147

وبالغيب أمنا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبل محمد ومن الشاهد القوي على إسلام أبي طالب ما تكلم به لجلة قريش فإنه جمعهم عند وفاته، وأوصاهم بكلام حكيم، فقال لهم: يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، وفيكم السيد المطاع، والمقدم الشجاع، والواسع الباع، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا ادركتموه، ولكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة، والناس لكم حرب وعلى حربكم ألب، وإني أوصيكم بهذه البنية، فإن فيها مرضاة الرب وقواما للمعاش، وثباتا للوطأة، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها فإن في صلة الرحم منساة في الأجل(1)، وزيادة في العمل، واتركوا البغي والعقوق، ففيهما هلكت الأمم قبلكم، أجيبوا الداعي وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات، عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة فإن فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، قد جاء بأمر قبله الجنان، وأنكره اللسان مخافة الشنأن، وآيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب وأهل الأطراف والمستضعفين قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤوساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، قد مخضته العرب ودادها، واصفت له فؤادها، وأعطته قيادها دونكم.

يا معشر قريش ابن أبيكم كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة، ولأجلي تأخير، لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي، ثم هلك.

فانظر بقلبك أيها اللبيب، هل هذا إلا كلام من تمكن الإيمان من قلبه، واغدق التصديق(2) في صناديق لبه، لكن تجنب النطق والإظهار خشية ما قال، فحين حضر أجله تكلم بالشهادة، وطابق لسانه جنانه، كما قال المنصور بالله عليه السلام من قصيدة:

পৃষ্ঠা ১৪৫