وجعل غاريبالدي قبل ذلك أملاك اليسوعيين من ممتلكات الأمة في صقلية، وفي شهر شباط ألغى مانجيني وزير المذاهب في نيابة كاريجنانو الاتفاقية الدينية المعقودة في سنة 1818 كما ألغى الأديرة، وجرد الأساقفة من حق إشرافهم على الأمور الخيرية، وكان ريكاسولي منذ مدة طويلة يطالب الحكومة بأن تستعد لجعل أملاك الكنيسة من الأملاك الأميرية في طوسكانه وبيع الأراضي الكهنوتية وتخصيص حاصلاتها لموازنة وإرادات الإكليروس. وأدى ذلك كله إلى إثارة حنق رجال الدين وغضبهم، وأخذوا يرغون ويزبدون، ولما أخفق متطوعو البابا أصبح أملهم الوحيد في تهييج الرأي الكاثوليكي في أوروبا حتى تضطر الحكومات إلى التدخل.
وكان خطر ضياع ما بقي من السلطة الزمنية يثير مخاوف الكاثوليك أكثر مما تثيره القوانين المعاكسة للدين والمراعية في المملكة الجديدة، ومن الحق أن يقال إن هناك كانت جماعة من الكرادلة المتساهلة، تقول بضرورة التفاهم حتى إنه تألف مجمع ديني لدرس القضية من الوجهة اللاهوتية، وقرر بأن البابا يستطيع أن يتخلى عن السلطة الزمنية إذا قضت مصلحة الكنيسة ذلك، إلا أن المجمع كان عبارة عن فئة قليلة من جمهرة كثيرة، وبينما كان هناك أمة فتية معتزة بقوتها فخورة بعملها وبطالعها، كثيرا ما تتوق إلى سحق العدو الذي يحول بينها وبين هدفها في جانب؛ كانت حكومة البابا بقوتها النافذة في الخير والشر تقف في جانب آخر.
وكانت قد ارتفعت أصوات منذ مدة طويلة من الوسط الإكليروسي الكاثوليكي؛ تدعو إلى إيجاد التفاهم بين الكنيسة وبين النزعة الحرة، وكان لامينس ومونتا لامبرون في فرنسة وروسميني وفنتورا وجيوبرتي في إيطالية؛ يبشرون بالإصلاح وبضرورة الأخذ بالاصطلاحات الحديثة، وكان أتباعهم بين الإكليروس وبين العلمانيين كثيرين، حتى إن الثورة في نابولي وصقلية كانت في طابعها دينية قادها الرهبان.
وقد أدى الاستياء الذي ولده تصلب بلاط روما الطائش والشعور بالخطر المحدق بالكنيسة والرغبة في سد الثغرة بين الكنيسة وبين العلمانيين إلى انسياق قسم كبير من الإكليروس وراء التحزب لفكرة التفاهم، وقد وقع في روما ذاتها خمسون من رجال الدين على نداء موجه لكافور، وكانت هذه الحركة في مجملها تمرد الإكليروس الرفيع وثورة الخوري الذي يتضور جوعا على المطران الغني الخليع، وراح رجال الإصلاح يقولون بأن الأساقفة لا يسعهم إلا صب اللعنات، فقد أضاعوا قدرة التقديس.
وكان على رأس هؤلاء المصلحين اليسوعي «بشاجليه»، وقد وجه وأتباعه نداء للرهبان ودكاترة اللاهوت قالوا فيه إن الكنيسة اعتادت أن تعترف بالحكومات تجاه الأمر الواقع، وإن التحريم بلا استناد إلى أسباب خطيرة قاهرة أو إنزال العقوبات الدينية بالجماهير أمور أنكرها رؤساء المذاهب الكاثوليكية وأحبارها.
على أن معظم كتابات هؤلاء لم تصدر إلا بعد بضعة أشهر حين شجعتهم أعمال الحكومة الإيطالية على الجهر بها، وكانوا قبل ذلك قد أظهروا نفوذهم فكان كافور - اعتمادا على معاضدة هؤلاء - يتوقع أن يدخل روما برضاء العالم الكاثوليكي، وقد قال في المجلس النيابي في شهر تشرين الثاني: «لا يمكن أن تحسم القضية الرومانية بالسيف، بالقوى الأدبية وحدها نستطيع أن نتغلب على الموانع الأدبية.»
وإذا تسنى البرهنة على أن إلغاء السلطة الزمنية لا يتعارض مع استقلال روحي أوسع حدودا مما كانت البابوية تتمتع له في الأزمنة المتأخرة؛ حينئذ يجرد الكاثوليك من سلاحهم الوحيد، ولكن ظهر بأن الأمل في عدول روما عن خصومتها إنما هو خائب، ومع ذلك فقد اندفع كافور بكل قوته نحو بلوغ هذا الأمل، وكان شعار المصلحين: «قيام كنيسة حرة في حكومة حرة».
وقد انتهت المعركة المديدة التي نشبت قبل قرن بين الكنيسة والدولة بهزيمة الأولى؛ إذ أرغم جوزفي الثاني في النمسة ولئوبولد في طوسكانه وتنوكي في نابولي البابا على عقد اتفاقات دينية جعلت الكنيسة خاضعة للدولة.
وكان كافور قرر إلغاء هذه الاتفاقيات إذا تخلت البابوية عن السلطة الزمنية، ومن البديهي ألا يكون للكنيسة امتيازات تتعارض وحرية الحكومة فتعترف الكنيسة بالنكاح المدني ويصبح العلمانيون ورجال الدين متساوين أمام القانون، ولا تفتح أبواب الأديرة الملغاة ولا يتمتع الإكليروس بحق الإشراف على مدارس الحكومة والجامعات، فإنها تصبح حرة في التصرف بأملاكها وبإدارتها كل الحرية، ثم إن الحكومة تضمن لها بعض الواردات، ويستطيع البابا أن يمارس القانون الكهنوتي من دون قيد على أن لا يطلب معاضدة السلطات المدنية، ويستطيع أعضاء الإكليروس أن يعظوا وأن يدرسوا ما يشاءون في مدارسهم الدينية الخصوصية.
ثم إن الدولة تتخلى عن حق تعيين الأساقفة الذين سوف ينتخبون فيما بعد من قبل إكليروس الأسقفية، ويحتفظ البابا بعنوان الملك الأسمى، ويتقاضى راتبا ضخما له ولبلاطه ويصبح مجمع الكرادلة طليقا من كل نفوذ حكومي.
صفحة غير معروفة