كانت تشبه بدقة الصور التي شاهدها لمعتقل خليج جوانتانامو، فعلى غرار ذلك المجمع، كان هذا السجن شبكة هائلة من الأسوار المنشأة من السلاسل التي لا تتضمن جدرانا كثيرة؛ الأمر الذي يتيح مشاهدة السجناء للحراس وبعضهم البعض، كما كانت في الهواء الطلق مثل جوانتانامو، ولم يكن يبدو أن بها أماكن للجلوس أو للنوم، كانت أقفاصا وحسب والأرضية المرصوفة بالأسفلت من تحتها.
وكانت مساحة القفص الذي وضع فيه زيتون وتود نحو خمسة أمتار في خمسة، وكانت خاوية إلا من مرحاض يمكن نقله من مكان لمكان، ولا باب له. وكان الشيء الآخر الوحيد في القفص عمودا من الفولاذ على شكل حرف «يو» (
U ) المقلوب، مثبتا بالأسمنت في الأرض المرصوفة مثل الأماكن التي تربط فيها الدراجات، وكان يستخدم عادة في إرشاد الأوتوبيسات المنتظرة في الساحة والركاب الواقفين صفوفا ، كان ارتفاعه يبلغ نحو 75سم، وعرضه نحو ثمانين سنتيمترا .
وفي مقابل قفص زيتون كان يوجد مبنى من طابقين، يوحي بأنه مكاتب شركة السكك الحديد. وكان الجنود يشغلونه الآن. وفوق سطحه كان يقف جنديان يمسكان ببنادق من طراز إم-16 ويحدقان في زيتون وتود في أسفل المبنى.
كان تود ثائرا غاضبا يرغي ويزبد محتجا. ولكن الحراس لم يكونوا يسمعون شيئا يذكر من ألفاظه. بل إن زيتون نفسه الذي يقف قريبا منه لم يكن يسمع إلا شذرات غير واضحة. لم يكن زيتون يدرك قبل هذه اللحظة وجود صوت ما، طنين آلة ضخمة، يلف الهواء حولها. كان الصوت منتظما لا يتغير إلى الحد الذي جعله لا يدرك وجوده من قبل.
واستدار زيتون فتبين له مصدر الضجيج، كانت مؤخرة قفصهما تكاد تتاخم قضبان السكك الحديد، وكانت تقف فوق القضبان من خلفهما مباشرة آلة جر قطارات الشركة، القاطرة ذات المحرك، كان المحرك يعمل بكامل طاقته بوقود الديزل، وأدرك زيتون فورا أنه كان يولد الكهرباء كلها التي تستخدمها المحطة ويستخدمها السجن المؤقت. ورفع بصره إلى الآلة الرمادية الهائلة التي تزن ما لا يقل عن مائة طن، والتي زينت بشعار صغير يضم الألوان الثلاثة: الأحمر والأبيض والأزرق، وعرف أنها لن تتركهما، بصوتها العالي المتصل ما داما محتجزين في ذلك المكان.
وكان أحد الحراس مكلفا بهما، كان يجلس على كرسي من النوع الذي يطوى، على مسافة تزيد قليلا على ثلاثة أمتار أمام القفص، كان يحدق في زيتون وتود، وعلى وجهه أمارات الفضول والاحتقار.
وكان زيتون مصمما على إجراء مكالمة تليفونية، فمد يده إلى السلسلة التي تشكل جانب السور أمامهما حتى يلفت نظر رجل شرطة شاهده بالقرب من الباب الخلفي للمحطة. وفعل تود ذلك أيضا، وفورا تلقيا التوبيخ من الحارس المكلف بهما.
صاح الحارس بلهجة قاطعة: «لا تلمسا السور!»
وسأله تود: «لا تلمسا السور؟ هل تهزل؟»
صفحة غير معروفة