[125_2]
يؤمن، فإنه من اتكل على قوته فحمله ذلك على أن يسلك الطريق المخوف فقد سعى في حتف نفسه، ومن لا يقدر لطاقته طعامه وشرابه، وحمل نفسه مالا تطيق ولا تحمل فقد قتل نفسه، ومن لم يقدر لقمته وعظمها فوق ما يسمع فوه فربما غص بها فمات. ومن اغتر بكلام عدوه وانخدع له وضيع الحزم فهو أعدى لنفسه من عدوه. وليس لأحد النظر في القدر الذي لا يدري ما يأتيه منه ولا يصرف عنه، ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ بالقوة ومحاسبة نفسه في ذلك، والعاقل لا يثق بأحد ما استطاع، ولا يقيم على خوف وهو يجد عنه مذهبا؛ وأنا كثير المذاهب، وأرجو أن لا أذهب وجها إلا أصبت فيه ما يغنيني، فإن خلالا خمسا من تزودهن كفينه في كل وجه، وآنسته في كل غربة، وقربن له البعيد، وأكسبنه المعاش والإخوان: أولهن كف الأذى، والثانية حسن الأدب، والثالثة مجانبة الريب، والرابعة كرم الخلق، والخامسة النبل في العمل. وإذا خاف الإنسان على نفسه شيئا طابت نفسه عن المال والأهل والوالد والوطن، فإنه يرجو الخلق من ذلك كله، ولا يرجو عن النفس خلفا. وشر المال ما لا إنفاق منه، وشر الأزواج التي لا تؤاتي بعلها، وشر الولد العاصي العاق والديه، وشر الإخوان الخاذل لأخيه عند النكبات والشدائد، وشر الملوك الذي يخافه البريء ولا يواظب على حفظ أهل مملكته، وشر البلاد بلاد لا خصب فيها ولا أمن.
45 - قال الفيلسوف: أيها الملك إن طبائع الخلق مختلفة، وليس مما خلقه الله في الدنيا مما يمشي على أربع أو على رجلين أو يطير بجناحين شيء هو أفضل من الإنسان. ولكن من الناس البر والفاجر، وقد يكون في بعض البهائم والسباع والطير ما هو أوفى منه ذمة، وأشد محاماة على حرمه، وأشكر للمعروف وأقوم به، وحينئذ يجب على ذوي العقول من الملوك وغيرهم أن يضعوا معروفهم مواضعه، ولا يضعوه عند من لا يحتمله ولا يقوم بشكره، ولا يصطنعون أحدا إلا
صفحة ١٢٥