التوضيح في حل عوامض التنقيح
محقق
زكريا عميرات
الناشر
دار الكتب العلمية
سنة النشر
1416هـ - 1996م.
مكان النشر
بيروت
تصانيف
حتى وجب غسله في الجنابة وبالباطن في الصغرى فلا يجب غسله في الحدث الأصغر وهذا أولى من العكس لأن قوله تعالى وإن كنتم جنبا فاطهروا بالتشديد يدل على التكلف والمبالغة لا قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم أو لاستعارة بديعة نحو قوارير من فضة فقوله أو لاستعارة عطف على قوله والمشكل إما لغموض في المعنى وإنما أشكل هذا بسبب الاستعارة لأن القارورة تكون من الزجاج لا من الفضة فالمراد أن صفاءها صفاء الزجاج وبياضها بياض الفضة والمجمل كآية الربا فإن قوله تعالى وحرم الربا مجمل لأن الربا في اللغة هو الفضل وليس كل فضل حراما بالإجماع ولم يعلم أن المراد أي فضل فيكون مجملا ثم لما بين النبي صلى الله عليه وسلم الربا في الأشياء الستة احتيج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل ليعرف علة الربا والحكم في غير الأشياء الستة والمتشابه كالمقطعات في أوائل السور واليد والوجه ونحوهما وحكم الخفي الطلب والمشكل الطلب ثم التأمل والمجمل الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل إن احتيج إليهما كما في الربا والمتشابه التوقف أي حكم المتشابه التوقف فهذا من باب العطف على معمولي عاملين والمجرور مقدم نحو في الدار زيد والحجرة عمرو وعلى اعتقاد الحقية عندنا على قراءة الوقف على إلا الله في قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا فبعض العلماء قرأ بالوقف على إلا الله وقفا لازما والبعض قرأ بلا وقف فعلى الأول والراسخون غير عالمين بالمتشابهات وهو مذهب علمائنا وهذا أليق بنظم القرآن حيث جعل اتباع المتشابهات حظ الزائغين والإقرار بحقيقته مع العجز عن دركه حظ الراسخين وهذا يفهم من قوله تعالى آمنا به كل من عند ربنا أي سواء علمنا أو لم نعلم والأليق بهذا المقام أن يكون قوله تعالى ربنا لا تزغ قلوبنا سؤالا للعصمة عن الزيغ السابق ذكره الداعي إلى اتباع المتشابهات الذي يوقع صاحبه في الفتنة والضلالة وأيضا على ذلك المذهب يقولون آمنا خبر مبتدأ محذوف والحذف خلاف الأصل فكما ابتلي من له ضرب جهل بالإمعان في السير أي في طلب العلم والمراد بذل المجهود والطاقة في طلب العلم ابتلي الراسخ في العلم بالتوقف أي عن طلبه وهذا جواب إشكال وهو أن الكلام للإفهام فلما لم يكن للراسخين في العلم حظ في العلم بالمتشابهات فما الفائدة في إنزال المتشابهات فنجيب أن الفائدة هي الابتلاء فكما ابتلي الجاهل بالمبالغة في طلب العلم ابتلي الراسخ بكبح عنان ذهنه عن التأمل والطلب فإن رياضة البليد تكون بالعدو ورياضة الجواد تكن بكبح العنان والمنع عن السير وهذا أعظمها بلوى وأعمها جدوى أي هذا النوع من الابتلاء أعظم النوعين بلوى والنوعان من الابتلاء ما ذكرنا من ابتلاء الجاهل والعالم وإنما كان أعظمهما بلوى لأن هذا الابتلاء هو أن يسلم ذلك إلى الله تعالى ويفوضه إليه ويلقي نفسه في مدرجة العجز والهوان ويتلاشى علمه في علم الله ولا يبقى له في بحر الفناء اسم ولا رسم وهذا منتهى إقدام الطالبين وقد قيل العجز عن درك الإدراك إدراك مسألة قيل الدليل اللفظي لا يفيد اليقين لأنه مبني على نقل اللغة والنحو والصرف وعدم الاشتراك والمجاز والإضمار والنقل أي يكون منقولا من الموضوع له إلى معنى آخر والتخصيص والتقديم وقد أوردوا في مثاله وأسروا النجوى الذين ظلموا تقديره والذين ظلموا أسروا النجوى كي لا يكون من قبيل أكلوني البراغيث والتأخير والناسخ والمعارض العقلي وهي ظنية أما الوجوديات وهي نقل اللغة والصرف والنحو فلعدم عصمة الرواة وعدم التواتر وأما العدميات وهي من قوله وعدم الاشتراك إلى آخره فلأن مبناها على الاستقراء وهذا باطل أي ما قيل إن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين لأن بعض اللغات والنحو والتصريف بلغ حد التواتر كاللغات المشهورة غاية الشهرة ورفع الفاعل ونصب المفعول وأن ضرب وما على وزنه فعل ماض وأمثال ذلك
فكل تركيب مؤلف من هذه المشهورات قطعي كقوله تعالى إن الله بكل شيء عليم ونحن لا ندعي قطعية جميع النقليات ومن ادعى أن لا شيء من التركيبات بمفيد للقطع بمدلوله فقد أنكر جميع المتواترات كوجود بغداد فما هو إلا محض السفسطة والعناد
والعقلاء لا يستعملون الكلام في خلاف الأصل عند عدم القرينة وأيضا قد نعلم بالقرائن القطعية أن الأصل هو المراد وإلا تبطل فائدة التخاطب وقطعية المتواتر أصلا واعلم أن العلماء يستعملون العلم القطعي في معنيين أحدهما ما يقطع الاحتمال أصلا كالمحكم والمتواتر والثاني ما يقطع الاحتمال الناشئ عن الدليل كالظاهر والنص والخبر المشهور مثلا فالأول يسمونه علم اليقين والثاني علم الطمأنينة
صفحة ٢٤٢