ফাতেহ আল-আরাব লি মিসর
فتح العرب لمصر
জনগুলি
عند ابتداء الحصار، وكان تيودور كذلك بالحصن قبل وقعة عين شمس. ولا ندري إذا كان قد حضر الوقعة بنفسه أم لم يحضرها، ولعله كان هناك ثم لحق بالهاربين بعد الهزيمة ولاذ بالإسكندرية؛ وعلى ذلك كان «قيرس» القائد الأكبر في الحصن، وهو خليفة هرقل على مصر، ولكن القائد الذي كان يدبر أمر الجنود هو من يسميه العرب «الأعيرج»
3
ولعل ذلك تحريف منهم لاسم «جورج»، ولو كان الأمر كذلك لكان هذا الرجل خلاف الحاكم «جورج» الذي أمره عمرو أن يقيم له جسرا على ترعة قليوب. وكان في الحصن قائد آخر بقي فيه طول مدة الحصار، وهو «أودقيانوس» أخو «دومنتيانوس».
4
ولعل كل الجنود التي كانت تحت إمرة جورج تبلغ الخمسة آلاف أو الستة آلاف لا يمكن أن تزيد على ذلك كثيرا. وكان بالحصن كثير من الأزواد والذخائر من كل نوع، وكان قد اجتمع به عدد عظيم من غير الجند من أهل مدينة مصر والأديرة المجاورة، ولكن أغلب الظن أن هؤلاء أخرجوا عن طريق النهر ليوسعوا على الجنود. ويجدر بنا هنا أن نذكر أن كل الكنائس التي كانت في داخل الحصن كانت تؤمها قسوس على المذهب «الخلقيدوني» أو الملكاني، ولم يبح لأحد هناك أن يتعبد على غير ذلك المذهب؛ فإن قيرس كان لا يزال على عهده العدو الأكبر لمذهب القبط، وبقي على ذلك إلى آخر أمره، وإن في وجوده بالحصن لأقوى دليل إذا احتاج الأمر إلى دليل على أنه لم يبق بالحصن من القبط إلا من أزالهم الاضطهاد عن عقيدتهم، بل إن الروم أساءوا الظن ببعض هؤلاء، فوضعوهم في السجن وأنزلوا بهم فيه نكالا فظيعا كما سنرى فيما بعد.
ومن ذلك نعرف أن مؤرخي العرب ومن قال قولهم إنما يمسخون الحقيقة ويقلبونها قلبا؛ إذ يقولون إن جند الحصن أو كل من كان به كانوا من القبط؛ فإن القبط لم يكونوا في شيء من القتال ولا الجيوش، وكان الاضطهاد في مدة السنوات العشر قد شطر مذهبهم وفرقهم، فكان منهم من ذهبوا أفرادا وجماعات فهربوا إلى الجبال والكهوف، أو أووا إلى الصحراء، أو لاذوا بالأديرة الحصينة في الصعيد. وأما أقباط مصر السفلى وبابليون والإسكندرية فقد اضطروا إلى الدخول في مذهب الدولة، ولم يغن عنهم شيئا ما كان في قلوبهم من كره لما دخلوا فيه. وقد كتب مؤرخو العرب بعد الفتح بقرون، فكانوا يذكرون جيوش المصريين وقواد المصريين لا يميزون بين القبط والروم، فكثرت من ذلك زلاتهم وعظم خلطهم؛ فعلينا أن نبين هنا بيانا لا شك فيه أنه لم يكن في ذلك الوقت شيء اسمه القبط في ميدان النضال، ولم تكن منهم طائفة لها يد فيه، بل كان القبط إذ ذاك بمنجاة عنه قد أذلهم «قيرس» وأرغم أنوفهم؛ فليس من الحق في شيء أن يقول قائل إن القبط كانوا يستطيعون أن يجتمعوا على أمر أو ينزلوا إلى القتال أو يصالحوا العرب.
وكان حريا بقيرس عند ذلك أن يدرك كيف خذل مصر وأضعفها عن لقاء أعدائها، مهما كان في قلبه من عوامل الضغن على القبط؛ فقد أدى عسفه إلى شيء يظنه من يراه توحيدا لمذاهب الدين، وما هو كذلك؛ فإنه بعسفه قد قطع أسباب المودة بين الحكام والرعية قطعا، فما كان له أن يتوقع من القبط خيرا، بل كان خير ما يقع منهم له أن يعتزلوا جاهمين فينظروا إلى نضال بين طائفتين كلاهما غريب عنهم كريه في أعينهم. لقد كان أمر الروم يضعف، وقوة جيوشهم تخور، وأملهم في النصر وتخليص مصر يخبو شيئا فشيئا. أكان هذا ما قصده «قيرس» وسعى إليه؟
كان المقوقس آمنا إلى حين في قصره المنيع تحيط به مياه النيل، وكانت مجانيق الروم أقوى أثرا مما كان يرميه المسلمون إلى الحصن من حجارة وسهام، ولكن ما كانت تلك الحال لتبقى؛ فإن الماء في الخندق كان لا بد له أن يهبط بعد حين. وقد أدى صبر العرب وشدة بأسهم في القتال إلى خور في عزيمة من بالحصن واختلاف في رأيهم؛ فما مضى شهر من الحصار حتى جمع «قيرس» من وثق بهم من رءوس الحرس، ودعا معهم أسقف بابليون الملكاني، واستشارهم سرا في الأمر، وبسط لهم رأيه، وكان ذلك في أوائل شهر أكتوبر سنة 640، وقال لهم إن الدبرة في الحرب كانت عليهم؛ إذ قضى أعداؤهم على أكبر جيوشهم، ثم أتوا لحصارهم بما لا قبل لهم به من قوم أكثر منهم عددا وأشد في الحرب بأسا. وقال إنه لا يتوقع أن يأتي إليهم مدد يرفع عنهم الحصر قبل مضي أشهر. وإذا كان الحصن يستطيع المقاومة والصبر، وهو أمر لا شك فيه، فإن عقبى الحرب كانت كذلك لا شك فيها، وما كانت تلك العقبى إلا وبالا عليهم. ومنذ كان الأمر كذلك كان خيرا لهم أن يفدوا أنفسهم بالمال فيعطوا أعداءهم مقدارا منه ليرحلوا عنهم، فإذا هم استطاعوا ذلك وأمكنهم أن يبعدوا العرب عن البلاد بمال يبذلونه لهم كان في ذلك كل الخير؛ إذ يخلصون مصر فتعود إلى دولة الروم. وجعل قيرس يفتلهم في الذروة والغارب بمثل هذه الحجج يسوقها في بيانه الخالب الذي عرف به، حتى تبعه من اجتمع عنده من القوم، فاتفقوا على أن يمضوا في الأمر إذا استطاعوا كما شاء قيرس منهم، ولكنهم رأوا من الحزم ألا يزعجوا أهل الحصن من الجنود وممن كان رأيهم المضي في الحرب إلى أن يفنوا، فاستقر رأيهم على أن يذهب قيرس وأصحابه تحت ستار الليل إلى جزيرة الروضة بغير أن يحس بهم أحد، ويبعثوا إلى قائد العرب بما أرادوا فيفاوضوه ولم يطلع على الأمر مطلع.
5
تم الأمر بعد ذلك على أبلغ الكتمان، ففتح الباب الحديدي المفضي إلى النيل، واستقل الخارجون السفن من هناك، فعبروا إلى الجزيرة ونزلوا في الموضع الذي أنشئت فيه فيما بعد دار الصناعة. ولعل «جورج» قائد حرس الحصن كان معهم في تدبيرهم هذا، ولكنه قد بقي في الحصن حتى إذا ما نذر أحد بخروج قيرس وفشا خبر خيانته في الناس كان هو هناك ليخمد الخبر ويقضي على ما يشاع.
অজানা পৃষ্ঠা