ووقع المنتصر إلى إسفرايين، [فمانعه أهلها حذر المحنة، وخيفة الهرج والفتنة، فانثنى على أدراجه في شرذمة] «8» من أصحابه يقطع الأرض طولا وعرضا، حتى انتهى إلى بعض حدود سرخس، فأقام هنالك ريثما تلاحق به الفل. وسار حتى عبر النهر من ساحل قطنان. وبرز شحنة بخارى في طلبه، وسدوا عليه وجوه مهربه، فركب عزيمة الرجال في ثبات القدم، وثبت بعضهم للبعض جلادا بالدبابيس والحراب، وإغمادا [105 أ] للسيوف في قراب الرقاب. فجد المنتصر في الأمر واشتد، ونجا برأسه ولم يكد. وصار القوم إلى دبوسية «1» من الصغد «2» مستنجدين من بها من العمال، وتفاريق الرجال. ووقع المنتصر إلى ثغر النور «3» من بخارى وركض منها عليهم ركضة اقتسمتهم بين اجتياح واحتناك واصطلام واجتثاث، ومالأه «4» المعروف بابن علم دار رئيس الفتيان بسمرقند، فأتاه في ثلاثة آلاف رجل، وتقرب «5» إليه مشايخ أهلها بثلثمائة غلمة، على سبيل بر وخدمة.
ووصلوا بها كرامات تضاهيها، ونثارات تدل على إخلاصهم فيها، وتوافى إليه الغزية فاشتعلت جذوته، وتراجعت قوته.
ولما سمع أيلك الخان باحتداد شوكته، واشتداد وطأته، زحف إليه في أحلاس الذكور من ديارات الترك. واشتبكت الحرب بينهم بقرية بورنمذ «6» من حدود سمرقند، حتى نفدت النبال، وتحطمت النصال، وتكسرت السمر «7» الطوال. وخان الخان «8» مقامه «9»، وانفض عنه أقوامه، فاستقفاه الغزية في طلاب الأسلاب، حتى بردت أيديهم بالسبايا والنهاب، [105 ب] والغنائم الرغاب، وذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وثلثمائة.
صفحة ١٩٣