ফাতেহ আল-আরাব লি মিসর
فتح العرب لمصر
জনগুলি
18
على أنه مع ذلك جعل يدافع عن فعله، ولعل ذلك كان خداعا وتصنعا، فقال إن العرب قد يحملون على الخروج بعد من مصر، وإن الجزية التي دفعتها إليهم يسهل عليه أن يجبي مقدارها من متاجر الإسكندرية وبضائعها، فيعوض ذلك ما خسرته خزائن الدولة. وأما فيما سوى ذلك فقد كان المقوقس لا يرى موضعا للأمان؛ إذ كان العرب قوما لا يشبهون سائر الناس في شيء؛ فهم عند قولهم لا يعبئون بأمر من أمور هذه الحياة الدنيا ولا متاعها، لا يطلبون منها إلا لقمة يسدون بها رمقهم وشملة يسترون بها أبدانهم؛ فهم «قوم الموت»، يرون ربحا في أن يقتلوا؛ لأنهم يرون في ذلك الشهادة التي ينالون بها الجنة، في حين أن الروم يحبون متاع الحياة الدنيا ويحرصون عليه، وقال للإمبراطور: لو رأيت هؤلاء العرب وبلاءهم في القتال لعرفت أنهم قوم لا يغلبون. فليس لنا من سبيل خير من الصلح مع عمرو قبل أن يفتح حصن بابليون عنوة، وتصبح البلاد غنيمة له.
بمثل هذه الأقوال أدلى المقوقس بحجته، وقد جاء في كتاب «نيقفوروس» أن الإمبراطور قبل أن يبعث إلى «قيرس» ليسير إليه كان قد وجه إليه «مارينوس» ليشترك معه في الرأي لعلهما يجدان سبيلا على العرب، وجاء فيه أيضا أن «قيرس» عندما بعث إلى الإمبراطور يعرض عليه دفع الجزية طلب إليه أن يزوج عمرو بن العاص من «أودوقيا» أو إحدى بناته الأخرى، فإذا هو رضي بذلك تنصر ابن العاص. وتلك لعمري قصة لا تصدق؛ فما هي إلا عودة ضالة إلى قصة سابقة قيلت منذ سنين، ألا وهي قصة تزويج «أودوقيا» لملك الخزر، فما كان «قيرس» ليجهل ما كان عليه المسلمون في إسلامهم من ثبات لا زعزعة به، واعتقاد لا هوادة فيه. وإن قصة يقال فيها إن عمرو بن العاص يتنصر لهي قصة ضل فيها الوهم ضلالا بعيدا، وليس ثمة أثر لمثل هذا الخبر في كتاب آخر كائنا ما كان، ولكن هرقل ثار ثائره بغير أن يعرض عليه المقوقس أمر ابنته وتزويجها. وما كان في حاجة إلى مثل هذا ليتقد غضبه؛ فقد دهاه ما كان من أمر جنده، وعظم غيظه أن ينهزم منهم مائة ألف ليس أمامهم من العرب إلا اثنا عشر ألفا. فاتهم المقوقس - ولا بأس أن نسميه بهذا الاسم حتى في عاصمة الروم - اتهمه بأنه خان الدولة وتخلى للعرب عنها، ثم حكم عليه بأنه مرتكب مجرم، وما كان دونه إلا الموت جزاء ذنبه، ثم شرع يقرعه ويؤنبه على ما كان منه قائلا إنه لم يكن أكثر غناء من بعض فلاحي مصر، ونعته بالجبن والكفر، وأسلمه إلى حاكم المدينة، فشهره وأوقع به المهانة،
19
ثم نفاه من بلاده طريدا.
ولا بد أن رفض الإمبراطور للصلح كان في هذه الأثناء قد بلغ العرب وهم في حصار الحصن قرب نهاية عام 640، وانتهى بذلك أمر الهدنة وعاد القتال، وعض الفريقان على النواجذ من الأضراس. وكان النيل عند ذلك يهبط سريعا، وهبطت معه المياه التي في الخندق، وكلما هبطت خبت معها آمال من في الحصن إن لم تخب شجاعتهم. فلما فرغ الخندق من مائه استعاض الروم عنه بأن رموا في قاعه حسك الحديد، وجعلوا ذلك الحسك كثيفا عند مدخل أبواب الحصن. ولا بد قد كان المسلمون لقاء ذلك يسعون إلى طم الخندق وهدم جوانبه فيه حتى ينفذوا منه. غير أننا لا نعلم إلا قليلا مما كان في أثناء ذلك الحصار، فلا نجد غير ذكر الترامي بالآلات والضرب بالدبابات، وخروج جنود الحصن إلى العرب وهجوم العرب على من بالحصن، ولكن من الجلي أن العرب كانوا لا علم لهم بفنون الحصار وآلاته؛ ولذلك كان أثر حصارهم في الحصن ضئيلا بطيئا. ولسنا ندري، لعل حصارهم وإن كانوا ضيقوا به على الحصن من جانب البر لم يكن ذا أثر من جانب النهر، ولكن يلوح لنا أن العرب لقوا شيئا من المساعدة في ذلك الحصار من جماعة لعلهم من أهل الفيوم بعد فتحها، وكانوا أحابيش من الحزبين الأخضر والأزرق؛
20
فكانت عصبة من الحزب الأخضر يقودها «ميناس»، وأخرى من الأزرق يقودها «كزماس بن صمويل»، تعبران النهر ليلا إلى الروضة فتنهبان فيها، أو تهبطان على ما قد يكون بالنهر من سفن الروم أثناء عبورها إلى الحصن أو رسوها إلى جانب الباب الحديدي، فكانت هذه الغزوات تؤذي مصلحة الحصن أذى كبيرا، وتنقص من هيبة الروم وسلطانهم في النهر.
ولم يكن حصار المسلمين من جانب البر نفسه على ما ينبغي من الحذر واليقظة؛ فقد خرج مرة جماعة من حرس الحصن ففاجئوا عبادة والزبير
21
অজানা পৃষ্ঠা