1204

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[الزمر: 69] يرى نفس محاطة جهنم أخلاقها، فيحذرون ألمها ويقصد الخروج والخلاص عنها، فتؤذي أهل طلب الخلاص.

{ يعبادي الذين آمنوا } صدقوا وعاينوا بأن جهنم العبد محيطة بهم ووجدوا ذوق ألمها وضيق موطنها { إن أرضي } [العنكبوت: 56] أي: أرض حضرة جلالي وعظمتي { واسعة } فهاجروا بالخروج عن حبس وجودكم إلى سرادقات هويتي { فإياي فاعبدون } [العنكبوت: 56] أي: فإياي فاطلبون، وإلى هويتي فارجعون بالاختيار شوق أو محبة وموتوا عن أوصاف وجودكم بالإرادة قبل أن تموتوا بالكراهة فإن { كل نفس ذآئقة الموت ثم إلينا ترجعون } [العنكبوت: 57] بالاضطرار الذين اعتادوا منا بالفرار مقيدين بسلاسل التعلقات إلى الدنيا وأربابها مغلولين بأغلال الشهوات فيسجنون بسجن نيران الحسرات.

[29.58-69]

{ والذين آمنوا } [العنكبوت: 58] بحقيقة الوصول والوصال.

{ وعملوا الصالحات } مهاجرين عن أوطان الوجود { لنبوئنهم من الجنة } جنة الوصال { غرفا } من غرف المعارف { تجري من تحتها الأنهار } أنهار الحكم { خالدين فيها } [العنكبوت: 58] في جنات القرب والوصول.

{ نعم أجر العاملين } [العنكبوت: 58] القاصدين بالخروج عن حجب الأنانية للوصول إلى كعبة الهوية في السير فيها مجذوبين عنهم به { الذين صبروا } [العنكبوت: 59] في البداية: صبروا على حبس النفس بفطامه عن لبن مرامها، وفي الوسط: صبروا على تجرع القلب كاسات التقدير من غير تعيين، وفي النهاية: صبروا على بذل الروح لنيل الفتوح من مواهب المعيشة وكرامة المحبوبية { وعلى ربهم يتوكلون } [العنكبوت: 59] بإعراض القلب عن غير الرب واثقين بربوبيته قائمين بقيوميته وبقوله: { وكأين من دآبة لا تحمل رزقها } [العنكبوت: 60] يشير إلى من كانت همته في أرض الدنيا طلب شهوات النفس، فإن رزقها مقسوم لها، وهو لا يحمل النظر عنها فهو متابعة الدابة، الله يرزقها مما هو متمناها، ويرزق إياكم أيها الطالبون الصادقون ما هو متمناكم من مشاهدات الجمال ومكاشفات الجلال والاستغراق في بحر الوصال، وهو السميع لتمني كل متمن، العليم بمطارح نظرهم فيعطي كل متمن على قدر همهم.

ثم أخبر عن سويتهم في الإقرار بوجوده واختلاف طبيعتهم في مطالبة وجوده بقوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } [العنكبوت: 61] يشير إلى أن بين الخلق في الإقرار بوجود الله وخالقيته سوية، وفي أنوارهم بالتوحيد اختلاف فمنهم من يثبت له الشرك، ومنهم من يثبت له الوحدة وينفي عنه الشركة، ولكل واحد من الفريقين موجب في الإثبات والنفي وموجب للتسوية في الإقرار، فأما موجب التسوية في الإقرار فقولهم: { بلى } فتساووا هاهنا بالإقرار بوجود الله وخالقيته، وأما موجب إثبات الوحدة ونفي الشركة فقوله صلى الله عليه وسلم:

" إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ".

فالإقرار بالوحدة وإثباتها ونفي الشرك من موجبات تلك الإصابة، فأما موجب إثبات الشركة فقوله صلى الله عليه وسلم:

" من أخطأ فقد ضل "

صفحة غير معروفة