346

============================================================

سقوط الكلفة في الطاعة : وقد ارتفعت عنه السامة، وزايلته الملالة، لما في صدره من الجلال والهيبة لربه و كيف يسام وهو مستقل لعمله، مقصر عند نفسه في حزنه، وفي حرق فؤاده، لعظيم ما ألزم قلبه من تعظيم الله وخشيته، والشوق والحنين إليه، وهو جهد مذعور، ومع فرقه وذعره مشتاق، ذوحنين، واله معلق قلبه بمولاه، لا ينفذ من قلبه ذكره، وشدة هيبته وكيف تنفد هيبة من قد أقبل عليه بالتوفيق، وعطف عليه بالرحمة والتنبيه، وقد قرب من قلبه ذكر سرعة لقاء ربه، فهو في كل وقت يتوقع نزول الموت به، فلم يتهن في نهاره بقرار، ولا اطمان فؤاده من خشية المباغتة بالموت في كل حال وأوان .

قد أيقن آنه قائم بين يدي مولاه بلا حجاب يحجبه عنه، ولا ستر يواري بصره، فكانه يعانيه، قد ثنى عنقه، وحنى صلبه، مع وجيف(1) كانه من شدة شغل قلبه ليس في الدنيا ولا من أهلها : قد ضمر نفسه للسباق غدا، وتخفف من الدنيا لسرعة المعر على جسر جهنم ، ذابل ناحل، دائب راج، نعيمه في الدوام على أحواله، طالب من الله تعالى أن يزيده حزنا، ووجيفأ وحنينا وشوقا، ودؤوبا واجتهادا.

مبادر مشمر متنعم بالطمع وحسن الظن والأمل، ومحزون بخوف الفوت والحرمان، وهو مع ذلك راض بقضائه مسلم لأمره، واثق لما ضمن له ووعده، لا يرى عزأ إلا التعزز به، ولا شرفأ إلا في الإقبال عليه العلم بطريق التوية: بصير بداء نفسه، ونزعات عدوه، لا يركن الى خطره، ولا تتموه عليه (1) الوجيف : الخوف

صفحة ٣٤٦