ফাতেহ আল-আরাব লি মিসর
فتح العرب لمصر
জনগুলি
ولا شك أنه قد طرأ على الإمبراطور منذ ذلك الحين تغير مشهود، ولا ندري سبب ذلك التغير الذي أحدث أول حرب صليبية كبرى؛ أكان سببه لسان «سرجيوس» وبلاغته في الموعظة، أم كان ما شهده تحت القبة الكبرى في كنيسة «أيا صوفيا» مما يثير النفس، أم كان بارقة من الأمل لمعت له من تغير في حال عدوه، أم كان السبب كل ذلك، وقد اجتمع وصحبه نهوض من وهدة اليأس التي تردى فيها؟ وكان ذلك أمرا طبيعيا في رجل مثله كان له عقل راجح يحكمه مزاج غلبت عليه الأعصاب. أما الناس فقد رأوا منه على الأقل رجلا ينضو عن نفسه الضعف والخمول كما تنضو الأفعى عنها أديمها، وعاد إلى ما كان عليه من خلق الزعيم القوي، وأظهر من شيم الملوك ما هو جدير بولاء الناس وخضوعهم، وأصبح وليس في نفسه إلا أن يجمع كل ما عنده من الموارد ويتجهز للحرب مع الفرس.
ومع ذلك فقد اتخذ هرقل الحيطة في أعماله؛ فبينما كان يستعد للحرب عول على أن يفاوض قائد الفرس في أمر الصلح،
4
فزاره بنفسه في مدينة «خلقيدونية». وقد نصح الناصحون للإمبراطور أن يوفد رسلا إلى كسرى يطلب منه الصلح، وقالوا إنه لا بد يجيبه إلى ذلك، فأرسل ثلاثة من خاصته، وبعث معهم كتابا لا يزال باقيا إلى اليوم، وأرسل معهم هدايا ذات قيمة، وأدى الرسل أمانتهم، وأفضوا بالكتاب إلى الملك الأعظم، فقبل منهم الهدايا، ولكنه أجاب على الكتاب ردا قاطعا جاهما إذ قال: «قل لمولاك إن دولة الروم من أرضي، وما هو إلا عاص ثائر وعبد آبق، ولن أمنحه سلاما حتى يترك عبادة الصليب ويعبد الشمس.»
5
فأحدثت تلك السبة المقصودة في رده هذا هزة عنيفة أيقظت نفوس الروم من رقدتها، وأظهرت لهم من جديد أن تلك الحرب كانت دينية، فثارت حفيظة القوم وتملكتهم الحماسة، فوجد الإمبراطور فيهم عند ذلك ما شاء لتمام خطته الجديدة. وقد قيل إن هرقل عندما أرسل رسله إلى كسرى قد بعثت إلى أعدائه من الهمج ليهادنهم إلى حين،
6
فأمن بذلك أن يأتيه العدو من ورائه من ناحية الأرض المتصلة بالعاصمة. وقد روي أنه اتفق فيما بعد مع قبيلة من قبائل الترك في شمال بلاد الفرس على أن يمده شيخها بأربعين ألفا من خيله، وأن يجزيه نظير ذلك بأشياء، منها أن يزوجه بأخته «أودوقيا». ولكن هذا العهد لم ينفذ لموت شيخ القبيلة الذي اتفق معه. على أنه من أشق الأشياء أن نجد الدليل القاطع على وجود السلام في غرب العاصمة؛
7
فإن قبائل الآفار كانت لا تزال تجوس خلال الديار في سنة 622 أو سنة 623 تخرب فيها، وكادوا يوقعون بهرقل نفسه ثم يأخذون العاصمة بمكيدة دنيئة دبروها، ثم جاء جيش من الآفار عدته ثلاثون ألفا في سنة 626، وحاصر المدينة حليفا للفرس الذين كانوا في مدينة «خلقيدونية»، وكان قائدهم عند ذلك على ما يلوح هو «شهر-ورز» الذي قدم منذ قليل؛ وعلى ذلك لم يكن السلم بين الروم والآفار سلما صحيحا، ولم يدم طويلا، وأكبر الظن أن هرقل كان على بينة من أمر العهد الذي كان بينه وبين الآفار عالما بقدره الحقيقي، موقنا أن سلامة عاصمته أثناء غيابه إنما تكون بقوة حصونها وسهر السفن الحربية على سلامتها. وكان إقبال الناس على الحرب عندما ندبهم إليها عظيما، فاستطاع أن يجمع جيشا كبيرا ويجهزه، وبلغت عدته مع من اجتمع إليه فيما بعد مائة وعشرين ألفا. وكانت خطته أن يبدأ أول شيء فيختار ميدانا يستطيع أن يدرب فيه جنوده، ويعودهم النظام، ويعلمهم حركات الحرب واستعمال السلاح. وفي أثناء ذلك يجمع في خزائنه الذخائر والمؤن الكثيرة. فإذا ما تم له ذلك، وأصبح جيشه صالحا للقتال، خرج قاصدا إلى قلب بلاد الفرس ليطعنها فيه؛ ولهذا عزم على أن ينقل جيشه إلى خليج «أيسوس» في الركن الشمالي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، وأن يجعل «قليقيا» مقره. وكانت تلك منه جرأة عظيمة ساعده عليها أنه كان يملك ناصية البحر لا منازع له فيه، وأن وراءه من السفن عددا جد عظيم.
অজানা পৃষ্ঠা