تحفة الأسماع والأبصار
وقال علي -عليه السلام- بعد أن ذكر الجند في عهد الأشتر : (وليس تقوم الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجند إلا بما يخرج الله إليهم من الخراج الذي يقومون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما أصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم) وهذه الآيات والأخبار هي معنى ما قاله في سراج الملوك، حيث قال: اتفق حكماء العرب والعجم على هذه الكلمات فقالوا: (الملك بناء، والجند أساسه، فإذا قوي الأساس دام البناء، وإن ضعف الأساس انهار البناء، فلا سلطان إلا بجند، ولا جند إلا بمال، ولا مال إلا بجباية، ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل) ، ويؤيد ذلك أن الله جعل للجند سهما من الزكاة وأموال الفيء جميعها، وذلك كله من وراء ما أوجبه الله من الجهاد بالمال والنفس في غير موضع من القرآن والسنة، فهم الذين فرض الله لهم النصيب من الزكاة إذ لم يكونوا مصرفا لجميعها وخصهم بنصيب من الخمس والفيء، ولم يجعل لغيرهم فيه حقا كما في حديث مسلم، وأحمد، وابن ماجة، والترمذي، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه الذي قال فيه: ((ثم أدعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا فالظاهرة كالظلم وشرب الخمر، والربى والسعي في الأرض بالفساد، وما جرى مجرى ذلك، والحمل على الواجبات، وما يلزم الكافة من ذلك كله للإمام ألزم؛ لأنه أحدهم ولأنه أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم كأعراب المسلمين يجري عليهم ما يجري على المسلمين، ولا يكونوا لهم في الغنيمة الفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)).
قال المنصور بالله -عليه السلام- (الهداية): وحكم بوادي صنعاء حكم أعراب المسلمين، على عهد رسول الله ، وليس لهم حكم الهجرة، ولا حكم الكفار، وعلى المسلمين نصرهم إن احتاجوا إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق. انتهى.
وشهد لذلك قوله تعالى في سورة الحشر:{ما أفاء الله على رسوله } إلى قوله{للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} إلى قوله:{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم} وإذا ثبت ذلك وجبت النفقة على مستطيعها لهؤلاء القايمين[113/أ] بأمر الجهاد والمعدين له كواجب على الذين طلبوا من ذي القرنين -عليه السلام- المعونة له بالقوة وزبر الحديد والقطر الذي هو النحاس، وبعد أن بلغ بهم الحال إلى أن يجعلوا له -عليه السلام- خرجا من أموالهم مستمرا، فقال -عليه السلام- أما الخراج الذي لا حاجة[إليه] في كف دفعه فقد مكنني الله خيرا منه، وأما ما لابد منه من دفعه فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما، أتوني زبر الحديد أفرغ عليه قطرا -أي نحاسا-.
صفحة ٤٧٩