا فعلت هذا كان لك من الثواب عند الله ثواب العلماء بالله ونلت منزلة لا يقدر قدرها إلا الله وهو الفلاح الذي هو البقاء فيبقى الله هذا الوجود لك لا يأخذه منك أبدا فهذا معنى قوله قد أفلح من زكاها أي قد أبقاها موجودة من زكاها وجود فوز من الشر أي من علم أن وجوده لله أبقى الله عليه هذه الخلعة يتزين بها منعما دائما وهو بقاء خاص ببقاء الله فإن الخائب الذي دساها هو أيضا باق ولكن بإبقاء الله لا ببقاء الله فإن المشرك الذي هو من أهل النار ما يرى تخليص وجوده لله تعالى من أجل الشريك وكذلك المعطل وإنما قلنا ذلك لئلا يتخيل من لا علم له أن المشرك والمعطل قد أبقى الله الوجود عليهما فبينا أن إبقاء الوجود على المفلحين ليس على وجه إبقائه على أهل النار ولهذا وصف الله أهل النار بأنهم لا يموتون فيها ولا يحيون بخلاف صفة أهل السعادة فإنهم في الحياة الدائمة وكم بين من هو باق ببقاء الله وموجود بوجود الله وبين من هو باق بإبقاء الله وموجود بالإيجاد لا بالوجود وبهذا فاز العارفون لأنهم عرفوا من هو المستحق لنعت الوجود وهو الذي استفادوه من الحق فهذا معنى قوله قد أفلح من زكاها فوجبت الزكاة في النفوس كما وجبت في الأموال ووقع فيها البيع والشراء كما وقع في الأموال وسيرد طرف من هذا الفصل عند ذكرنا في هذا الباب في الرقيق وما حكمه ولماذا لم تلحق النفس بالرقيق فتسقط فيه الزكاة وإن كان الرقيق يلحق بالأموال من جهة ما كما سنذكره إن شاء الله في داخل هذا الباب كما سأذكر أيضا فيما تجب فيه الزكاة من الإنسان بعدد ما تجب فيه من أصناف المال في فصله إن شاء الله من هذا الباب وصل وأما قوله تعالى فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى أي أن الله لا يقبل زكاة نفس من أضاف نفسه إليه فإنه قال ' فلا تزكوا أنفسكم ' فأضافها إليكم أي إذا رأيتم أن أنفسكم لكم لا لي والزكاة إنما هي حقي وأنتم أمناء عليها فإذا ادعيتم فيها فتزعمون أنكم أعطيتموني ما هو لكم وإني سألتكم ما ليس لي والأمر على خلاف ذلك فمن كان بهذه المثابة من العطاء فلا يزكي نفسه فإني ما طلبت إلا ما هو لي لا لكم حتى تلقوني فينكشف الغطاء في الدار الآخرة فتعلمون في ذلك الوقت هل كانت نفوسكم التي أوجبت الزكاة فيها لي أو لكم حيث لا ينفعكم علمكم بذلك ولهذا قال فلا تزكوا أنفسكم فأضاف النفوس إليكم وهي له ألا ترى عيسى عليه السلام كيف أضاف نفسه إليه من وجه ما هي له وأضافها إلى الله من وجه ما هي لله فقال تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك من حيث وجودها وهو من حيث ما هي لك والنفس وإن كانت واحدة اختلفت الإضافات لاختلاف النسب فلا يعارض قوله فلا تزكوا أنفسكم ما ذكرناه من قوله ' قد أفلح من زكاها ' فإن أنفسكم هنا يعني أمثالكم قال النبي صلى الله عليه وسلم لا أزكي على الله أحدا وسيرد الكلام إن شاء الله في هذا الباب في وجوب الزكاة وعلى من تجب وفيما تجب فيه وفي كم تجب ومن كم تجب ومتى تجب ومتى لا تجب ولمن تجب وكم يجب له من تجب له باعتبارات ذلك كله في الباطن بعد أن نقررها في الظاهر بلسان الحكم المشروع كما فعلنا في الصلاة لنجمع بين الظاهر والباطن لكمال النشأة فإنه ما يظهر في العالم صورة من أحد من خلق الله بأي سبب ظهرت من أشكال وغيرها إلا ولتلك العين الحادثة في الحس روح تصحب تلك الصورة والشكل الذي ظهر فإن الله هو الموجد على الحقيقة لتلك الصورة بنيابة كون من أكوانه من ملك أو جن أو أنس أو حيوان أو نبات أو جماد وهذه هي الأسباب كلها لوجود تلك الصورة في الحس فلما علمنا أن الله قد ربط بكل صورة حسية روحا معنويا بتوجه إلهي عن حكم اسم رباني لهذا اعتبرنا خطاب الشارع في الباطن على حكم ما هو في الظاهر قدما بقدم لأن الظاهر منه هو صورته الحسية والروح الإلهي المعنوي في تلك الصورة هو الذي نسميه الاعتبار في الباطن من عبرت الوادي إذا جزته وهو قوله تعالى ' إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ' وقال ' فاعتبروا يا أولي الأبصار ' أي جوزوا مما رأيتموه من الصور بأبصاركم إلى ما تعطيه تلك الصور من المعاني والأرواح في بواطنكم فتدركونها ببصائركم وأمر وحث على الاعتبار وهذا باب أغفله العلماء ولاسيما أهل الجمود على الظاهر فليس عندهم من الاعتبار إلا التعجب فلا فرق بين عقولهم وعقول الصبيان الصغار فهؤلاء ما عبروا قط من تلك الصورة الظاهرة كما أمرهم الله والله يرزقنا الإصابة في النطق والأخبار عما أشهدناه وعلمناه من الحق علم كشف وشهود وذوق فإن العبارة عن ذلك فتح من الله تأتي بحكم المطابقة وكم من شخص لا يقدر أن يعبر عما في نفسه وكم من شخص تفسد عبارته صحة ما في نفسه والله الموفق لا رب غيره واعلم أنه لما كان معنى الزكاة التطهير كما قال تعالى تطهرهم وتزكيهم بها كان لها من الأسماء الإلهية الاسم القدوس وهو الطاهر وما في معناه من الأسماء الإلهية ولما لم يكن المال الذي يخرج في الصدقة من جملة مال المخاطب بالزكاة وكان بيده أمانة لأصحابه لم يستحقه غير صاحبه وإن كان عند هذا الآخر ولكنه هو عنده بطريق الأمانة إلى أن يؤديه إلى أهله كذلك في زكاة النفوس فإن النفوس لها صفات تستحقها وهي صفة يستحقها الممكن وقد يوصف الإنسان بصفات لا يستحقها الممكن من حيث ما هو ممكن ولكن يستحق تلك الصفات الله إذا وصف بها ليميزها عن صفاته التي يستحقها كما أن الحق سبحانه وصف نفسه بما هو حق للممكن تنزلا منه سبحانه ورحمة بعباده فزكاة نفسك إخراج حق الله منها فهو تطهيرها بذلك الإخراج من الصفات التي ليست بحق لها فتأخذ مالك منه وتعطي ماله منك وإن كان كما قال تعالى ' بل لله الأمر جميعا ' وهو الصحيح فإن نسبتنا منه نسبة الصفات عند الأشاعرة منه فكل ما سوى الله فهو لله بالله إذ لا يستحق أن يكون له إلا ما هو منه قال صلى الله عليه وسلم مولى القوم منهم وهي إشارة بديعة فإنها كلمة تقتضي غاية الوصلة حتى لا يقال إلا أنه هو وتقتضي غاية البعد حتى لا يقال أنه هو إذ ما هو منك فلا يضاف إليك فإن الشيء لا يضاف إلى نفسه لعدم المغايرة فهذا غاية الوصلة وما يضاف إليك ما هو منك فهذا غاية البعد لأنه قد أوقع المغايرة بينك وبينه فهذه الإضافة في هذه المسئلة كيد الإنسان من الإنسان وكحياة الإنسان من الإنسان فإنه من ذات الإنسان كونه حيوانا وتضاف الحيوانية إليه مع كونها من عين ذاته ومما لا تصح ذاته إلا بها فتمثل هذه الإصابة تعقل ما أومأنا إليه من نسبة الممكنات إلى الواجب الوجود لنفسه فإن الإمكان للممكن واجب لنفسه فلا يزال انسحاب هذه الحقيقة عليه لأنها عينه وهي تضاف إليه وقد يضاف إليه ما هو عينه فهذا معنى قوله ' لله الأمر جميعا ' أي ما توصف أنت به ويوصف الحق به هو لله كله فمالك لا تفهم مالك بما في قوله أعطني مالك فهو نفي من باب الإشارة واسم من باب الدلالة أي الذي لك وأصليته من اسم المالية ولهذا قال ' خذ من أموالهم ' أي المال الذي في أموالهم مما ليس لهم بل هو صدقة مني على من ذكرتهم في كتابي يقول الله ألا تراه قد قال إن الله فرض علينا زكاة أو صدقة في أموالنا فجعل أموالهم ظرفا للصدقة والظرف ما هو عين المظروف فمال الصدقة ما هو عين مالك بل مالك ظرف له فما طلب الحق منك ما هو لك فالزكاة في النفوس آكد منها في الأموال ولهذا قدمها الله في الشراء فقال ' إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ' ثم قال وأوالهم فالعبد ينفق في سبيل الله نفسه وماله وسيرد من ذلك في هذا الباب ما تقف عليه إن شاء الله وصل في وجوب الزكاة الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع فلا خلاف في ذلك أجمع كل ما سوى الله على أن وجود ما سوى الله إنما هو بالله فردوا وجودهم إليه سبحانه لهذا الإجماع ولا خلاف في ذلك بين كل ما سوى الله فهذا اعتبار الإجماع في زكاة الوجود فرددنا ما هو لله إلى الله فلا موجود ولا موجد إلا الله وأما الكتاب فكل شيء هالك إلا وجهه وليس الوجه إلا الوجود وهو ظهور الذوات والأعيان وأما السنة فلا حول ولا قوة إلا بالله فهذا اعتبار وجوب الزكاة العقلي والشرعي وصل في ذكر من تجب عليه الزكاة اتفق العلماء على أنها واجبة على كل مسلم حر بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما هذا محل الاتفاق واختلفوا في وجوبها على اليتيم والمجنون والعبد وأهل الذمة والناقص الملك مثل الذي عليه الدين أو له الدين ومثل المال المحبس الأصل وصل اعتبار ما اتفقوا عليه المسلم هو المنقاد إلى ما يراد منه وقد ذكرنا أن كل ما سوى الله قد انقاد في رد وجوده إلى الله وأنه ما استفاد الوجود إلا من الله ولا بقاء له في الوجود إلا بالله وأما الحرية فمثل ذلك فإنه من كان بهذه المثابة فهو حر أي لا ملك عليه في وجوده لأحد من خلق الله جل جلاله وأما البلوغ فاعتباره إدراكه للتمييز بين ما يستحقه ربه عز وجل وما لا يستحقه وإذا عرف مثل هذا فقد بلغ الحد الذي يجب عليه فيه رد الأمور كلها إلى الله تعالى علوا كبيرا وهي الزكاة الواجبة عليه وأما العقل فهو أن يعقل عن الله ما يريد الله منه في خطابه إياه في نفسه بما يلهمه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ومن قيد وجوده بوجود خالقه فقد عقل نفسه إذ العقل مأخوذ من عقال الدابة وعلى الحقيقة عقال الدابة مأخوذ من العقل فإن العقل متقدم على عقال الدابة فإنه لولا ما عقل إن هذا الحبل إذا شدت به الدابة قيدها عن السراح ما سماه عقالا وأما قولهم المالك للنصاب ملكا تاما فملكه للنصاب هو عين وجوده لما ذكرناه من الإسلام والحرية والبلوغ والعقل وأما قولهم ملكا تاما فملكه للنصاب هو عين وجوده لما ذكرناه من الإسلام والحرية والبلوغ والعقل وأما قولهم ملكا تاما إذ التام هو الذي لا نقص فيه والنقص صفة عدمية قال فهو عدم فالتام هو الوجود فهو قول الإمام أبي حامد وليس في الإمكان أبدع من هذا العالم إذ كان إبداعه عين وجوده ليس غير ذلك أي ليس في الإمكان أبدع من وجوده فإنه ممكن لنفسه وما استفاد إلا الوجود فلا أبدع في الإمكان من الوجود وقد حصل فإنه ما يحصل للمكن من الحق سوى الوجود فهذا معنى اعتبار قولهم ملكا تاما وأما اعتبار ما اختلفوا فيه فمن ذلك الصغار فقال قوم تجب الزكاة في أموالهم وقال قوم ليس في مال اليتيم صدقة وفرق قوم بين ما تخرجه الأرض وبين ما لا تخرجه فقالوا عليه الزكاة فيما تخرجه الأرض وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك من الماشية والناض والعروض وفرق آخرون بين الناض وغيره فقالوا عليه الزكاة إلا في الناض خاصة اعتبار ما ذكرنا اليتيم من لا أب له بالحياة وهو غير بالغ أي لم يبلغ الحلم بالسن أو الإنبات أو رؤية الماء قال تعالى ' لم يلد ' وقال ' سبحانه أن يكون له ولد ' فليس الحق بأب لأحد من خلق الله ولا أحد من خلقه يكون له ولدا سبحانه وتعالى فمن اعتبر التكليف في عين المال قال بوجوبها ومن اعتبر التكليف في المالك قال لا يجب عليه لأنه غير مكلف كذلك من اعتبر وجوده لله قال لا تجب الزكاة فإنه ما ثم من يقبلها لو وجبت فإنه ما ثم إلا الله ومن اعتبر إضافة الوجود إلى عين الممكن وقد كان لا يوصف بالوجود قال بوجوب الزكاة ولابد إذ لا بد للإضافة من تأثير معقول ولهذا تقسم الموجودات إلى قسمين إلى قديم وإلى حادث فوجود الممكن وجود حادث أي حدث له هذا الوصف ولم يتعرض للوجود في هذا التقسيم هل هو حادث أو قديم لأنه لا يدل حدوث الشيء عندنا على أنه لم يكن له وجود قبل حدوثه عندنا وعلى هذا يخرج قوله تعالى ' ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ' وهو كلام الله القديم ولكن حدث عندهم كما تقول حدث عندنا اليوم ضيف فإنه لا يدل ذلك على أنه لم يكن له وجود قبل ذلك فمن راعى أن الوجود الحادث غير حق للموصوف به وأنه حق لغير الممكن قال بوجوب الزكاة على اليتيم لأنه حق للواجب الوجود فيما اتصف به هذا الممكن كما يراعى من يرى وجوبها على اليتيم في ماله أنها حق للفقراء في عين هذا المال فيخرجها منه من يملك التصرف في ذلك المال وهو الولي ومن راعى أن الزكاة عبادة لم يوجب الزكاة لأن اليتيم ما بلغ حد التكليف وقد أشرنا إلى ذلك ولنا : قسم الموجودات إلى قسمين إلى قديم وإلى حادث فوجود الممكن وجود حادث أي حدث له هذا الوصف ولم يتعرض للوجود في هذا التقسيم هل هو حادث أو قديم لأنه لا يدل حدوث الشيء عندنا على أنه لم يكن له وجود قبل حدوثه عندنا وعلى هذا يخرج قوله تعالى ' ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ' وهو كلام الله القديم ولكن حدث عندهم كما تقول حدث عندنا اليوم ضيف فإنه لا يدل ذلك على أنه لم يكن له وجود قبل ذلك فمن راعى أن الوجود الحادث غير حق للموصوف به وأنه حق لغير الممكن قال بوجوب الزكاة على اليتيم لأنه حق للواجب الوجود فيما اتصف به هذا الممكن كما يراعى من يرى وجوبها على اليتيم في ماله أنها حق للفقراء في عين هذا المال فيخرجها منه من يملك التصرف في ذلك المال وهو الولي ومن راعى أن الزكاة عبادة لم يوجب الزكاة لأن اليتيم ما بلغ حد التكليف وقد أشرنا إلى ذلك ولنا :

পৃষ্ঠা ৬৭০