الظاهرة القرآنية
محقق
(إشراف ندوة مالك بن نبي)
الناشر
دار الفكر
رقم الإصدار
الرابعة
سنة النشر
١٤٢٠ هـ -٢٠٠٠م
مكان النشر
دمشق سورية
تصانيف
المثال، من تعليق له على قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ...﴾ [مريم ١٩/ ٥]. يقول معلقًا: «إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من طريق العلم بالنظم، والوقوف على حقيقته، ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ولم ينسبوا الشرف إلا إليها، ولم يروا للمزية موجبًا سواها. هكذا ترى الأمر في كلامهم، وليس الأمر على ذلك ...».
ولا لزوم لذكر النص بأكله، وإنما أوردته فقط لأبين مباشرة عجزي عن إدراك (الإعجاز) من هذا الوجه، أي بوسائل التذوق العلمي، بعد أن اعترفت بعجزي عن إدراكه من طريق الذوق الفطري. وهكذا أراني حيران، فاقد الحيلة والوسيلة في قضية هي أمس القضايا بالنسبة لي بصفتي مسلمًا. وهنا تواجهنا مشكلة (الإعجاز) في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم، أعني بالنسبة لأغلبية المسلمين المثقفين ثقافة أجنبية، بل ربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية، في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلابد إذن من أعادة النظر في القضية في نطاف الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح.
وعلى الرغم مِما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها، فإني أعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف ٤٦/ ٩]. فإذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله مع المشركين، فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتيها:
فهي تحمل، أولًا، إشارة خفية إلى أن تكرار الشيء في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته بوصفه (ظاهرة
1 / 63