تحفة الأسماع والأبصار
نعم! لو كان له مال غائب أو حاضر أو جهة معلومة تجزي مجزي الكائن الموثوق به فالإستقراض أولى، وينزل ذلك بمنزلة المسلم الواحد المضطر في مخمصة إلى الهلاك، فعلى الغني أن يسد رمقه ويبذل له من ماله ما يتدارك به حشاشته، فإن كان له مال غائب أو حاضر لم يلزمه التبرع، ولزمه الإقتراض، وإن كان فقيرا لا يملك نقيرا ولا قطميرا فلا نعرف خلافا في وجوب سد مجاعته من غير اقتراض وكذلك إذا أصاب المسلمين قحط وجدب، وأشرف على الهلاك جمع، فعلى الأغنياء سد مجاعتهم، ويكون ذلك قرضا على الكفاية، ويخرج بتركه الجميع، ويسقط بقيام البعض به التكليف، فذلك ليس على سبيل الإقتراض، فإن الفقراء عالة الأغنياء يتنزلون منهم منزلة الأولاد ولا يجوز للقريب أن ينفق على قريبه[118/أ] بالاقراض إلا إذا كان له مال غائب، وكذلك القول فيما نحن فيه، فهذا وجه المصلحة، وهو من القطعيات التي لا مرية في اتباعها، إذا ظهرت ولكن النظر تصويب المصلحة على الوجه الذي قدرناه، وأصل أخذ المال متفق عليه بين العلماء وإنما الإختلاف في وجوب تعيين الإستقراض، وفي ما ذكرناه من التفصيل ما يشفي الغليل إن شاء الله تعالى. إنتهى. وقد سوى في شرح الزيادات للعلامة المحقق يوسف بن أحمد بن عثمان -رحمة الله عليه- بين كلام الغزالي هذا الذي أردناه، وبين أئمتنا حيث قال في شرح قوله: وإذا كان لرجل فضل مال يلزمه انفاقه، هذا قول المؤيد بالله، وهو مروي عن الهادي ومحمد بن عبدالله، والناصر بن الهادي، والقاسم بن علي، والمنصور بالله، وذكره الغزالي في شفاء العليل، وإنما يجوز بشروط هي في تعليق اللمع.
صفحة ٥٠٠