التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون } [الأنبياء: 63] يشير إلى أن كسر الأصنام ليس من طبيعة الإنسان، بل من طبيعته أن ينحتها، فإن صدر من أحدهم كسرها فإنما هو من تأييد الله وتوفيقه إياه، فلهذا { قال } عليه السلام في جوابهم { بل فعله كبيرهم هذا } فإن الكبير هو الله { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } لهم عقل ونظر يشهدوا أن هذه الأفعال لا يكن مصدرها إلا الله.
وفي قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون } [الأنبياء: 64] إشارة إلى أن لكل إنسان عقلا لو رجع إلى عقله وتفكره في حال لعلم صلاح حاله وفساد حاله، وفيه إشارة أخرى وهي: أن العقل وإن كان يعرف الصلاح من الفساد، ويميز بين الحق والباطل ما لم يكن له تأييد من الله وتوفيق منه لا يقدر على اختيار الصلاح واحتراز الفساد، فيبقى مبهوتا كما كان حال نمرود.
[21.65-72]
وبقوله تعالى : { ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون } [الأنبياء: 65] إذ لم يكونوا موافقين ما نفعهم ما عرفوا من الحق، ثم غيرهم إبراهيم عليه السلام على ذلك { قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم } أي: أف لعقولكم { ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون } [الأنبياء: 67] أفلا تستعملون العقل الذي ميزتم به بين الحق والباطل.
وفي قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين } [الأنبياء: 68] إشارة إلى أن الله تعالى إذا أراد أن يكمل العبد من عباده المخلصين يفديه خلقا عظيما، كما أنه تعالى إذا أراد استكمال حوت في البحر يفديه كثيرا من الحيتان الصغار، فلما أراد تخليص إبريزة الخلة من غش البشرية جعل نمرود وقومه مذلة لإبراهيم عليه السلام حتى أجمعوا بعد أن علموا أنهم ظالمون، فوضعوه في المنجنيق ورموه إلى النار، فانقطع رجاءه عن الخليقة بالكلية متوجها إلى الله مسلما نفسه إليه حتى أن جبريل عليه السلام أدركه في الهوى فامتحنه بقوله: هل لك من حاجة؟ ما كان فيه بقية من الوجود ما تعلق به الحاجة فقال: أما إليك فلا، فقال له جبريل: ربك امتحانا له خفي سره عن جبريل غيره، فقال: حسبي من سؤال علمه بحال، وما أظهر عليه حاله، فأدركته العناية الأزلية بقوله تعالى على كافة الخلق، بل على جميع الأشياء.
وبقوله تعالى: { وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين } [الأنبياء: 70] يشير إلى أن إرادة كيدهم به كانت سببا لتخليصه عن غش البشرية كما قال تعالى: { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين } [الأنبياء: 71] وهي أرض الروحانية وفيه إشارة أخرى؛ أي: ونجينا إبراهيم الروح، ولوط القلب من أرض البشرية وصفاتها إلى الأرض الروحانية التي باركنا فيها للعالمين، وبركة الله أن يتجلى لها، فتشرق لأهل الروحانية، كما قال تعالى:
وأشرقت الأرض بنور ربها
[الزمر: 69] أي: أشرقت أرض الروحانية بنور تجلي صفة الربوبية الربانية.
ثم يشير عن مواهب الربوبية لأرباب العبودية بقوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة } [الأنبياء: 72] يشير إلى أن الصلاحية من المواهب أيضا وحصيلة الصلاحية حسن الاستعداد النظري لقبول الفيض الإلهي.
[21.73-77]
صفحة غير معروفة