وفي قوله جلّ شأنه: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ معجزة أخرى، حيث سخر له الجن استجابةً لدعائه، وذلك في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ (١)، وقال جلّ شأنه: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ (٢)، فهذه خِصِّيصة لسليمان ﵇، فقد روى البخاري (ت٢٥٦هـ) عن النبي (قال: «إن عفريتًا من الجن تفلّت البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرددته خاسئًا..» (٣)، فهذا التسخير من الله وحده وله المنّة، وليس كما يعتقده اليهود أن هذا التسخير ما تم له إلا بعلم السحر (٤) .
ثم أخبر الله تعالى ذكره عن بعض ما يعمله الجن لسليمان ﵇، فقال جلّ ذكره: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، المحاريب: القصور، هذا هو الراجح في الآية (٥) .
_________
(١) ص، الآيات ٣٥-٣٨.
(٢) الأنبياء، الآية ٨٢.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى ﴿ووهبنا لداود سليمان..﴾ ٤/١٣٥.
(٤) انظر الزمخشري: الكشاف ١/٣٠١.
(٥) انظر الزمخشري: الكشاف ٢٢/٢٨٢، ابن عطية: المحرر ١٢/١٥٠، ابن منظور: لسان العرب، مادة (حرب) ١/٣٠٦، الآلوسي: روح المعاني ٢٢/١١٧، محمد الطاهر: التحرير ٢٢/١٦٠.
1 / 26