التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[الفجر: 28] إلى حضرة الربوبية، { فويل يومئذ } [الطور: 11] حين ظفر الطالب بالمطلوب، ووصل المحب إلى المحبوب، { للمكذبين } [الطور: 11] بهذا الحديث، من ينزل الحسرات الموقدة التي قطعت على الأفئدة من فوات هذه السعادة العظمى، والحرمان عن ما وعدناكم من عذاب خوضكم في الدنيا، ولعبكم بها من الغفلة ونيران الحسرات [والزفرات] { الذين هم في خوض } [الطور: 12] الدنيا وشهواتها وزخارفها { يلعبون } [الطور: 12].
{ يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } [الطور: 13] دعاء لا خلاص منها ولا رجوع، يناديهم عزة الحق تعالى: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا } [الطور: 14-15]؛ يعني الذي { أم أنتم لا تبصرون } [الطور: 15] حقائق هذه المعاني.
تفسير عين الحياة.
اعلم يا طالب النور على الطور والعلم في الكتاب المسطور، والحكمة على الرق المنشور، والحقيقة في البيت المعمور، والحق على السقف المرفوع، وسر الباطن في البحر المسجور، أن هذه لطائف أودعها الله في وجودك؛ لتعرف أسرارها، ويحصل لك بها السرور والحبور في القبور، ويتنعم بتلك اللطائف بعد النشور في مرر الحور، المنكبة على أريكة المعرفة فوق القصور، ويتقن بأن قالبك هو الطور، وسرك هو الكتاب المسطور، وقلبك هو الرق المنشور، وروحك هو البيت المعمور، وصفتك هي السقف المرفوع، ونفسك هي البحر المسجور في عالم الأنفس.
والله تعالى أقسم بما في الآفاق، كما فسره المفسرون بقوله تعالى: { والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر المسجور } [الطور: 1-6]، وعالم الآفاق ملك عالم الأنفس مظهر لصفة باطنية الحق، كما أن عالم الآفاق مظهر لصفة ظاهرية الحق تعالى، وهو تعالى عالم الغيب والشهادة، ويجوز أن يقسم بمظاهر ظاهريته وباطنيته، ولكن الطور الآفاقي لا يتعلق بك، وكل ما هو كائن في الآفاق إذا أخرجت من عالم بذلك الآفاقي بقي في عالمه، ويكون بينك وبين ما فيه بعد المشرقين؛ فاطلب طورا يكون معك بعد خروجك من عالم الآفاق، وهو طور قالبك الباقي بعد الحشر معك إما متنعما في الجنة وإما متألما في النار، واجتهد اليوم أن تجعله نورا لا ظلمانيا؛ ليكون قبرك منورا لا مظلما مكدرا في البرزخ، ويكون مأواك الجنة لا جهنم بعد خلاصك من البرزخ، وإن لم تنور طورك اليوم، ولم تسكن البحر المسجور الذي سجر بنيران الشهوة والغضب والكبر، بماء الذكر وثلج الرياضة وبرد الأخلاق الحميدة.
{ إن عذاب ربك لواقع } [الطور: 7]، ولكل لطيفة عذاب يختص بما دون غيرها، وأشد العذاب ذل الحجاب وهو أن ليس له واقع بعد الوقوع، كما يقول: { ما له من دافع } [الطور: 8]، ولا حيلة للسالك في دفعة خاصته.
{ يوم تمور السمآء } [الطور: 9]، سماء الصدر { مورا } ، { وتسير الجبال } [الطور: 10]، جبال قوى معدنيته { سيرا } [الطور: 10]، عند مشاهدته قوته القابضة النازعة، التي هي عزرائيل تقبض قوى روحانيته السارية في عودته، وينزع من ذرات وجوده اللطيفة الحيوانية، التي هي من خصائص صفات روحانيته.
{ فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم في خوض يلعبون } [الطور: 11-12]؛ أي: يخوضون في غمرات البحر اللجي الدنيوي، ويلعبون فيها يزيدها الباطل ومتاعها القليل، ويكذبون اللطائف المستخلصة عن الأكدار المتحلية بالأنوار المرسلة إليهم بالإنذار والإيثار؛ لاشتغالهم بالدنيا الفانية، ومتاع الغرور وغفلتهم عن الآخرة الباقية، التي هي دار السرور.
{ يوم يدعون إلى نار جهنم دعا * هذه النار التي كنتم بها تكذبون } [الطور: 13-14]؛ أي: تكذبون اللطائف المرسلة إليكم الداعية لكم إلى الحق، فهذه النار التي كانت فيكم، وأنتم أشعلتموها في وجودكم، وأوقدتموها بنيران الحسد والحقد والكبر والغضب والبغض، وجمعتم لها حطب الحطام الدنيوي من الدراهم والدنانير والأموال والأملاك والمواشي، فصار المجموع حطمتكم مما تكوي جباهكم وجنوبكم.
{ أفسحر هذا } [الطور: 15]، الذي يدفعكم خزية نيرانكم إليها دفعا، ويقولون معكم: { هذه النار التي كنتم بها تكذبون } [الطور: 14] دار الكسب خلف الأستار، وتنكرون اللطائف المنذرة غاية الإنكار، ويستهزئون بالإنذار، فسحر هذا الذي تبصرونه اليوم، الذي كشفنا عنكم فيه الغطاء ورفعنا الأستار، أتظنون أن الذي تشاهدونه ليس حقيقة أم سحر أعينكم، { أم أنتم لا تبصرون } [الطور: 15]، حقيقة.
صفحة غير معروفة