البلاغة الصافية في المعاني والبيان والبديع
الناشر
المكتبة الأزهرية للتراث القاهرة
رقم الإصدار
سنة ٢٠٠٦ م
مكان النشر
مصر
تصانيف
ومما نلحظه من نكتة التعبير بالموصول هنا أنه لو قال: وراودته امرأة العزيز، لما كان هذا نصًا في المرأة التي راودته، لجواز أن يكون للعزيز نساء أخريات، ولو قال: وراودته زليخا، لاحتمل الكلام مسمى آخر بهذا الاسم؛ غير امرأة العزيز.
٤ - وقد يكون تعريف المسند إليه بالموصول سبيلًا إلى ذكر معان ذات أهمية في سياق الكلام، وذلك كما في قول كعب بن زهير لما جاء عائذًا برسول الله ﷺ:
نبئت أن رسول الله أوعدني ... والوعد عند رسول الله مأمول
فقد أتيت رسول الله معتذرًا ... والعذر عند رسول الله مقبول
مهلًا هداك الذي أعطاك نافلة الـ ... ـقرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت في الأقاويل
والشاهد في قوله: (هداك الذي أعطاك) فلم يقل: هداك ربك، أو: هداك الله؛ بل يكون في الصلة ما يناسب حاله، وقد عبر بالصلة عن عطاء الله لنبيه محمد ﷺ وفي هذا تنويه بمكانته عند الله، واعتراف صريح بنبوته، وإشارة إلى ما في القرآن الكريم من مواعظ تدعو إلى العفو والصفح وقبول الإسلام ممن جاء عائذًا.
٥ - تفخيم المسند إليه وتهويل أمره؛ وذلك ما تراه في قول الله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] أي: أنهم قد غمرهم ماء غزير لا يحيط به وصف ولا يدركه وهم.
ومنه قول الشاعر:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باقٍ يطلب الباقي
يصف الشاعر الخمر فيقول: لقد ذهب بسبب شربها قدر عظيم من عقل شاربها، ولم يبق في الكأس إلا ثمالة تطلب البقية الباقية من عقله.
والشاهد هنا قوله (مضى بها ما مضى) حيث أتى بالمسند إليه اسمًا موصولًا لقصد تفخيم ما ذهب عن عقل شارب الخمر وأنه أكبر من أن يوصف.
1 / 114