يبدو أن مفهوم الإرادة الحرة الواعية غير متسق؛ فهو يشير إلى أن إرادة الفرد منفصلة ومنعزلة عن بقية بيئتها، لكنها - على نحو متناقض - قادرة على التأثير في هذه البيئة عن طريق اتخاذ خيارات داخلها.
كنت ذات مرة في إحدى الفعاليات عندما سئل صديقي ومعلم التأمل جوزيف جولدشتاين عما إذا كان يعتقد أن لدينا إرادة حرة. وقد أجاب عن السؤال بوضوح لافت للنظر عندما قال إنه لا يعرف حتى ماذا يعني هذا المصطلح. ما معنى أن تكون لدينا إرادة مستقلة عن العلاقات بين الأسباب والنتائج في الكون؟ وأشار بيديه إشارة راقصة في الهواء فوقه؛ في محاولة للإشارة إلى هذه الإرادة الحرة الخيالية، وهو يتساءل: «كيف يمكننا حتى محاولة تخيل مثل هذه الإرادة حولنا؟»
غير أن الكثير من الناس يعترضون على مقولة أن الإرادة الواعية هي وهم استنادا إلى أسس أخلاقية، مؤكدين أن البشر يجب أن يتحملوا مسئولية اختياراتهم وسلوكياتهم. لكن البشر يمكن (ويجب عليهم) أن يتحملوا مسئولية أفعالهم، لأسباب عديدة؛ فهذان المعتقدان ليسا متناقضين بالضرورة. فلا يزال بإمكاننا معرفة الفارق بين الأفعال المتعمدة والواضحة وبين النوع الذي تسببه الأمراض العقلية أو غيرها من اضطرابات العقل/الدماغ.
6
تخيل أننا في مدينة مستقبلية، وأن سيارة ذاتية القيادة صدمت أحد المشاة. سوف تعتمد الاستجابة لهذا الحدث المؤسف على سبب عدم توقف السيارة. إذا تبين أن برامجها معيبة ولا يمكنها التعرف على المشاة عندما يرتدون معاطف شتوية داكنة، على سبيل المثال، فإن ذلك سيتطلب استجابة معينة. وإذا تعطلت مستشعرات السيارة بسبب عيب في هذه السيارة تحديدا، فإن ذلك يتطلب استجابة مختلفة. وإذا صدمت السيارة الشخص السائر لأنها كانت تتجنب الاصطدام بحافلة مزدحمة ودفعها وسط زحام مروري في الاتجاه الآخر، فسننظر إلى هذا الموقف (ونستجيب له) على نحو مختلف تماما عن السيناريوهين الأولين - باعتباره «نجاحا» للتكنولوجيا المتقدمة للسيارة، بدلا من اعتباره عيبا بها. إن مجرد معرفتنا أن سيارة ذاتية القيادة صدمت أحد المشاة ليست معلومات كافية لمساعدتنا في منع هذه السيارة من أن تكرر الحادثة أو لمعرفة كيفية صنع سيارات أفضل.
من المهم أن نلاحظ أنه في هذه التأملات حول السيارات الذاتية القيادة، لم يدخل الوعي في المحادثة قط. ويمكن النظر إلى الدماغ بطريقة مماثلة عندما يتعلق الأمر بالإرادة الواعية. فسيكون من المهم دائما معرفة «السبب» الذي جعل شخصا ما يتصرف بعنف، على سبيل المثال. ثمة مجموعة من السلوكيات البشرية التي يمكن أن تتأثر بالردع، والعواقب السلبية، والتعاطف، إلى جانب تلقين الأدمغة النامية للأطفال بالتنظيم الذاتي والتحكم الذاتي؛ وجميع الطرق الأخرى التي تستخدمها المجتمعات المتحضرة لإبقاء البشر حسني التصرف (عموما).
يغير الدماغ من سلوكه باستمرار استجابة للمدخلات التي يتلقاها. كما أنه يتغير ويتطور من خلال الذاكرة، والتعلم، والتفكير الداخلي. فمع التوجيه الصحيح، فإننا نتوقف في النهاية عن رمي أنفسنا على الأرض والدق بقبضات أيدينا عندما لا نحصل على ما نريد. وما كنا لنتمكن من الوصول إلى ذلك دون مفاهيم مثل المسئولية، والمساءلة، والعواقب. لكن في المواقف التي تكون فيها الضغوط الحضارية المعتادة عاجزة (حين يعاني شخص ما هلاوس فصامية مثلا)، فمن المنطقي معاملة هذا الشخص وسلوكه على نحو مختلف عن الشخص الذي يخضع لتلك الضغوط الحضارية. وبالمثل، فإن فهم النوايا الكامنة وراء السلوك العنيف يعطينا معلومات مهمة حول نوع «البرمجيات» التي يعمل بها دماغ شخص ما. فالشخص الذي يخطط لعدة جرائم قتل لديه دماغ يعمل بشكل مختلف تماما عن شخص أصيب بجلطة دماغية أثناء قيادة سيارته وقتل عددا من الأشخاص عن طريق الخطأ.
قد يبدو من التناقض الحديث عن الأخلاق في هذا الإطار؛ لأن الوعي ضروري لمناقشة المسائل الأخلاقية. فلما كانت الأخلاق مجالا يتعلق بالمعاناة، فإن كل المحادثات حولها تدور حول كيفية «الشعور» بشيء ما. لكن من حيث كون الدماغ نظاما للمعالجة الفيزيائية؛ فإن بعض أهدافه يمكن أن تكون أخلاقية بطبيعتها - تحديدا، العمل على تقليل عدد الأحداث التي تسبب المعاناة - وهنا تشبه أدمغتنا السيارات الذاتية القيادة المذكورة سابقا. وعلى الرغم من أننا نتحدث عن تعديل تجربة واعية، فإن الوعي نفسه لا يعني بالضرورة التحكم في النظام؛ وكل ما نعرفه هو أن الوعي يشعر بالنظام. وليس من التناقض أن نقول إن الوعي ضروري للاعتبارات الأخلاقية، ولكنه في الوقت ذاته غير ذي صلة عندما يتعلق الأمر بالإرادة.
يعد التمييز بين سلوكيات الدماغ المتعمدة والسلوكيات التي يسببها تلف في الدماغ أو قوى خارجية أخرى («ضد إرادة الفرد») أمرا سليما وضروريا، لا سيما عند تنظيم قوانين المجتمع وأنظمة العدالة الجنائية. لكن الادعاء بأن الإرادة الواعية وهمية لا يزال قائما - بمعنى أن الوعي لا يقود السفينة - ويمكن الحفاظ على تلك الإرادة جنبا إلى جنب مع هذه التمييزات الأخرى المتمثلة في التعمد والمسئولية.
التجارب الموصوفة في هذا الفصل ليست ضرورية لإثبات هذه النقطة في حقيقة الأمر. فخبرتنا وحدها تكشف الوهم، ويمكنك اكتساب بعض الأفكار المتبصرة حول هذا الأمر من خلال تجربة بسيطة. اجلس في مكان هادئ وامنح نفسك خيارا - أن ترفع ذراعك أو قدمك - مع وجوب إجراء هذا الخيار قبل وقت معين (قبل أن يصل عقرب الثواني في الساعة إلى الرقم ستة، على سبيل المثال). فلتقم بذلك الأمر مرارا وتكرارا، ولتراقب خبرتك من لحظة إلى أخرى عن كثب. لاحظ كيف يتم إجراء هذا الاختيار في الوقت الحقيقي، وما الشعور الذي يسببه. من أين ينبع القرار؟ هل «تقرر متى تقرر»، أم يبزغ القرار ببساطة في تجربتك الواعية؟ هل ثمة إرادة واعية تعطيك بطريقة ما الفكرة؛ «حرك ذراعك»، أم أن الفكرة تصل إليك من مصدر ما؟ ما الذي يجعلك تختار الذراع وليس القدم؟ قد يبدو لك فجأة أن «أنت» (أي تجربتك الواعية) لم يكن لها أي دور في الأمر.
صفحة غير معروفة