تاريخ الملك الظاهر

ابن شداد ت. 684 هجري
123

تاريخ الملك الظاهر

تصانيف

ذكر ما اعتمده شمس الدين محمد بن قرمان التركماني في بلاد الروم

قد كنا قدمنا أن شمس الدين محمد بك بن قرمان ، ومن معه من التركمان اانحاز إلى السواحل منابذا متابعة أبغا ومشايعته (والروم) ، لما خلع شرف الدين ا بن الخطير ربقة الطاعة للتتر . فلما بلغه كسرة السلطان الملك الظاهر لعسكر المغل في االعاشر من ذي القعدة ، حشد وجمع وقصد أقصرا فلم ينل منها طايلا فرحل عنها وقصد قونية في ثلاثة آلاف فارس ، ونازلها فغلق أهلها أبوابها في وجهه ، فرفع على رأسه سناجق السلطان الملك الظاهر (التي سيرها مع أخيه علي بك من قيصرية) وبعث إليهم يعرفهم أن السلطان الملك الظاهر كسر التتر ، ودخل قيصرية فملكها وخطب له فيها ، وضربت فيها سكة الدراهم باسمه ، وأنه من قبله . فلم يركنوا إلى قوله، فأحرق باب الفاخراني وباب سوق الخيل ، ودخل قونية يوم عرفة الظهر ، وهو يوم الخميس ، وكان النايب بها إذ ذاك أمين الدين ميخاييل ، فقصد من معه داره ودارغيره من الأمراء والأسواق والخانات فنهبوها ، ثم إنهم ظفروا بأمين الدين فأخرجو الى ظاهر البلد وعذبوه حتى استأصلوا ماله ، ثم قتلوه وعلقوا رأسه داخل البلد ، ولما لمسلم أهل البلد القلعة رتب أن يلقى رجل شابا ، عينوه في الطريق ، فيرمي نفسه عليه ويقبل رجليه ، فيقول له الشاب : " من أين تعرفي؟" . فيقول له : "ما أنت علاءالدين كيخسرو بن عز الدين كيقباذ؟ آنسيت تربيتي لك وحملي لك على كتفي" ، وليكن ذلك بمشهد من العامة . فلما فعل ذلك ، وسمعت العامة ما دار بين الرجل والشاب فازدحموا عليه ، وإذا بجماعة من التركمان ، كان قد رتب معهم أنهم إذا رأواالعامة محدقين به ، ياخذونه من بين ايديهم ، ويحملونه إلى شمس الدين محمد بك . فلما فعلوا ذلك ، أقبل عليه وضمه إليه ، وعقد له لواء السلطنة، وحمل السناجق على ر أسه ، وذلك في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة . فلما رأى أهل قونية ما فعلوه لاحملتهم المحبة في آل سلجوق على المتابعة والمبايعة . ثم إنهم نازلوا القلعة ، فامتنع من فيها من تسليمها ، فحاصروها حتى تقرر بينهم الصلح على تسليمها ، ويعطى من فيها سبعون الف درهم ، فدخلوها وأجلسوا علاء الدين فيها على تيخت الملك . ثم بلغ شمس الدين بن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمد ونصرة الدين محمود ابنا الصاحب فخر الدين خواجا علي قد حشدا وقصداهم ، فسار إليهما وعلاء الدين معه ، فالتقى بهما على اق شهر ، فكسرهما ، وقتلهما ، وقتل خواجا سعد الدين يونس بن سعد الدين المستوفي ، صاحب أنطاكية ، وهو خال معين الدين البرواناة ، وقتلوا جلال الدين خسرو بك بن شمس الدين يوتاش بكلاربكي ، وأخذوا رؤوسهم ، وعادوا بهم إلى قونية في آخر ذي الحجة ، واستمروا بقونية إلى أن دخلت سنة ست وسبعين ، فبلغهم فيها أن أبغا وصل بعد خروج السلطان الملك الظاهر من الروم إلى مكان الوقعة ، فرحلوا عن قونية وطلبوا الجبال ، وكان مقامهم بقونية سبعة وثلاثين يوما .

صفحة ١٧٩