توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم
الناشر
مركز عبد العزيز بن عبد الله الراجحي
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
تصانيف
في هذا الحديث: بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الأدب مع رسول الله ﷺ، وقد كان منهم ﵃ من لا يرفع طرف عينه إلى النبي ﷺ، حتى قال عمرو بن العاص: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ» (^١).
وقد كانوا ﵃ نُهوا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ، ونُهوا أن يسألوه، فكانوا يهابون أن يسألوا النبي ﷺ، وكان يعجبهم أن يأتي رجل من البادية حتى يسأل فيستمعون ويستفيدون، فجاء أحد الأعراب يومًا، فسأل النبي ﷺ فأجابه، واستفاد الصحابة من أجوبته ﷺ، أما الأعرابي فكان لا يهاب، وليس عنده من الإجلال مثل ما عند الصحابة ﵃، فيأتي ويسأل عن كل شيء، وعن جميع ما في نفسه.
قوله: «أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قالَ: صَدَق»: الزعم يطلق ويراد به القول المحقق، كما في قوله ﷺ: «كَمَا زَعَمَ لِي جِبْرِيلُ ﵇) (^٢)، ويطلق ويراد به القول المكذوب، كما في قوله تعالى:﴾ زعم الذين كفروا ألن يُبعثوا﴾، معناه: قالوا قولًا كذبوا فيه، ويطلق ويراد به القول المشكوك فيه، وهو مراد السائل هنا، فقوله: «زَعَمَ رَسُولُك»، يعني: قال رسولك قولًا نشك فيه.
وفي هذا الحديث: دليل للعلماء القائلين: إن من أدى الفرائض وانتهى عن المحارم دخل الجنة، ولو لم يكن عنده نشاط في عمل النوافل والمستحبات، وهؤلاء هم أصحاب اليمين المقتصدون، الذين يؤدون الفرائض والواجبات، وينتهون عن المحرمات فقط، ولا يزيدون، وهم من أهل الجنة، ولكن أفضل منهم السابقون المقربون، الذين يأتون بالواجبات والفرائض، وعندهم نشاط
_________
(^١) أخرجه مسلم (١٢١).
(^٢) أخرجه الدارمي (٢٤٥٦).
1 / 67