وما إن أتم قوله واعترف بذنبه حتى سيق إلى السجن الشديد المبني خصيصا له، لداخل الجوسق وكان مرتفعا شبيها بالمنارة، فبقي فيه بدون طعام ولا شراب حتى مات فيه جوعا سنة 226ه، وبذلك انتهت هذه الفتنة، وقضي على رأس حركتها. (4) الأحوال الخارجية
مات المأمون وهو يحارب الروم، فأوصى أخاه المعتصم بإتمام حروبه معهم فور استخلافه، ولكن مرت بالمعتصم فتن داخلية كفتنة مازيار وبابك، ويروى أن بابك كاتب ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد وجه أعظم جيشه إلي ولم يبق على بابه أحد، فاغتنم الفرصة، فلم يلبث ميخائيل بن تيوفيل حتى خرج في جيش عظيم يقال إن عدده مائة ألف، فأتى «زبطرة» وقتل أهلها وسبى النساء وأحرقها، ثم مضى إلى «ملطية» فأغار على أهلها وسبى نساءها، وبلغت هذه الأخبار مسامع المعتصم فسأل: أي بلاد الروم أعظم أو أمنع؟ فقالوا له: «عمورية»، وهي مسقط رأس تيوفيل، فتجهز جهازا لم يتجهزه خليفة قبله من السلاح والعدد والآلة والجيش والخيول، وجعل على المقدمة أشناس وعلى الميمنة أيتاخ وعلى الميسرة عبد الله بن دينار، وسار هو بنفسه في الطليعة، وكان ذلك في جمادى الأولى سنة 223ه في جيش ضخم يقال إنه كان نصف مليون جندي، ولما وصل إلى «سروج» أرسل الأفشين أمامه وسار هو إلى «طرسوس »، والتقى جيش الأفشين بجيش ميخائيل، كان النصر أول الأمر لميخائيل ثم انتصر الأفشين وتفرق جيش ميخائيل، أما المعتصم ومعه أشناس فإنهما سارا إلى «أنقرة» فدخلاها دون أية مقاومة، واجتمع الأفشين بعدئذ بالمعتصم فضم جيشه، ثم قسمه إلى ثلاث فرق؛ الفرقة الأولى بالميسرة وعليها أشناس، والفرقة الثانية بالقلب وفيها الخليفة نفسه، والفرقة الثالثة بالميمنة وعليها الأفشين، وكان بين كل قسم فرسخان، فسارت هذه الفرق الثلاث حتى بلغت «عمورية» سنة 223ه وكانت محصنة بقوة، فاشتد القتال بينهم وبين الروم وضربت الأسوار وثلمت، واقتحم المسلمون المدينة وغنموا فيها مغانم كثيرة، ثم عاد المعتصم إلى «طرطوس»، وبينما كان المعتصم في طريق عودته إلى «سامراء» اكتشف مؤامرة دنيئة رتبها بعض القادة لاغتيال الخليفة واستخلاف العباس بن المأمون، فسجن العباس وقتل القادة، ولما دخل المعتصم سامراء كان يوم دخوله عيدا مشهودا، وقد سجل أبو تمام الطائي هذا اليوم بقصيدته الخالدة:
السيف أصدق أنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
ويذكر المسعودي أن المعتصم أراد المسير إلى «القسطنطينية» والنزول على خليجها والحيلة في فتحها برا وبحرا، فكاتب ميخائيل ملوك البندقية وإيطاليا والفرنجة يطلب إليهم النجدة،
9
وكان المعتصم قد اطلع على المؤامرة التي أشرنا إليها فقرر مغادرة بلاد الروم إلى سامراء، وهكذا فشلت الفكرة، وظلت القسطنطينية في يد الروم، واستمرت الحرب بينهم وبين المسلمين بعد ذلك على شكل غزوات إلى أن مات المعتصم، ولم يتم له فتح العاصمة الرومية «القسطنطينية». (5) الأحوال الإدارية
الوزارة، الجيش، الخراج
كان المعتصم محدود الثقافة كما رأينا، فكان لا بد له من وزير مدبر يصرف له الأحوال الإدارية، وقد تولى وزارته كاتبه قبل الخلافة الفضل بن مروان البرداني، ولم يكن إلا رجلا عاميا لا علم عنده ولا معرفة، وكان رديء السيرة جهولا بالأمور،
10
صفحة غير معروفة