الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة

عادل مصطفى ت. 1450 هجري
98

الأورجانون الجديد: إرشادات صادقة في تفسير الطبيعة

تصانيف

connection

وبها تأبى الأجسام أن تنتزع في أي جزء من أجزائها من صلتها بجسم آخر، كما لو كانت تستمتع بالوصل أو بالاتصال المتبادل، هذه الحركة يسميها المدرسيون الحركة ل «تجنب الفراغ»، مثلما يحدث حين يسحب الماء بالشفط أو خلال حقنة، أو يسحب اللحم بكأس الحجام، أو عندما يمكث الماء ولا يهرب من الجرة ما لم تفتح فوهة الجرة بما يسمح بدخول الهواء، وما لا يحصى من الشواهد المماثلة. (3)

ولتكن الحركة الثالثة هي حركة ال

liberty (الحرية) كما أسميها، والتي بها تكافح الأجسام لكي تحرر نفسها من الضغط أو التوتر غير الطبيعي وتستعيد نفسها إلى الأبعاد التي تلائم الجسم، هناك أمثلة لهذه الحركة تفوق الحصر، مثل (لكي نبدأ بالتحرر من الضغط) حركة الماء في السباحة، وحركة الهواء في الطيران، وحركة الماء في التجديف، وحركة الهواء في هبات الرياح، وحركة الزنبرك في الساعات، والمثال الدقيق على حركة المنضغط يشاهد في بندقية الهواء عند الأطفال، إذ يجوفون فرعا من جار الماء أو شيئا من هذا القبيل، ثم يحشونه من كلا طرفيه بجذر لحيم أو شيء من هذا القبيل، ثم بقضيب تنظيف (مدك بندقية) يحشون جذرا أو عصا من أحد الطرفين، فيدفع الجذر الذي عند الطرف الآخر خارجا ويقذف بصوت مسموع قبل أن يمسه الجذر أو العصا أو المدك المدخل من الطرف القريب، أما عن التحرر من التوتر فهذه الحركة تفصح عن نفسها في الهواء المتبقي في البيض الزجاجي بعد الشفط وفي الأوتار وفي الجلد والقماش الذي يستعيد شكله بعد مطه ما لم يستمر المط فترة طويلة بحيث يصير مستديما، هذه الحركة يشير إليها المدرسيون تحت اسم «الحركة وفقا لصورة العنصر»، وهي تسمية من الجهل بمكان، إذ إن هذه الحركة ذات صلة لا بالهواء أو الماء أو النار فحسب، بل بطيف الأجسام الصلبة جميعا كالخشب والحديد والرصاص والقماش والرق ... إلخ، حيث لكل جسم حد من بعده المميز الخاص، ومن الصعب أن يسحب خارجه إلى أي امتداد يذكر، ولكن لأن حركة التحرر هي الأشد وضوحا ولها عدد لا نهاية له من الأشكال، فمن الحكمة أن نضع بعض التمييزات الواضحة الجيدة؛ لأن البعض يخلط بإهمال بين هذه الحركة وحركة المقاومة والارتباط، فيخلط التحرر من الضغط بحركة المقاومة، ويخلط التحرر من التوتر بحركة الارتباط، كما لو أن الأجسام تحت الضغط تذعن أو تمتد لكي تتجنب «اختراق أبعادها»، وأن الأجسام تحت التوتر ترتد وتنقبض لكي تتجنب «الفراغ»، ولكن إذا حاول الهواء المنضغط أن يتقلص حتى يبلغ كثافة الماء، أو يبلغ الخشب كثافة الحجر، لما كان ثمة حاجة إلى «اختراق أبعاد»، ومع ذلك سيكون ذلك انضغاطا له أشد كثيرا مما يسمح به فعليا، وبنفس الطريقة إذا حاول الماء أن يتمدد ويبلغ خفة الهواء، أو يبلغ الحجر خفة الخشب، لما كان ثمة حاجة ل «الفراغ»، ومع ذلك سيكون ثمة تمدد له أكبر كثيرا مما يسمح به فعلا. المسألة إذن ليست مسألة «اختراق أبعاد» و«فراغ»، إلا في المراحل الأخيرة من التكثيف والخلخلة. إن هذه الحركات تتوقف قبل بلوغ هذه المراحل بكثير، وهي - ببساطة - محاولات للأجسام أن تحفظ قوامها الخاص (أو - إن شاءوا

83 - صورها الخاصة) وألا تفقدها فجأة، إلا إذا كانت تغير بطرائق لطيفة وطوع إرادتها الخاصة، ولكن أهم من ذلك بكثير (لكثرة ما يترتب عليه) أن نطبع في أذهان الناس أن الحركة العنيفة (التي أسميها «ميكانيكية»، ويسميها ديمقريطس الذي هبط في تفسير حركاته الأولى إلى ما دون أنصاف الفلاسفة، يسميها حركة «اللكمة») هي ببساطة حركة حرية، أي حركة من الانضغاط إلى الاسترخاء، فسواء كانت اندفاعا بسيطا أو هروبا خلال الهواء، فليس ثمة إزاحة أو حركة مكانية حتى تعاني أجزاء الجسم على نحو غير طبيعي بواسطة ضغط القوة الدافعة، عندئذ يتحرك الجسم كله إذ يدفع كل جزء الآخر على التوالي، لا حركة أمامية فقط بل حركة دائرية في الوقت نفسه، فبهذه الطريقة تصبح الأجزاء أيضا قادرة على الهروب أو المشاركة في الحمل بالتساوي، وبحسبنا ذلك من حديث عن هذه الحركة. (4)

ولتكن الحركة الرابعة هي الحركة التي أسميتها «حركة المادة»، هذه الحركة هي بمعنى ما عكس حركة الحرية التي تحدثت عنها للتو، ففي حركة الحرية فإن الأجسام تكره وترفض وتتجنب بعدا جديدا أو حجما جديدا أو تمددا أو انكماشا جديدا (هذه الألفاظ المتعددة تعني نفس الشيء)، وتجاهد بكل قوتها لكي ترتد وتستعيد قوامها السابق، وفي المقابل ففي هذه الحركة - «حركة المادة» - تتوق الأجسام لاكتساب حجم أو بعد جديد، وتحاول ذلك طواعية وبلهفة، وأحيانا بجهد شديد جدا (كما في حالة البارود)، وأدوات هذه الحركة - لا الوحيدة بل الأقوى أو على الأقل الأكثر حدوثا - هي الحرارة والبرودة، مثلا: إذا تمدد الهواء بالتوتر (بالشفط مثلا في البيض الزجاجي)، فإنه يبذل جهدا عظيما لكي يستعيد نفسه، أما إذا استخدمت الحرارة فإنه يجهد - على العكس - لكي يتمدد، ويتوق إلى حجم أكبر، فيمر ويرحل إليه باطراد كأنما ينتقل إلى صورة (كما يسمونها) جديدة، وبعد درجة معينة من التمدد لا يعود يعبأ بالعودة ما لم يستنفر لذلك باستخدام البرودة، والتي هي ليست عودة في الحقيقة بل تحولا ثانيا، وبنفس الطريقة أيضا إذا حصر الماء بالضغط فهو يقاوم ويحاول أن يكون ما كان عليه من قبل، أي أكثر تمددا، ولكن إذا وقعت برودة شديدة مستمرة فإنه يتغير طوعا إلى المادة الكثيفة للثلج، فإذا استمرت البرودة دون انقطاع ودون تدخل نوبات من الدفء (كما يحدث في الكهوف والكهوف العميقة) فإنه يتحول إلى بلور أو مادة شبيهة بالبلور، ولا يستعيد صورته أبدا. (5)

ولتكن الحركة الخامسة هي حركة «التماسك»

cohesion (أو «المتصلبة»

continuity )، ولست أعني التماسك الأولي البسيط مع جسم آخر (فهذه هي حركة الارتباط

connection ) بل التماسك الذاتي في الجسم الواحد. من المؤكد تماما أن الأجسام تكره انحلال تماسكها، البعض أكثر كرها والبعض أقل، ولكن الجميع يكره انحلاله بدرجة ما، في الأجسام الصلبة (كالصلب أو الزجاج) تكون مقاومة الانحلال قوية وشديدة جدا ، ولكن في السوائل أيضا - حيث تبدو هذه الحركة مفتقدة أو على الأقل ضعيفة جدا - فإنها ليست غائبة تماما، بل واضحة فيها بدرجة جد منخفضة، وتكشف عن نفسها في تجارب كثيرة، مثال ذلك: في الفقاعات، في دائرية القطرات، وفي الخيوط الدقيقة للماء الساقط من السقف، في تماسك الأجسام الدبقة ... إلخ، يكشف هذا الميل عن نفسه على أفضل نحو إذا حاول المرء أن يكسر شيئا ما إلى فتات صغير جدا، فالمدقة (يد الهاون) لا يمكنها أن تفعل شيئا بعد أن تكون المادة قد دقت إلى درجة معينة، والماء لا يمكنه أن ينفذ من الشقوق المتناهية الدقة، وحتى الهواء - رغم خفة جسمه نفسه - لا يمكنه أن يمر على الفور من خلال مسام أوعية على شيء من الصلابة، بل ينسرب انسرابا مزمنا. (6)

صفحة غير معروفة