125

ফাতেহ আল-আরাব লি মিসর

فتح العرب لمصر

জনগুলি

من قبل إلينا ... إلخ.»

15

فأراد «قيرس» أن يستنزله عن شيء أو أن يجعله يقبل شيئا مما عرضه عليه فلم يقدر على شيء، بل وقع قوله على آذان صماء لما يقول، وقال عبادة يرد عليه بعد أن نفد صبره ورفع يديه إلى السماء: «لا ورب هذه السماء ورب هذه الأرض ورب كل شيء، ما لكم عندنا من خصلة غيرها، فاختاروا لأنفسكم.»

16

فاجتمع عند ذلك المقوقس بأصحابه، فقالوا: «أما الأمر الأول فلا نجيب إليه أبدا، فلن نترك دين المسيح إلى دين لا نعرفه .» وبذلك أبوا شرط الإسلام، فلم يبق إلا الجزية عن يد وصغار أو الحرب. قالوا: «فإنا إذا أذعنا للمسلمين ودفعنا الجزية لم نعد أن نكون عبيدا، وللموت خير من هذا.» فقال عبادة لهم: إنهم إن دفعوا الجزية كانوا آمنين على أنفسهم وأموالهم وذراريهم، مسلطين في بلادهم على ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم، وحفظت لهم كنائسهم لا يتعرض لهم أحد في أمور دينهم. فلما قال عبادة ما قال مالت نفس المقوقس (قيرس) إلى الإذعان؛ فقد كان وقع في قلبه أن المسلمين لا بد منتصرون، فذهب ذلك بجرأته وقوة نفسه، ولكن المسيحيين لم يكونوا جميعا على ما كان عليه بطريق الإسكندرية الرومي. ويلوح لنا أن «جورج» قائد جنود الحصن أتى عند ذلك فلحق بالمجتمعين، ولقي المقوقس من أصحابه عزما شديدا على القتال، ورفض ما كان يراه من الإذعان. وهنا ينسدل ستار على الحوادث، كما يحدث في كثير من الأحيان، في تاريخ هذا العصر، فلم يبق لنا إلا أن نتلمس ما كان ونتحسس أخباره من وراء ذلك الستار.

17

ويظهر لنا أن كبار الروم عندما اختلف رأيهم على قبول شروط العرب أو رفضها طلبوا أن يهادنهم العرب شهرا ليروا فيه رأيه، فأجابهم عمرو جوابا قاطعا؛ إذ قال إنه لن يمهلهم أكثر من أيام ثلاثة. غير أن عمل المقوقس لم يلبث أن ذاع بين الناس، فلما رجع أصحابه إلى الحصن عائدين من الروضة إذا بالناس قد ثار ثائرهم على المقوقس، وأبى جند الإمبراطور إلا القتال، وظهر أمر الذين كانوا يأبون الإذعان، واستقر الأمر على هذا سريعا، فما انتهت أيام الهدنة الثلاثة حتى أخذ أهل الحصن يتجهزون للخروج إلى المحاصرين يناجزونهم، ولم يبعثوا ردا إلى عمرو. وفيما كان عمرو في اليوم الرابع بعد انتهاء الهدنة يفكر فيما يصنع، إذا بالروم قد خرجوا إليه فوق قناطرهم، فأخذوا جنود المسلمين على غرة. غير أن تلك البغتة لم تذهل العرب، فأسرعوا إلى سلاحهم وقاتلوا الروم قتالا شديدا، وقاتل الروم يومئذ مستبسلين. غير أن العرب تواردوا إليهم منذ نذروا بهم فتكاثروا عليهم، فما استطاعوا إلا أن يتراجعوا حتى دخلوا إلى الحصن بعد أن قتلت منهم مقتلة عظيمة.

أما المقوقس فإنه ما زال رأيه من الإذعان والتسليم للعرب مستقرا في قلبه، وكان مشئوما مشترك العقل، فرأى في انهزام الروم فرصة له؛ إذ إن من عصوه ونبذوا رأيه احتكموا إلى السيف، وحاربوا مستبسلين كما ينبغي لجنود الروم أن يحاربوا، وأخذوا عدوهم على غرة، ولكن ذلك لم يغنهم شيئا، بل أخذتهم سيوف عدوهم. ورأى المقوقس وهو خليفة الإمبراطور على مصر أن النصر على هؤلاء العرب لن يتأتى له، وزادته تلك الهزيمة الجديدة يقينا أنه لن يستطيع طرد العدو من البلاد، ثم رأى من كانوا يعصون رأيه وينادون بالقتال قد ضعفت نفوسهم، فلم يلق منهم بعد عصيانا، وأذعنوا له مرغمين جاهمين، على أن يعيد الكرة على عمرو فيبعث إليه في أمر الصلح. وإنه لمن العجيب أن شروط عمرو لم تتبدل، ولا يستطيع قائل أن يقول إن العرب كانوا يبدلون شرطهم، ولم يفعلوا ذلك في أول الحرب ولا في آخرها، وكانت الخصلة التي اختارها الروم هي الجزية والإذعان، فعقد الصلح على أن يبعث به إلى الإمبراطور، فإذا أقره نفذ، وأخذ قيرس على نفسه أن يبعث به إلى هرقل، واتفق الروم والعرب على أن تبقى الجيوش حيث هي إلى أن يجيء رد هرقل، ولا سيما الحصن؛ فقد اتفقنا على أن يبقى مع الروم إلى أن يقر هرقل الصلح.

سافر المقوقس عند ذلك مسرعا في النهر حتى بلغ الإسكندرية، وبادر بأن بعث إلى الإمبراطور كتبا يبين فيها ما كان منه، ويعتذر عنه بأن الحاجة ألجأته إليه من صلح العرب، ويسأله أن يقر الصلح حتى يكفي مصر شر الحرب ووبالها. وليس بعجيب أن يكون هرقل قد حار في أمر تلك الكتب التي جاءته من المقوقس؛ فإنها لا تبين إذا كان الصلح خاصا بحصن بابليون، أو أنه كان صلحا على ترك بلاد مصر جميعها حتى الإسكندرية للعرب، ولا تبين هل يبقى العرب في البلاد بعد أخذ الجزية أو يرحلون عنها. فهل كان معنى ذلك الصلح نزع مصر من دولة الروم وإسلامها لأعداء المسيحية؟ لقد كان الإمبراطور منذ شهور يلوم قواده، ولا سيما «قيرس» خليفته على مصر؛ لأنهم فرطوا في الأمر، حتى استطاعت فئة قليلة من العرب أن ترفع ألويتها في مصر وتغلب جيوش الدولة وتحادها. فإذا به وقد بعث إليه بصلح ليس يدري هل معناه رشوة العدو بمال يأخذه على أن يخرج عن تلك البلاد، أم معناه إسلامها له فيبقى ذلك العدو سيد الأرض يجبي له خراجها ويتنعم بقمحها وبخيراتها؟ عجب الإمبراطور ولم يدر ما الذي أدى إلى ذلك الإذعان، وعزم على أن يدعو (قيرس) المقوقس ليحاسبه على ما كان منه في مصر.

فبعث إليه رسالة يأمره فيها بأن يأتي إليه على عجل. ولعل ذلك كان في وسط نوفمبر، ولم تكن الرسالة مما يطمئن إليه القلب. ولعل المقوقس قد أحس بما أجرم، وخشي العاقبة منذ جهز في نفسه ما يقوله لمولاه إذا هو حاسبه، فلم يكن لأحد سواه علم بما أدى من أمانته وما اختان منها، ولا بما اتبع من أوامر مولاه بنصها أو بالمقصود منها، وما عصاه فيها في مدة ولايته في تلك السنين العشر سني العسف والاضطهاد، ولكن شيئا واحدا لم يخف عن أحد، وذلك أنه قد جاء إلى مصر يقصد إلى قصد ديني فلم يوفق فيه، بل أخفق إخفاقا وبيلا، وجر إخفاقه هذا على حال مصر السياسية نكبة جليلة وخطبا عظيما، ولا بد أن يكون ذلك الرجل قد أحس بأن إسراعه إلى اليأس من أمر الروم وإقباله على مفاوضة العدو - لا، بل سعيه إلى ذلك سعيا حثيثا - كل ذلك وصمه بمظنة السوء، وجلله بشبهة الخيانة، وما كان ليستطيع النجاة من مثل هذا الفكر مهما صور لنفسه من حسن قصده، ومهما خادعها بتزويق نيته وتزيينها. لا بد أن يكون قلب ذلك الرجل قد جاش بمثل هذه الأمور عندما بلغ حضرة الإمبراطور في القسطنطينية. ولقي الإمبراطور وما كان أهوله من لقاء؛ إذ لم يكن له بد من أن يقر بأنه رضي بأن يلقي أموال مصر إلى العرب.

অজানা পৃষ্ঠা