সাহিত্য ও সামাজিক ধারায় গবেষণা
دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية
জনগুলি
وتصوير الحياة على صورة الأمثلة الموروثة من أيام أقاصيص البطولة والفروسية.
هذه الدعوة الرومانية أو المجازية أفرطت وأصابها ما يصيب كل إفراط من رد الفعل وحب التغيير، فكان رد الفعل هو الدعوة الواقعية أو الريالزم، وهي مفهومة على هذا الوجه في نشأتها التاريخية، فإذا أردنا أن نعرف لماذا نشأت دعوة الواقعيين، فعلينا أن نعرف العيوب التي أرادت تغييرها من دعوة الرومانيين في دور الإفراط والانحدار، وهذه العيوب تجتمع في مأخذين ظاهرين: أحدهما حب التجميل، والآخر ظهور الطابع الشخصي المفرط في الكلام المنظور والمنثور. وحجة الواقعيين في إنكار هذا الطابع الشخصي المفرط أنه يخل بالحقيقة العلمية، ويصبغ الحادث والأشخاص بصبغة ملونة على حسب أهواء الكاتب والشاعر، وهذه الصبغة من حب التجميل تبتعد بالكتابة عن الواقع المشاهد في الحياة، وتصور الناس كأنهم يعيشون في عالم الخيال، ولا يمارسون الدنيا المحسوسة، كما يمارسها الأحياء بما فيها من جمال وقبح، وما يمتزج بها من سرور وحزن، ومن سعادة وشقاء.
وعلينا أن نذكر أن الواقعية ظهرت مع العلم الحديث في إبان نشأته واندفاعه، فأرادت أن تكون الكتابة كلها على نسق الكتابة العلمية، مجردة من الطابع الشخصي والنزعات العاطفية مقيدة بالصور التي تشبه الصور الشمسية كأنها من صنع الآلة لا تسلم من الجمود والجفاف، ولا نكران لرسالة الدعوة الواقعية في حينها، ولا في صواب الحملة التي حملتها على مدرسة التجميل والطابع الشخصي والأخيلة المثالية، ولكنها هي أيضا تعرضت لعواقب الأفراد وانتهت إلى هذه العواقب على أيدي فريق من الواقعيين بلغ بهم اللجاج في دعوتهم إلى إنكار الواقع أو إلى تصويره كما أرادوه، فعادوا من الباب الآخر إلى أخطاء كأخطاء الرومانيين وخالفوا دقة العلم وأمانة الحس، فلا هم واقعيون يلتزمون الوصف المحسوس، ولا هم خياليون يتعلقون بالأمثلة العليا.
يصورون الدنيا كأنها ليل مطبق الظلام، والواقع المحسوس يرينا بأيسر نظرة أن الدنيا ليل ونهار، وأن ليلها لا يخلو من ضياء ونهارها لا يخلو من غمام وغطاء.
ويصورون الحياة كأنها جحيم ليس فيه غير الزبانية والمعذبين، والواقع المحسوس يقول لنا كل يوم إن الدنيا ليست بالجحيم وليست بالفردوس المقيم، ولكنها دنيا تستحق منا أن نجاهد ونسعى، ولو كانت جحيما مطبقا لما كان فيها معنى للسعي والجهاد.
ويصورون الناس كأنهم لا يحلمون ولا يتخيلون، وليس من الواقع أن نسقط الأحلام والأخيلة من حسابنا؛ لأن الواقع الذي يراه اليقظان بكلتا عينيه المفتوحتين أن الناس يحلمون ويتخيلون.
ويصورون الرذيلة كأنها حكر لطائفة واحدة، هي الجانية وغيرها من الطوائف مجني عليه كما يقال في لغة القانون، والواقع أن بني آدم جميعا يصابون ويصيبون، ويجنون من الرذيلة وتجني عليهم الرذيلة، ويكيلون بالكيل الذي يكال لهم في السر والعلانية، فليس فيهم ذرية ملائكة ولا ذرية شياطين.
وأعجب العجب أن يكون الواقع حجتهم في الصدق والكذب والحق والبطلان، وأن يكون الواقع في الوقت نفسه هو الفساد الذي يجب أن يتغير وهو الباطل الذي لا يعول عليه ... فهو مقدس لأنه واقع، وهو لعنة لا يحق لنا أن نواجهها إلا لنطلب تغييرها ونهدمها من أساسها ونأتي بشيء يناقض هذا، والواقع الذي نحسه ونراه، وإنما تحقق هذه الصورة على الواقع لأناس غير الواقعيين؛ لأنهم يدينون بعقيدة لهم تتمثل بعد في الواقع المحسوس، ولم تزل بعد حلما من الأحلام أو خطة معروضة للبحث ومعروضة بعد ذلك للتنفيذ، وليس بالنادر أن نسمع أناسا من دعاة الواقعية ينادون بها وهم يجهلون أصولها ويخلطون بينها وبين الدعوات التي تناقضها، فيزعم أحدهم أنه واقعي وجودي، وهما نقيضان؛ لأن الواقعية تفرض على من يدين بها أن يصف الحادث وصفا علميا خاليا من الصبغة الشخصية كأنما هو تجارب العلم أو معادلات الرياضة التي تتساوى عند جميع الناس، وهذا في حين أن الوجودية تحرص على إبراز الخصائص الفردية، وترى أن كل فرد نسخة فريدة لا تتكرر في الكون، ولا يجوز أن يتشابه وجود هذا الفرد ووجود ذلك لأن التشابه تقليد، والتقليد إلغاء للوجود أو نزول به إلى مرتبة الآلات، وهي الكائنات التي لا تعلم بوجودها ولا بوجود سواها من باب أولى ...
ومنهم من يزعم أنه مادي تاريخي واقعي مستقبلي في نفس واحد، مع أن المستقبليين يحتقرون التاريخ، ويقول زعيمهم «مارينتي» إن الالتفات إليه كإفراغ الدم الحي في توابيت الموتى، ومع أن المادي يصطنع التبشير بالسلم، والمستقبلي يجعل الحرب سبيل الارتقاء واختيار الأصلح للبقاء.
ومنهم من يزعم أنه واقعي وطبيعي في وقت واحد، مع أن المذهب الطبيعي إنما نشأ لاستدراك نقص يراه في الدعوة الواقعية، ومهما يكن بين الدعوتين من وجوه الشبه فهما مفترقتان حين تنظر إلى أنواع الأدب التي تحاربانها وتحملان عليها، فالواقعية تحارب الخيال والخرافة الشخصية، والدعوة الطبيعية تحارب الصنعة والتنميق والفصاحة المتأنقة ولا تنكر الصبغة الشخصية، ويكاد كل قطب من أقطابها يبرز بصورته المعروفة من وراء أبطاله وحوادثه ومناظره المنتقاة، وليست الكلمة الأخيرة اليوم للدعوة الواقعية ولا للدعوة الطبعية في سوق الدعوات ومزاحم الأفانين والعناوين، فقد ظهرت بعدها دعوات الداديين والمكعبيين والمستقبليين وما شابهها من الدعوات التي يشملها جميعا عنوان السريالية أو فوق الواقع ... وقد يكون المقصود بما فوق الواقع أنه يتجاوز الواقع المحسوس إلى الواقع المستتر في العقل الباطن، أو الواقع المختلط بالفوضى في ضوضاء المدينة الحديثة، فكلما ابتعد الفن عن العقل والرشد ومضى في اللغو أو في أضغاث الأحلام فهو التعبير الصحيح عن هواجس النفس الخفية، وعن الوعي الباطن الذي يرفض المنطق والحمة وصور الجمال ومحاسن الأخلاق.
অজানা পৃষ্ঠা