আহমদ উরাবি জাসিম মুফতারা আলাইহি
أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه
জনগুলি
ولقد قابل جماعة من النواب ومن رجال المال، ثم ما زال يسعى حتى ظفر بمقابلة جرانفل وزير الخارجية فتحدث إليه عما لديه من المعلومات ودافع عن قضية الحرية في مصر بكل ما في طوقه من وسائل الدفاع، ولكن شد ما كانت دهشته وألمه عندما انطلق جرانفل نفسه يخبره أن لديه من المعلومات ما يؤيد عنده أن عرابيا إن هو إلا صنيعة إسماعيل، وأن المسألة من أولها إلى آخرها ما هي إلا سلسلة من الدسائس لإرجاع الخديو السابق إلى عرشه!
وعول بلنت بعد ذلك على مقابلة جلادستون، وقد كانت شهرته قائمة على أساس ميله إلى الحرية، والأخذ بيد الشرقيين جميعا لينهضوا من سباتهم، فلما مثل بلنت بين يديه اندفع يتحدث عن الحركة الوطنية في مصر في حماسة وطلاقة، وظل جلادستون صامتا ينصت إليه كأنه مقبل عليه مؤمن بما يقول يقدره حق قدره، قال بلنت: «ثم سألني عن الجيش المصري، وسبب ظهوره في المسائل الوطنية، فإنه خشي عاقبة ذلك، فأوضحت له تاريخ الحركة كلها، وأكدت له أن ما زعمه البعض عن تدخل الجند أمر مبالغ فيه، وأن ما أذيع من الأنباء عن الجند وتوعدهم النواب ليست إلا مفتريات، وقلت: إنه ليس هناك من سبب لما تبديه مصر من الاستعداد إلا خوفها من الاعتداء والتدخل.»
ولكن ماذا كان ينتظر بلنت من جرانفل وجلادستون، ولم تكن المسألة مسألة إقناع وحجة؟ ماذا كان يأمل بلنت ولم تكن المسألة ماذا يجب أن يعمل، وإنما كانت متى ينفذ ما انعقدت النية عليه؟
وإني لأحس فيما قرأته مما كتبه بلنت عن مقابلته لجرانفل وجلادستون أنهما كانا ينظران إليه نظرتهما إلى غر لا يفهم ما يجب أن يتبعه الإنجليزي في معاملة الشعوب الشرقية، أو إلى ناشئ في السياسة لا يدري أن الكلام شيء والخطط المرسومة شيء آخر ...
ولقد علق كرومر في كتابه «مصر الحديثة» على مساعي بلنت فقال: «ومن هؤلاء الذين عطفوا على القضية نرى أبرزهم مستر ولفرد بلنت، ولقد عاش مستر بلنت زمنا بين المسلمين، وكانت له لذة شديدة في كل شيء يتصل بهم وبدينهم، ويظهر أنه كان يعتقد في إمكان إحياء الإسلام على قواعده الأصلية، وقد تصادف أنه كان في مصر في شتاء سنة 1881، 1882، فألقى بنفسه بكل ما تبعثه الطبيعة الشاعرية من حماسة في جانب القضية العرابية وأصبح مرشدها وفيلسوفها، كما أصبح الصديق لعرابي وأتباعه، ورأى مستر بلنت أنه كان يعنى بحركة هي إلى حد معين حركة قومية بلا نزاع، وفشل في أن يفهم فهما كافيا تلك الحقيقة، وهي أن سيادة الحزب العسكري كان فيها القضاء على العنصر القومي في الحركة. وكان في وقت ما يعمل وسيطا بين السير إدوارد مالت والقوميين.
ولكن هذا الاختيار لم يكن موفقا، لأنه يتبين بأجلى وضوح مما ذكره بلنت في كتابه عن مساعيه أنه فيما عدا بعض المعرفة باللغة العربية لم يكن على شيء من الصفات اللازمة لتحقيق النجاح في مسألة لها ما لهذه المسألة من دقة وصعوبة، ولقد نصح للقوميين أن يعنوا بالجيش وإلا غالتهم أوربا، وكان يعني النصيحة بلا ريب، ولكنها كانت في غير وقتها كما كانت خبيثة، فلئن كان ثمة من خطر من جهة الغزو الأوربي فإن موطن هذا الخطر كان في انضمام الحزبين الوطني والعسكري، أكثر مما كان في انفصالهما، ولقد كان من السهل على السياسي المجرب أن يدرك هذا، ولم يكن للمستر بلنت تجربة سياسية ذات قيمة، وإنما كان رجلا متحمسا يحلم بيوتوبيا عربية.»
هذا ما يراه كرومر في بلنت، وليس عجيبا أن يكون هذا رأي كرومر، وهو من أساطين الاستعمار، في رجل مثل بلنت كان بلا مراء من كبار الأحرار، وإنما نورد رأي كرومر هذا لأنه يكشف عن جانب من أساليب المستعمرين الإنجليز في محاولة طمس الحقائق في سبيل الوصول إلى ما يطمعون فيه من أغراض، وهو من ناحية أخرى يشف عما كان يمكن أن يقابل به مسعى رجل مثل بلنت في دوننج ستريت إبان تلك الظروف التي نتحدث عنها، ظروف مقاومة الوزارة الوطنية في مصر ...
ولم يكن ينتظر أن يصيب بلنت غير الفشل، وقد كانت وزارة جلادستون تتعجل الحوادث لتفلت من فرنسا وتنفرد بوضع يدها على مصر حتى تخلص من الموقف الحرج الذي وضعها فيه فرسنيه، فلقد ذهب هذا الوزير في تجنب العدوان على مصر إلى حد أنه كتب إلى قنصل فرنسا في القاهرة يأمره «أن يلزم خطة التحفظ والحذر، وإن كان ذلك لا يمنعه من أن يحسن صلته بكل حكومة في مصر تحترم الاتفاقات الدولية وتحافظ على النظام».
ولقد زاد فرسنيه على هذا أن استدعى المسيو دي بلنيير العضو الفرنسي في المراقبة لما كان يعلم من مسلكه نحو الحركة الوطنية في مصر، وباستدعاء دي بلنيير خلا الجو لكلفن ومالت، فراحا ينفثان سمومهما ويتعجلان الحوادث في غير أناة ولا استحياء.
ومضت إنجلترا تتربص بمصر كما يتربص الوحش بالفريسة، وبعد شهرين من سحب دي بلنيير وقع في القاهرة ما عرف بحادث المؤامرة الشركسية.
অজানা পৃষ্ঠা