21
أول ما نلاحظه هو أن الحوار دار بين أب وابنته؛ أي في أسرة. يشير هذا إلى أن من بين التغيرات التي تحدث في المجتمع لا شيء يكتسي أهمية مثل التغيير الذي يحدث في الأسرة؛ لذلك فالأسرة مكان مثالي للصراع بين الأجيال. وبالتالي يمكن أن يكون الأب وابنته في الحكاية رمزا للصراع بين جيلين أحدهما متمسك باللغة العربية في مستواها الفصيح، والآخر لا يدير لذلك بالا.
نجد في الأسرة أصل فكرة وجود خليفة كعلي بن أبي طالب، أو وال كزياد بن أبيه في حكايات أخرى تتعلق بنشأة النحو؛ ذلك أن الأسرة تفضي إلى ما هو أوسع منها؛ أعني إلى الدولة؛ فالأسرة هي «المنوال الأول للمجتمعات السياسية: فالرئيس هو صورة عن الأب، والشعب هو صورة عن الأولاد ... أما الاختلاف كله فكون الحنو الذي للأب لأولاده يبتاعه بما يصرفه لهم من عناية، بينما لذة الرياسة تقوم في الدولة مقام ذلك الحنو الذي يكون الرئيس معدوما منه إزاء شعبه.»
22
على أن اسم خليفة كعلي ووال كزياد غير كافيين لنربط نشأة النحو بقيام الدولة، وإرادة السلطة على نحو «يجعل من النحو وسيلة من وسائل تقويم شأن الناس، وتصحيح أحوالهم في إطار مفهوم للسلطة يجعل من حقها مراقبة القول والمحاسبة عليه وإلزام الناس بالصواب.»
23
هذا تأويل لا متناه، ولا بد أن نحاة كثرا لا يطيقون صبرا على مثل هذا النوع من النواتج اللغوية.
ما أميل إليه هو أن اللغة هوية، وأن الفتوحات الإسلامية وسعت المجالات التي تستخدم فيها اللغة العربية، وبسبب هذا حاد معظم العرب عن النموذج الفصيح، الأمر الذي هدد الهوية العربية. وبصرف النظر عن تاريخية تدخل الخليفة أو الوالي فإن الأمر ممكن، وله ما يشابهه في هذا العصر حينما يتدخل ملك أو رئيس أو وزير لإنشاء مجمع لغوي أو الدعوة إلى مؤتمر لغوي.
تظهر الحكاية أن بنت الدؤلي لحنت في جملة نثرية، ولم تلحن في جملة شعرية؛ أعني لم تلحن في تركيب شعري، أو في شطر من بيت شعري، أو في بيت من الشعر. هذا اللحن في النثر الذي أوردته حكاية الدؤلي هو ذاته اللحن في النثر الذي خاطب به رجل زياد بن أبيه. ماذا يعني هذا لموضوعنا؟ لكي نجيب سنعود إلى ما قبل الإسلام حين كانت اللغة العربية الفصحى ذات وظيفة فنية واحدة تتمثل في الشعر العربي؛ أي أنها لم تكن لغة نثر، لكن القرآن أسند إليها وظيفة فنية أخرى هي النثر. لقد توصل أحد الباحثين إلى أن اللغة العربية الفصحى قبل الإسلام لم تكن لغة نثر، وأن المراسلات والكتابات والمعاهدات لم تكن باللغة الفصحى؛ وإلا لكان استشهد بها النحويون. ويختم قائلا: «لما كان هناك غياب كامل لأي مادة نثرية مكتوبة في العصر الجاهلي مما يمكننا من إصدار حكم كامل وصحيح بخصوص وظيفة اللغة الفصحى خارج نطاق الشعر الجاهلي؛ أستطيع أن أزعم، ولو بشكل مؤقت، أن العربية لم تكن لغة نثر عربي قط. وعلاوة على أنها لم تكن إلا لغة فنية.»
24
صفحة غير معروفة