ثم قال ضابط الشرطة السياسية: «أريد أن أتحدث إليك على انفراد أيها الرفيق كرافتشنكو.»
قلت: «لا مانع من ذلك، فاصحبني إلى مكتبي في المزرعة.» وبينا نحن في طريقنا ثم بعد أن استوينا إلى مقعدنا في المكتب، دار بيننا حديث عام عن شئون القرية واحتمال أن يجيء المحصول جيدا وما إلى ذلك من أمور.
ثم قلت له آخر الأمر: «أيها الرفيق سكوبين، خير لنا أن نأخذ في الكلام عن الحقيقة العملية، ما الذي جاء بك إلى هنا؟»
قال: «إذن فاعلم أن قد وصلنا كثير من الأنباء والتقريرات الرسمية عما صنعته هنا، وصفوة هذه الأنباء والتقريرات كلها هي أنك لا تقف عند حدود القانون، تتجاهل أوامر الحزب ولا تبالي بالسلطات المحلية.» - «ماذا تعني حين تقول «وصلنا»؟ هل تشير بذلك إلى رئيس القسم السياسي؟ أهو الذي طلب إليك الحضور ها هنا؟» - «هذا خارج عن الموضوع.» - «كلا بل هو أساس الموضوع كله، هل خول لك أولو الأمر أن تراجع فعلي؟» - «بل جئت ها هنا لأتحدث إليك حديث الصديق مع صديقه، وليس في الأمر مراجعة.» - «أيها الرفيق سكوبين، إنني أفعل ما أراه حقا، ولست بمستطيع أن أناقش معك ما يبرر فعلي، هنالك شخص واحد في مستطاعه أن يوجه إلي السؤال، وذلك هو رئيس القسم السياسي، أنا هنا الممثل الرسمي للجنة الإقليمية وأنا مسئول أمام تلك اللجنة وحدها عما أصنع، وواجب السلطات المحلية أن تعينني، ولكن رجالها بدل أن يساعدوا تراهم لا يصنعون شيئا سوى أن يملئوا بطونهم بالطعام الجيد، في الوقت الذي يموت الناس فيه جوعا، وعندي قوائم أثبت فيها ما أخذه كل موظف من المزرعة ومن مخزن القرية لاستعماله الخاص، أنا أعلم علم اليقين من هؤلاء الذين يستنكرون صنيعي، ولكني أعلم كذلك ما هم غارقون فيه من شراب ومجون، لقد علمت عن ذلك شيئا كثيرا.» - «صدقني أيها الرفيق «كرافتشنكو» أنني هنا بمحض مشيئتي، وأن الرئيس لا يعلم عن هذه الزيارة شيئا، فقد رأيت أن أحدثك حديثا قصيرا قبل أن أقدم الوثائق للرئيس، فقد بلغني أنك أخذت مقدارا من مصنع الزبد ومن المخازن التعاونية، وأنك تتصرف في إنتاج اللبن التابع للدولة، فتجريه في غير ما أريد له من مسالك، وأنك تحصد الغلة قبل أوان حصدها، وهذه كلها أمور خطيرة.» - «إذا شئت فارفع تقريرك إلى القسم السياسي، وقل لهم: إنني مصر على فعلي، وسأذهب هناك غدا لأقرر أمري بنفسي، وبعد، فهل تريد أن تجول في القرية جولة أيها الرفيق سكوبين؟» - «لا، لا يتسع وقتي لذلك، مع السلامة - إذن - ولست في هذا إلا مؤديا واجبي كما أراه.» - «مع السلامة أيها الرفيق، وسأراك غدا.»
وذهبت في اليوم التالي فقابلت الرفيق «سومانوف».
قال لي: «كنت على أتم صواب حين رفضت الحديث مع «سكوبين» دون استئذاني بذلك، إن هؤلاء الكسالى في قراك ليستنكرون ما تصنع فيما يكتبون؛ ليكون ذلك بمثابة التأمين لأنفسهم إذا ارتبكت معك الأمور، أنا أعلم أنك بذلت مجهودا، وأعلم ما أقدمت عليه من مخاطر، وسأحمل معك تبعة ما صنعت، فإذا ما أجرينا الحصاد وأسلمنا المحصول للدولة في الوقت المحدد، ذهبت كل معالم الخطر، وإلا فقد طاح رأسانا معا.» - «أيها الرفيق سومانوف، لقد صارحتك بكل شيء، فلم أخف عنك شيئا مما صنعت، لكني أريد أن أحمل عبء التبعة وحدي، وهاك الرسالة التي بعثت بها إلي وفوضت لي فيها - وإن يكن تفويضا في عبارة غير قاطعة - أن أصنع ما أشاء، ها أنا ذا أردها إليك.»
أخذها ووضعها في جيبه ثم صاح رفيقي «سكوبين»! وعندئذ دخل الضابط. - «هات لي من فضلك ملف الأوراق والإقرارات الخاصة بالرفيق كرافتشنكو.»
وأحضر «سكوبين» ملفا ضخما، أعطانيه «سومانوف» بدوره، وغادر المكان، ولبث خارج الغرفة حتى فرغت من قراءته، وقد كتبت مذكرة بأسماء المخبرين التابعين للقسم السياسي الذين قرروا في غير صالحي، وأسماء الموظفين الذين استنكروا فعلي، ووعد «سومانوف» بعدئذ أن يبيد الملف، ووضعه في خزانته حتى يحين يوم إبادته. - «سأزورك في لوجينا غدا، فاجمع الموظفين هناك، وسأرينهم الجحيم الذي يستحقون.»
ولما عدت إلى القرية راجعت أسماء المخبرين على القائمة الرسمية بأسماء سكان المكان، فوجدت أنهم موزعون في أنحاء الإقليم توزيعا فيه شيء من العناية، فواحد في دكان التعاون، وآخر في مصنع الزبد، وثالث في إدارة المزرعة، ورابع يشتغل سائقا في محطة الجرارات الآلية، وهكذا كان للشرطة السياسية عيونها وآذانها أعدت بحيث يصبح كل شيء منها على مرأى ومسمع، وإذن فقد كان خلف أصحاب الأمر الاسميين ومديري الاقتصاد الصوريين شبكة من الجواسيس، بعضهم ينتمي إلى الشرطة السياسية، وبعضهم الآخر ينتمي إلى الحزب، فكل لا يدري شيئا عمن عداه، وهكذا وجدت أن وراء الحكومة الظاهرة حكومة أخرى بمعنى الكلمة الدقيق.
وفي ساعة متأخرة من ذلك النهار، صادفت «إيفان بتروفتش» في بعض الطريق، فكان يتهلل بكثير من البشر الذي أثاره في نفسه ما يؤديه من عمل.
অজানা পৃষ্ঠা