وهذه الصورة التي تدل على سوء الظن بالناس المفعم بالتشاؤم قد أعقبها الملك بقصة محاولة اغتيال حياته، وهي حادثة تفسر إلى حد ما شدة سخط ذلك الملك المسن الحانق على العالم، وعدم اغتراره بالمظاهر.
وتلك الآراء عن المجتمع البشري، بما فيها من دلالة قاطعة على منتهى الريبة وسوء الظن بالناس، كان شعور النفوس بها عميقا إلى حد أنها عكست آثارها على أعظم أنواع الفنون في ذلك العصر، وأعني بذلك فن نحت التماثيل البشرية في العهد الإقطاعي؛ إذ نجد في هيئات التماثيل السامية التي تمثل فراعنة الدولة الوسطى نفس الوجوه الحزينة التي كانوا يواجهون بها الحياة في عصرهم.
وعندما تنعم النظر في تلك الوجوه التي تتمثل فيها الجرأة والبطولة، والتي ظللتها ظلال اليأس والقنوط، نرى أن نفس هذه الوجوه تعد كشفا جديدا في ميدان الفن، يميط لنا اللثام من غير شك عن روح ذلك العصر الذي يعتبر أقدم عصر معروف تخلص من الأوهام ولم ينخدع بالمظاهر.
الفصل الثاني عشر
أقدم جهاد في سبيل العدالة الاجتماعية وتعميم المسئولية الخلقية
لم يشاطر كل رجال الفكر الاجتماعيين الذين كانوا في البلاط الملكي في العهد الإقطاعي الفرعون تشاؤمه المطلق الذي كان يشعر به، وقد رأينا بعض أولئك المفكرين قد أدركوا أن الملك العادل الذي يتوقع مجيئه لإنقاذ البلاد قد يكون عاجزا عن أداء رسالته بدون مساعدة طائفة من الموظفين العدول. كما بينا أن الغرض المقصود من المقال المصري القديم الذي سميناه «الفلاح الفصيح» هو المساعدة على إنشاء طائفة من الموظفين المتصفين بالكفاية والأمانة يقوم على أكتافهم بناء العصر الجديد الذي تسوده العدالة الاجتماعية.
والآن نتساءل عما إذا كانت تلك المقالات الاجتماعية التي ظهرت في العهد الإقطاعي قد صارت حقا قوى اجتماعية؟
والواقع أنني في سنة 1922م، اشتريت من أحد تجار الآثار بمدينة «الأقصر» شظية من الحجر الجيري كبيرة الحجم سطحها مغطى من الوجهين بالكتابة الهيراطيقية، وعلماء الآثار الحاليون يطلقون على مثل تلك الشظية كلمة («ستراكون»
Ostrakon «شقفة»)، وقد لاحظ زميلي الدكتور جاردنر - بين ما لاحظه عندما عرضتها عليه - أن من بين محتويات كتابتها جملة مقتبسة من قصة «الفلاح الفصيح» مع أن تاريخ كتابة تلك الشظية يرجع حسب ما يبدو إلى القرن الثاني عشر أو الثالث عشر ق.م. فذلك الاقتباس إذن يدلنا على أن قصة ذلك الفلاح كانت لا تزال ذات قيمة أدبية إلى أواخر الدولة الحديثة!
والآن فهل المصادر الباقية حتى الآن - مما يكشف لنا عن حالة قدماء المصريين الاجتماعية والحكومية في العهد الإقطاعي - تدل على أن ذلك الجهاد في سبيل العدالة الاجتماعية قد أدى إلى نتيجة ما؟ أو أن الآمال في ظهور المخلص وقيام المثل العليا للحياة الاجتماعية - وهي التي تكلم عنها المتنبئون الاجتماعيون في ذلك العصر صراحة - قد بقيت مجرد أحلام؟!
অজানা পৃষ্ঠা