وفي عام (948ه/1541م) أغار «شارلكان» على بلاد الجزائر، فصده بربروس، وساعده الحظ بأن عصفت الرياح على سفن شارلكان فحطمتها، وبقي بربروس مصدر الرعب والفزع في البحر الأبيض إلى أن أرسله سليمان القانوني عام (950ه/1543م) لمساعدة حليفه ملك فرنسا في الإغارة على الأملاك الإسبانية، فاستولى بربروس على «نيس»، وبقي بفرنسا إلى أن خشي بأسه الفرنسيون أنفسهم، وأجزلوا له العطايا والهدايا، حتى جلا عن بلادهم وذهب إلى الأستانة حيث قضى بقية أيامه في هدوء متقلدا منصب قبودان باشا .
سليمان القانوني (رسم علي أفندي يوسف).
ومن أعظم أفراد هذا العصر أيضا «بيري ريس» و«سيدي علي»، وكانت لهما اليد الطولى في بسط نفوذ الدولة على شواطئ بلاد العرب وفارس والهند.
ومنهم «بيالة باشا»، فإنه حارب القائد الجنوي «دوريا» وانتصر على أساطيله انتصارا مبينا عند جزيرة «جربة» من أعمال تونس عام (967ه/1560م).
ومن أشد رجال هذا العصر بأسا «دراغوت» - طرغود - كان مثل بربروس في أول أمره مشتغلا بقطع الطريق في البحر، ولما علم بربروس بما له من الصيت الهائل في ذلك ضمه إليه ونصبه وكيلا له، ومن ذلك العهد أخذ يبدي من المهارة البحرية ما جعله أكبر قواد عصره، وانتصر على «دوريا» في عدة مواقع. ومن أهم أعماله أنه فتح مدينة «المهدية» عاصمة بلاد تونس في ذلك الوقت.
على أن الأساطيل العثمانية على قوتها وشدة بأسها لم تقدر على التغلب على «فرسان القديس يوحنا» أصحاب جزيرة مالطة. وكانت هذه الجزيرة قد أعطاها لهم الإمبراطور شارل الخامس عندما طردهم العثمانيون من جزيرة «رودس» سنة (928ه/1522م)، فبقوا محافظين على مالطة من ذلك العهد، وصدوا عنها العثمانيين مرارا، وفي أواخر أيام سليمان أرسلت الدولة إليها أسطولا عظيما سنة (973ه/1565م) بقيادة مصطفى باشا بيالة ودراغوت، فحاصروها أربعة أشهر ثم اضطروا للجلاء عنها بعد قتال عنيف؛ وذلك لما أبداه فرسان القديس يوحنا من الشجاعة والصبر. ولم يبق من حاميتها بعد هذا الصحار إلا ستمائة فارس، بعد أن كان بها تسعة آلاف.
ومات السلطان سليمان عام (974ه/1566م) أثناء غارته الأخيرة على المجر، وكانت سنه إذ ذاك ستا وسبعين سنة. (4) ابتداء اضمحلال الدولة العثمانية (974-1049ه/1566-1640م)
أجمع المؤرخون على أن عصر سليمان الأكبر هو العصر الذي بلغت فيه الدولة العثمانية أقصى مجدها وعظمتها؛ ففي مدة ثلاثة قرون تسنى لقبيلة آل عثمان الصغيرة أن تبسط سلطانها ونفوذها على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر، وتمد فتوحها من مكة المكرمة إلى بودا من جهة، ومن بغداد إلى الجزائر من جهة أخرى؛ فكان كل من الشاطئين الشمالي والجنوبي للبحر الأسود في قبضة يدهم، وجزء عظيم من مملكة النمسا والمجر الحالية يعترف بسلطانهم، وقد دان لسلطانهم أيضا شمالي إفريقية، من أطراف بلاد الشام إلى حدود بلاد مراكش.
وبعد موت سليمان ابتدأت الدولة في الانحطاط المستمر، اللهم إلا فترات كانت تنتعش فيها وتظهر بعض مجدها العسكري القديم. وترجع أسباب الانحطاط إلى عوامل خارجية وأخرى داخلية؛ فإن نمو الأمة الروسية، وظهور طائفة من أكابر القواد في المجر وبولندا والنمسا، لمن أهم الأسباب الخارجية التي أفضت إلى اضمحلال الدولة التركية، وأدت إلى انتقاصها إلى مساحتها الحالية.
ثم كانت ثمة جراثيم داخلية تفت في عظام الدولة، وتثل عرش مجدها وعظمتها الأثيلين؛ إذ إن حكم ولايات الدولة العثمانية المختلفة الأديان والمذاهب والأجناس، وحفظ نفوذها فيها، يحتاجان إلى نشاط وحكمة يفوقان مثلهما في إدارة شئون الدول الأخرى المؤلفة غالبا من عنصر واحد ودين واحد؛ لأن نفوذ الأتراك المستمد من القوة العسكرية، والذي يتحكمون به في رقاب كثير من الشعوب الأجنبية المختلفة في كل شيء لم يكن ليدوم طويلا إلا بعناية خاصة بإعداد الجيش لكل طارئ فجائي من جهة، وبإرضاء تلك الشعوب المختلفة والتوفيق بينها واكتساب احترامها للدولة من جهة أخرى.
صفحة غير معروفة