تفسير أبي حفص النسفي (التيسير في التفسير)
محقق
ماهر أديب حبوش، وآخرون
الناشر
دار اللباب للدراسات وتحقيق التراث
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م
مكان النشر
أسطنبول - تركيا
تصانيف
والثَّاني: ﴿لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ﴾؛ أي: لبقيَ في بطن حوته إلى يوم القيامة، ثم أُلقي في عراءِ عرصةِ القيامة حين يُحشر النَّاس، ولكنْ منَّ اللَّه تعالى عليه فنبذَه بعراء الدُّنيا، وهو كقوله: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤].
- وفي قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] قال: قيل له: ﴿فَاعْلَمْ﴾، ولم يقل: (عَلِمْتُ)، وإبراهيم قيل له: ﴿أَسْلَمَ﴾، ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ﴾ [البقرة: ١٣١]، وجوابُه مِن وجوه:
منها: أنَّ إبراهيم قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، فابتُلِيَ، ومحمد ﷺ لم يقل: (عَلِمْتُ)، فعُوفِيَ.
وقيل: إنَّ إبراهيم سبَقَ، فذُكِرَ جوابُه في الكتاب المُنَزَّل بعده، ولم يَنْزِلْ بعد القرآن كتابٌ آخرُ يُذكَرُ فيه جوابُ محمد.
وقيل: التَّسليمُ مُتَناهٍ، فيُمكِنُ الإخبارُ عنه، والعِلْمُ لا يتناهى، فلا يُمكنُ الإخبارُ عنه.
وقيل: إنَّ إبراهيم هو قال بنفْسِه: ﴿أَسْلَمْتُ﴾، واللَّهُ تعالى أخبَرَ عن محمد ﷺ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وهو إخبارٌ عن عِلْمه وزيادةٌ، وإخبارُ اللَّهِ تعالى عنه أعلى مِن جوابه بنفْسِه.
- ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧] قال: وهذا قسَمٌ، ورُؤْيا الأنبياءِ وحيٌ (^١) لا خَطَأَ فيه، وخبَرٌ لا كَذِبَ فيه، والقسَمُ تأكيدٌ لا وَهْنَ فيه، ثم قال: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ وهو في كلامِنا يُذْكَرُ فيما يكون ولا يكون، فما معناه مع ما سبق؟ وجوابُه من وجوه:
_________
(^١) في نسخة: "حق".
المقدمة / 69