وعفا الرئيس مرة أخرى عن ضابط تأخر عن المعركة لأنه ذهب للقاء خطيبته، ولما احتج القواد قال لهم الرئيس ضاحكا، عفوت عنه لأني أفعل فعله لو كنت في مثل سنه!
وحمل إليه البريد فيما حمل من الكتب كتابا من سيدة تقول إنها أرسلت إلى ابنها كتبا كثيرة فلم يرد عليها، فإن يكن مات ففي سبيل وطنه، وإن كان لا يزال حيا فإنها تحب أن يكتب إليها، وإنها لتلجأ إلى الرئيس؛ إذ لم تبق لديها حيلة، وشكت الأم من غلظة ابنها إن كان حيا، وشرحت للرئيس كيف ربته بعد موت أبيه حتى تخرج ضابطا في المدرسة الحربية.
والرئيس خير من يدرك بقلبه الإنساني الكبير كيف تكون حال أم في هذا الموقف، فأرسل إلى قائد الفرقة التي حددتها الأم في كتابها يأمر بإرسال هذا الضابط إلى البيت الأبيض في غير إبطاء، ولما حضر الفتى أدخلوه على الرئيس فحيا ووقف أمام مكتبه دهشا، فقال له الرئيس في شيء من العنف: «قص علي يا فتى كيف تعلمت بعد وفاة أبيك ولا تخف عني شيئا إن كنت من الصادقين.» فقص الفتى عليه قصته كما جاءت في كتاب أمه، وقاطعه الرئيس يصحح له واقعة فقال: «وماذا بعتم أيضا غير متاع البيت، وكان بيعه شديدا على نفس أمك؟» وتفكر الفتى وقال في شيء من الخجل: «بعنا ساعة أبي.» ونظر الرئيس إليه بعد أن فرغ من قصته، ثم قال: «هل جاءتك في الصفوف كتب من أمك؟» وقال الفتى: «أجل جاءتني.» وتكره له الرئيس وعبس ووضع يديه على جانبي صدره تحت ياقة حلته - وهي عادته حين يغضب - وقال: «أيكون جزاء أمك على ما فعلت هذا العقوق فلا ترد على كتبها؟» وأراد الفتى أن يعتذر فقاطعه الرئيس قائلا: «اجلس على هذا الكرسي.» وناوله بيده ورقة لمح الفتى في زاويتها العليا كلمة البيت الأبيض، مكتب الرئيس، وأعطاه الرئيس ريشته ومحبرته وقال له: «اكتب كتابا لأمك.» ومشى الرئيس إلى النافذة فأطل منها وهو يردد شعرا لشكسبير أوله: «اعصفي يا ريح الغرب الهوجاء فلست أقسى من قلب منكر ...» وتناول الرئيس الكتاب فأعطاه إلى من يلقيه بالبريد، وقال للضابط: «كن بارا بأمك لتكون بارا بوطنك.» ولم يشأ أن يظل عنيفا عليه وهو يحارب من أجل قضية البلاد، فربت على كتفه في رفق وهو يصرفه.
ولقد كان أبراهام يتلقى الأنباء عن عدد القتلى والجرحى وهو أكثر الناس إشفاقا وجزعا، ولقد كان يسأل عن عدد من صرع من الفريقين المتحاربين لا من أهل الشمال فحسب، فيحزن لهؤلاء وهؤلاء جميعا كأبناء أمة واحدة.
وكثيرا ما كان يذرف الرئيس الدمع على ما يصيب رجاله في تلك الحرب الهائلة. ذهب ذات مرة إلى مقر أحد الجيوش فعلم بموت صديق له كان من جلسائه في سبرنجفيلد، فأسرع إلى العودة مضطربا ويداه على صدره كأنما يمسكه أن يتصدع، وعيناه تفيضان، وعلى وجهه شحوب وكدرة، وإنه ليسير بين الجنود لا يلتفت إلى تحياتهم فلا يردها من شدة الغم، وتكاد لا تقوى على حمله رجلاه.
وكان لا يفتأ يقرأ شكسبير، ففي مآسيه صدى لنفسه الحزينة وعزاء لها، على أن عينيه تقعان ذات مرة على تساؤل أم ولهى في إحدى هذه المآسي تقول: «لقد سمعتك أيها الأب الكاردينال تذكر أننا سنرى أصدقاءنا في السماء ونعرفهم، ولئن كان هذا حقا فلسوف أرى ابني ثانية ...» فانظر إلى هذا الرجل القوي يضع الكتاب ويكب بوجهه على كفيه فيملؤهما من روافد دمعه.
ذلك هو الربان الذي قدر أن يكتوي فؤاده بنار هذه الحرب الطاحنة، وإنه ليحس كل ضربة أو طعنة فيها موجهة إليه قبل غيره، ولكن من كان يقوى غيره على حمل هذه الأهوال والصبر على مكاره هذا النضال؟
المحرر!
في هذه السنة الثانية للقتال؛ أي سنة 1862، بينما كانت الحرب تتأجج نارها ويتفجر بركانها، وتتوثب في البر والبحر شياطينها، اشتدت الدعوة إلى حل معضلة الرق، وارتفعت الأصوات من كل جانب بوجوب إعلان قرار التحرير، ونشطت الصحف والمجلات تطالب الرئيس أن يخطو هذه الخطوة، وانهالت على الرئيس الكتب يحبذ فيها أصحابها أن يقطع العقدة فذلك أيسر من حلها.
ووقع الرئيس على كلمة عظم تأثيرها في نفسه وتدبر فيها طويلا، وهي قول أحد الكتاب المؤرخين: «إن هذه الحرب الأهلية هي الأداة التي سخرها الله لاقتلاع جذور العبودية، وإن أعقابنا لن يرضون عن نتيجتها إلا إذا كان مما تحدثه الحرب ازدياد عدد الولايات الحرة، هذا ما يتوقعه الجميع، وهذا هو الأمل الذي تنشده جميع الأحزاب.»
অজানা পৃষ্ঠা