شكر وتقدير
تمهيد
مقدمة
1 - قصة التاريخ الإسلامي
2 - شعوب وثقافات
3 - المؤسسات
4 - المصادر
5 - مناهج متضاربة
6 - الأهمية الدينية للتاريخ الإسلامي
7 - الأهمية السياسية للتاريخ الإسلامي
صفحة غير معروفة
خاتمة
مراجع وقراءات إضافية
شكر وتقدير
تمهيد
مقدمة
1 - قصة التاريخ الإسلامي
2 - شعوب وثقافات
3 - المؤسسات
4 - المصادر
5 - مناهج متضاربة
صفحة غير معروفة
6 - الأهمية الدينية للتاريخ الإسلامي
7 - الأهمية السياسية للتاريخ الإسلامي
خاتمة
مراجع وقراءات إضافية
التاريخ الإسلامي
التاريخ الإسلامي
مقدمة قصيرة جدا
تأليف
آدم جيه سيلفرستاين
ترجمة
صفحة غير معروفة
إيناس المغربي
مراجعة
شيماء عبد الحكيم طه
تخليدا لذكرى
مايكل فوكس (1934-2009)
شكر وتقدير
يعكس هذا الكتاب إلى حد كبير محتوى المحاضرات التي ألقيتها عن التاريخ الإسلامي في جامعتي كامبريدج وأكسفورد. وعلى الرغم من أن التدريس في مثل هذه الجامعات المرموقة لا شك ميزة، فالتجربة أيضا يمكن أن تكون «مدرسة حياتية» لمحاضر شاب يجرب أفكارا جديدة. ولم يكن طلابي - الذين كانوا دائما أكثر ذكاء وأفضل استعدادا مني - ليسمحوا بمرور أي شيء غير واضح أو غير واف مرور الكرام. أشعر ببالغ الامتنان لهم جميعا لكل ما استقيته منهم على مدار السنوات، وأخص بالذكر إيموجين وير التي أعدت فهرس الكتاب.
أود أيضا أن أتوجه بجزيل الشكر لزملائي آنا أكاصوي، وباتريشيا كرون، وديفيد باورز، وتشيس روبنسون الذين طالعوا بكل ترحاب المسودات الأولى للكتاب، وجنبوني أخطاء عديدة تقترن بالأحكام والحقائق المغلوطة.
أود أيضا أن أشكر لوشيانا أوفلاهرتي وآندريا كيجان اللتين أوكلتا لي مهمة تأليف الكتاب، وكذلك إيما مارشانت، وكيريستين ديماتا، وكيرا ديكنسون لمتابعة الكتاب أثناء عملية النشر، وإريكا مارتن لما قدمته من مساعدة في إعداد الصور التوضيحية.
وأخيرا، قرأ والداي وزوجتي صوفي إحدى مسودات الكتاب، وقدموا لي الكثير من التعليقات المفيدة، لكنهم أمدوني أيضا بكل ما له أهمية في الحياة، ولا أستطيع التفكير في كيفية توجيه الشكر لهم جميعا عن كل ذلك. إذا بدا لهم في أي وقت أني مستغرق في التفكير، فلا بد أن يعلموا أني أجهد تفكيري في السبل التي يمكنني بها تعويضهم، أو أني أفكر في العمل.
صفحة غير معروفة
تمهيد
في السنوات الأخيرة، يزداد وضوحا يوما بعد يوم لأهل الغرب من غير المسلمين أن الإسلام دين شديد الأهمية. ولا يزال الحديث عما إذا كان هذا الأمر جيدا أم غير ذلك يحتل مكانة بارزة في المنتديات العامة ووسائل الإعلام. يبدو الأمير تشارلز من المؤيدين، بينما لا يبدو البابا بينيديكت السادس عشر كذلك، استنادا إلى بعض التصريحات التي أدليا بها مؤخرا. وقد أثارت رؤية المسلمين المتزايدة في العناوين الرئيسية للصحف وفي شوارع مدن أوروبا وأمريكا الشمالية قضايا مهمة تتعلق بالتكامل والتعددية الثقافية والعلاقات بين الأديان، بل امتد الأمر إلى حد التساؤل عما يعنيه أن يكون المرء «بريطانيا» أو «أمريكيا» أو «غربيا» إجمالا. هل للحجاب والنقاب مكان في المجتمعات الغربية المعاصرة أم أنهما - على حد قول أحد وزراء الخارجية البريطانيين وكذلك الحكومة الفرنسية - يعيقان مسألة التواصل، ويهددان «قيمنا الأساسية» وأمننا؟
بصرف النظر عن آراء المرء بشأن هذه الموضوعات، من الواضح للكثيرين أن ثمة صراعا يختمر بين «الإسلام» والثقافة المسيحية اليهودية التي يعتقد بأنها الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الغربية. لكن لم ينبغي أن يكون الوضع كذلك؟ في النهاية، الإسلام هو شكل من التوحيد ظهر في مجتمعات كانت تهيمن عليها الديانتان المسيحية واليهودية في الشرق الأدنى. وحينما انتشر المسلمون الأوائل خارج حدود شبه الجزيرة العربية، افترض بعض المسيحيين المعاصرين أنهم يهود، بينما اعتقد بعض اليهود أنهم مسيحيون. كيف نفسر إذن الفجوة الثقافية الهائلة التي يبدو أنها تفصل بين المجتمعات الغربية اليهودية المسيحية وبين المجتمعات الإسلامية؟
كي نجيب عن هذا السؤال لا بد أن نتحول إلى التاريخ الإسلامي. فالدور الذي يلعبه التاريخ الإسلامي في المجتمعات الإسلامية المعاصرة دور بالغ الأهمية، وإن كان يهمل عادة، إذ ليس له نظير في الغرب الحديث. لهذا السبب، فإن فهم ملابسات ظهور الإسلام وما شهده من تطور لاحق ربما يتيح لنا فهم المجتمعات الإسلامية المعاصرة وفهم صلتها - وعلاقتها - بالمجتمعات الغربية.
مقدمة
يدور هذا الكتاب حول وقائع التاريخ الإسلامي ودراسته وأهميته. سنحاول في الفصول التالية أن نجيب عن ثلاثة أسئلة ذات صلة، وهي: ماذا حدث؟ (من الفصل
الأول
حتى الفصل
الثالث )؛ كيف عرفنا ذلك؟ (الفصلان
الرابع
صفحة غير معروفة
و
الخامس )؛ وما أهميته؟ (الفصلان
السادس
و
السابع ). لكن لا بد أن نفكر أولا في سؤال أعم: ما التاريخ الإسلامي؟ هل هو تاريخ تلك الأماكن التي تبوأ فيها المسلمون الحكم؟ أم هو تاريخ المسلمين أينما كانوا وأينما يكونون؟ ربما يكون التاريخ الذي يمثل أهمية للمسلمين؛ فلو طلبنا من أحد مسلمي ما قبل الحداثة أن يعين حدود التاريخ الإسلامي، لتملكته الحيرة على الأرجح من فكرة أن للتاريخ الإسلامي حدودا زمانية أو مكانية من الأساس. فطبقا للموروث الإسلامي كان آدم ونوح وإبراهيم وموسى والإسكندر الأكبر ويسوع جميعا مسلمين؛ والواقع أنهم جميعا يعدون أنبياء (أجل، هذا ينطبق أيضا على الإسكندر).
بدأ المؤرخون المسلمون أمثال الطبري (توفي عام 923) - الذين انشغلت أذهانهم بالقضايا الدينية دون غيرها - دراستهم للتاريخ بخلق الله للعالم فيما قبل مولد محمد بنحو 6500 عام وفقا لتقديرهم. وثمة منهج «إسلامي» آخر اتخذ من هجرة محمد من مكة إلى المدينة عام 622 نقطة البداية؛ وهي التي - على نحو ما سنرى - سجلت بداية التقويم الإسلامي، وإن كان يصعب القول بأنه لا يعتد إلى حد ما بالسنوات بين 610 و622 ميلادية حيث نزول الوحي على محمد (وتحول الكثيرين إلى الدين الجديد). فوفقا للتقدير المتبع فيما يلي، بدأ التاريخ الإسلامي في القرن السابع. لكن ينبغي أن يوضع في الاعتبار من البداية أن الإجابة - كما هي الحال مع معظم الأسئلة المطروحة في هذا الكتاب - هي: «الأمر يتوقف على من يطرح عليه السؤال». فالتاريخ الذي يعد «إسلاميا» بدءا من القرن السابع فصاعدا هو ذلك الذي كان فيه الإسلام قوة مهيمنة سياسيا أو دينيا أو ثقافيا.
شكل 1: الإسكندر الأكبر يزور الكعبة في مكة.
1
التاريخ الإسلامي هو نتاج الشعوب وأفعالها، لكن الشعوب في عالم ما قبل الحداثة كانوا نتاج بيئتهم. فلم يكن بمقدورهم أن يتجاهلوا الخلفية الطبيعية التي تكشفت في إطارها أحداث التاريخ الإسلامي، وهكذا حالنا أيضا.
التقسيم الجغرافي
صفحة غير معروفة
في الوقت الحاضر، يوجد الإسلام في كل مكان، لكنه حتى بداية العصر الحديث كان موجودا في «مكان ما»، وعلى وجه التحديد في الأراضي الواقعة ما بين المحيط الأطلسي في الغرب وآسيا الوسطى في الشرق. يشار إلى هذه المنطقة أحيانا باسم «المنطقة القاحلة الكبرى»؛ إذ اتحد بمرور الوقت الهواء (السيبيري) البارد القادم من شمال المنطقة وشرقها مع الهواء (الصحراوي) الساخن القادم من الجنوب والغرب ليكونا منطقة داخلية شديدة الحفاف. وتشكل الصحراء جزءا كبيرا من شبه الجزيرة العربية وسوريا وإيران وغيرها، أما «المنطقة القاحلة الكبرى» ففي الأغلب قاحلة أو شبه قاحلة.
ثمة حلان رئيسان للمشكلات التي يسببها المناخ الجاف، هما: إيجاد موارد مائية بخلاف الأمطار، أو إيجاد سبل حياة لا تعتمد كثيرا على المياه. وقد طبق كلا الخيارين في التاريخ الإسلامي. فكانت مياه الأمطار غير الكافية في المنطقة تكملها نظم للري تشمل النظم الطبيعية مثل الفيضان السنوي لنهر النيل، علاوة على القنوات والأحواض والأقنية الأرضية التي شقها الإنسان، والتي وجهت مسار نهري دجلة والفرات وأنهار إيران (بالإضافة إلى مياه الأمطار في المنطقة) إلى الأماكن الخصبة منذ العصور القديمة. وهذه النظم تفرض مجموعة من المشكلات المرتبطة بها والمتمثلة في صعوبة الحفاظ عليها وسهولة إعاقتها.
شكل : خريطة العالم الإسلامي.
أما الحل الثاني لقحول المنطقة - الذي أفاد المناطق التي تفتقر إلى وجود الأنهار مثل شبه الجزيرة العربية - فهو الجمل الذي كان محل اعتماد وله تأثير كبير على المجتمع العربي في القرن السادس، وعلى انتشار الإسلام في القرن السابع، وشكل المدن والقرى الإسلامية فيما بين القرنين الثامن والحادي عشر. إن ما يميز الجمال هو قدرتها المذهلة على التكيف مع الموارد الشحيحة على مدار فترات طويلة؛ لذا فهي تتميز بالكفاءة من الناحية الاقتصادية، فضلا عن أن إعالتها لا تتطلب الكثير. أما ما يعيبها فهو أن أقدامها الحساسة لا يمكنها التكيف مع الأرض الباردة أو غير المستوية. ربما أوى محمد إلى الجبل، لكن خلفاءه لم يفعلوا ذلك - في البداية على الأقل - وعلى مدار التاريخ الإسلامي أثبتت سلاسل الجبال - بطريق الصدفة أم قصدا - أنها ملاذ آمن لأولئك الذين يسعون لمقاومة الضغوط التي تمارس عليهم كي يتحولوا عن دينهم أو يبدوا التزاما بالأعراف أو تعاونا أكبر بوجه عام. وبسبب ما تتصف به الجبال من وعورة نسبية، فإنها ساعدت السكان المحليين وكذلك الوافدين الجدد الباحثين عن ملجأ يحتفظون فيه بتقاليدهم الدينية (المسيحيون في شمال إسبانيا، والأناضول، وأرمينيا، ولبنان، ومرتفعات إثيوبيا؛ والزرادشتيون وغيرهم من مؤيدي مذهب الثنائية في شمال إيران) وموروثاتهم الثقافية (الفارسيون في إيران؛ والبربر في شمال أفريقيا؛ والأكراد في شمال العراق)، مثلما كانت مأوى للهاربين من السلطات المركزية بوجه عام (الإسماعيليون في سوريا وشمال إيران؛ والزيدية في اليمن؛ وطالبان في أفغانستان). ولسبب وجيه أشارت السلطات السياسية المغربية إلى مناطقها الجبلية باسم أراضي العصيان. أدركت القوات السوفييتية ومن بعدها القوات الأمريكية في أفغانستان هذه الحقائق بالتجربة العملية، في حين عرفها المسلمون المحليون منذ البداية.
على الرغم من ذلك لم تكن الجبال عائقا أمام جميع الجمال؛ فالجمال ذات السنامين أكثر قدرة على التحمل من الجمال العربية أحادية السنام. عندما شقت أعداد كبيرة من البدو الترك طريقها - بداية من القرن الحادي عشر - من آسيا الوسطى متجهة غربا إلى الشرق الأدنى، لم تقف الجبال في شمال إيران والأناضول (وأيضا المناخ البارد نسبيا في هذه المناطق) حجر عثرة في طريقها، ولهذا السبب يطلق اسم «تركيا» الآن على ما كان يعرف آنذاك باسم «الأناضول». على الرغم من ذلك بزغ الإسلام بين العرب في القرن السابع، وبدأ انتشاره أول الأمر بواسطة العرب وبعيرهم. لذا فإن فتوحات العرب - حاملين لواء دين جديد - لمعظم المناطق القاحلة وشبه القاحلة في العالم القديم ليست أمرا غريبا، ومثلها حقيقة أن الظروف المناخية وضعت حدا أمام تقدمهم؛ إذ ربما كانت الظروف الجوية الرطبة في أوروبا عائقا فعالا أمام تقدم الإسلام بقدر ما كانت الجيوش المحلية للبلاد.
لكن لماذا لم يمكث العرب في شبه الجزيرة العربية؟ الحقيقة أنهم فعلوا ذلك على مدار فترة طويلة للغاية، والشعر الجاهلي يصف مجتمعا كان يعرف عن حضارات جيرانه الراسخة، وإن كان لا يطمح إلى اللحاق بركبها؛ إذ كان العرب يشيدون بالرجولة والشدة، بينما يرون أن الملابس الحريرية والخواتم تناسب الضعاف الجبناء. لم يكن لأحد في عام 600 أن يتوقع أنه في غضون قرن من الزمان سيحكم العرب الغلاظ آكلي السحالي (على حد وصف المسلمين غير العرب لهم بعد قرون لاحقة) إمبراطورية هائلة من القصور في دمشق وبعدها بغداد. وعلى الرغم من أن تعداد المسلمين في العالم اليوم يفوق مليار مسلم، لم يكن هناك مسلم واحد عام 600؛ وما حدث في غضون هذه الفترة هو موضوع الفصل التالي.
هوامش
الفصل الأول
قصة التاريخ الإسلامي
600-800 ميلادية
صفحة غير معروفة
بدأ الإسلام في شبه الجزيرة العربية طبقا لما جاء في الموروث الإسلامي وما ورد عن معظم المؤرخين المعاصرين، ويؤمن المسلمون بأن الإسلام لم يبدأ مع محمد، بل مع إبراهيم الذي بنى - مع ابنه إسماعيل، الجد الأعلى للعرب - الكعبة في مكة التي يتوافد إليها ملايين المسلمين لأداء فريضة الحج حتى اليوم. يتجاهل المؤرخون المعاصرون هذا الأمر، ويبدءون بسيرة محمد في مكة، ونحن أيضا سنبدأ من هذه النقطة.
شبه الجزيرة العربية مكان شاسع اتصف بالتنوع العرقي والطوبوغرافي والثقافي، بل والديني قبل ظهور الإسلام. والمنطقة التي نخصها بالاهتمام في شبه الجزيرة العربية هي المنطقة الغربية المعروفة باسم الحجاز، التي تقع بها مدينتا مكة والمدينة. ولد محمد في مكة نحو عام 570 في قبيلة قريش صاحبة الزعامة بالمدينة، وإن كان ينتمي لفرع أقل مكانة نسبيا في القبيلة، وتيتم في سن صغيرة. وفي عام 610، بينما كان محمد يناهز من العمر 40 عاما نزل عليه الوحي الذي اتخذت منه آيات القرآن التي عرضها على أصحابه وأهله، وأخيرا على أهل مكة. كانت رسالة التوحيد التي دعا إليها تتعارض مع ثقافة تعدد الآلهة السائدة في مكة، وفي عام 622 أجبر على الفرار من مكة مع أنصاره. استقر محمد في المدينة، وهي واحة يقطنها - إلى جانب آخرين - عدد كبير من اليهود، وفيها كانت رسالته عن الله، والأنبياء السابقين، ويوم القيامة، والصيام، والصدقة، وما شابه مألوفة لا تشكل أي تهديد أو خطر. لاقى محمد الترحيب في المدينة، وفيها قام بدور الحكم للفصل في بعض النزاعات التي كانت سببا في الشقاق بين أهلها. هذه الهجرة هي نقطة البداية لسيرة محمد كرجل دولة وأيضا للتقويم الإسلامي.
شرع محمد - من القاعدة التي اتخذها في المدينة - في تأسيس مجتمع جديد (أمة) تألف من رفاقه المهاجرين معه من مكة ومن أنصاره في المدينة. وعلى مدار السنوات العشر التالية ظل الوحي ينزل على محمد بآيات وثيقة الصلة باحتياجات الأمة وظروفها، وبما يعكس نفوذها وثقتها المتزايدتين. تحتل معاملات محمد مع وثنيي مكة ويهود المدينة جزءا كبيرا من الروايات المنقولة عن حياته في المدينة؛ ومع تدهور علاقاته باليهود، طردت قبائلهم تدريجيا من المدينة، بل وقتل بعضهم في إحدى المرات. وأخيرا هزم أهل مكة عام 630، وعلى مدار العامين التاليين استطاع محمد أن يوحد قبائل شبه الجزيرة العربية تحت لواء الأمة. اتخذت نجاحاته دليلا على تأييد الله له، ولا بد أن هذا الأمر شجع القبائل في جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية على الانضمام إليه واعتناق الدين الجديد. وبعيدا عما تردد عن تأييد الله لمحمد، فقد وصف في المصادر الأولى بأنه بشر فان عاش حياته شخصا عاديا بل وغير معصوم من الخطأ (إذ عاتبه الله أكثر من مرة في القرآن مع أن الموروث الإسلامي لاحقا سيعتبره معصوما من الخطأ). وفي عام 632 وافته المنية كغيره من البشر.
أدت وفاة محمد إلى بدء سلسلتين من الأحداث أسفرتا عن نتائج مهمة للغاية؛ إذ أسفرت إحداهما عن ظهور الطوائف الإسلامية، في حين أسفرت الأخرى عن ظهور إمبراطورية إسلامية. في سلسلة الأحداث الأولى، اعتبرت جماعات بعينها وفاة النبي بداية عهد جديد، بينما نظرت مجموعات أخرى في سلسلة الأحداث الثانية إلى وفاته على أنها نهاية عهد قائم. كانت بداية عهد لأولئك المسلمين الذين خضعوا لحكم الخليفة الذي تولى قيادة الأمة بعد وفاة محمد بوقت قصير. قضى الخليفة الأول أبو بكر (الذي امتدت خلافته من عام 632 وحتى عام 634) أغلب فترة حكمه في التعامل مع سلسلة الأحداث الثانية.
كانت وفاة محمد نهاية عهد لتلك القبائل التي كان تحولها إلى الإسلام وثيق الصلة بمحمد نفسه، فلما مات محمد ذهبت تلك القبائل إلى أن مبايعتها له لاغية. احتفظت بعض القبائل بهويتها الدينية الجديدة (وهو ما كان أمرا جيدا) لكنها امتنعت عن دفع الزكاة وحجبت ولاءها عن الأمة (وهو ما لم يكن بالأمر الجيد). ارتدت قبائل أخرى أيضا إلى الديانات التي كانت تعتنقها قبل الإسلام (كان تغيير الولاءات الدينية شائعا في شبه الجزيرة العربية الوثنية آنذاك). اعتبرت هذه المجموعات في تعداد المرتدين سياسيا ودينيا، وكان لا بد من عودتهم إلى صفوف المسلمين. ولم تنجح «حروب الردة» التي نشبت إثر ذلك في تحقيق أهدافها الأساسية فحسب، بل نجحت أيضا في خلق الزخم والحاجة لخوض غمار الفتوحات فيما وراء شبه الجزيرة العربية. كان الكثيرون من سكان شبه الجزيرة العربية بدوا رعويين، ومن ثم اعتمدوا إلى حد كبير على الإغارة على الآخرين من أجل توفير أسباب العيش. وغرس توحد القبائل العربية العديدة تحت لواء ديني جديد فيهم إحساسا جديدا بالترابط الاجتماعي، وأوجد غاية روحانية كبحت جماح رغبة البدو في الإغارة على الآخرين (وهو ما أدغم في مفهوم «الجهاد» الذي سنعود لمناقشته في الفصل
الثالث )، بينما جردهم أيضا من الخصوم الواضحين؛ ولما لم يكن بوسع المسلمين الإغارة بعضهم على بعض، فقد أغاروا على جيرانهم في سوريا ومصر وشمال أفريقيا والعراق وإيران.
غير أن تلك الغارات اتسمت بطابع مختلف. فللمرة الأولى، بدلا من نهب الشعوب المستقرة في الشرق الأدنى وسلبها، جلب البدو معهم شيئا خاصا بهم، وهو رسالة دينية جديدة. لم تكن هذه الرسالة محل ترحاب من الحكام البيزنطيين في الغرب، ولا الحكام الساسانيين في الشرق (وفقا للموروث الإسلامي، أرسلت الرسائل بالفعل في عهد محمد إلى القادة الإمبراطوريين تدعوهم للدخول في الإسلام)، أما رعاياهم فكانوا أكثر تقبلا؛ إن لم يكن للدين نفسه، فللهيمنة الإسلامية على الأقل.
شكل : الفتوحات الإسلامية الأولى.
والدليل على أن الفتوحات الإسلامية في الشرق الأدنى تركت أثرا قويا في نفوس من عاصروها مثلما هي لنا الآن أن من قاموا بتلك الفتوحات ومن فتحت بلادهم كانوا على يقين من أن إرادة الله هي التي توجه الأحداث ؛ فالمسلمون فسروا نجاحهم على أنه مكافأة الله لهم على خضوعهم لمشيئته، بينما كان المسيحيون على يقين من أن هزيمتهم عقاب من الله لهم على خطاياهم، وبعض اليهود نظروا إلى الإسلام على أنه جزء من المخطط الإلهي لنشر التوحيد بين الوثنيين في أقاصي الحجاز، أو أنه تحقق لنبوءات مسيحية. (لا نعلم يقينا كيف نظر الزرادشتيون في إيران إلى صعود الإسلام، لكن لا بد أنهم لم يكونوا راضين عن ذلك بسبب فقدانهم الرعاية والدعم اللذين كانت الإمبراطورية الساسانية تقدمهما إليهم حتى ذلك الوقت.)
بحث المؤرخون المعاصرون عن تفسيرات أخرى لتلك الفتوحات، وخلصوا إلى ثلاث نظريات أساسية. أولا، كانت القوى الإمبراطورية واهنة بسبب محاربة بعضها لبعض حتى وصلت إلى طريق مسدود مضن وباهظ التكاليف على مدار القرون السابقة. ثانيا، كان الكثيرون من سكان الشرق الأدنى يتلهفون لأن يستبدلوا بحكامهم حكاما أحسن خلقا بعدما عانوا من مظالم عديدة ومتراكمة على مدار قرون بسبب سياسات مستهجنة دينيا واقتصاديا. ولا بد أن كون الأراضي التي فتحت في أول الأمر مأهولة بشعوب سامية موحدة (مسيحيين ويهود يتحدثون اللغة الآرامية في سوريا البيزنطية، وفلسطين، والعراق الساساني) قد مثل أهمية كبرى في هذا الصدد. ثالثا، تفوق العرب عسكريا على الجيوش الساسانية والبيزنطية، وتمكنوا من استغلال حماسهم الديني، وعنصر المفاجأة، ومعرفتهم باستراتيجيات الحرب لدى الساسانيين والبيزنطيين (حيث نهض بعض العرب بأدوار عسكرية من قبل في هذه الإمبراطوريات) علاوة على قدرتهم على التقهقر إلى الصحراء على صهوات خيولهم.
صفحة غير معروفة
يعيدنا هذا الأمر ثانية إلى الجمال. أيا كانت مسوغات نجاح العرب، فقد وصلوا إلى الشرق الأدنى وشمال أفريقيا في الفترة من منتصف وحتى أواخر القرن السابع، ومكثوا هناك، وأقاموا ثكنات عسكرية في شمال أفريقيا ومصر والعراق وشرق إيران. سوريا هي الدولة الوحيدة التي استقر فيها الفاتحون في المدن القائمة بالفعل (إذ انضموا إلى عرب آخرين كانوا قد استقروا هناك في أزمان سابقة لظهور الإسلام). وبحلول نهاية القرن الثامن صارت الثكنات مدنا متطورة تماما، وغامر العرب بالخروج في مدن الشرق الأدنى وقراه تاركين وراءهم علامة دائمة؛ فانتشار تربية الجمال في جميع أنحاء البلاد المفتوحة عجل باستبدال الجمال العربية الأبسط والأكثر توفيرا للمال بالمركبات ذات العجلات غير الفعالة والأكثر تكلفة التي تتطلب توفير طرق ممهدة. وفي الأقاليم التي فتحت من الإمبراطورية البيزنطية، استبدلت بالطرق الرومانية الواسعة المستقيمة الشوارع الضيقة المتعرجة التي لا تزال ترى في الأحياء القديمة في مدن الشرق الأدنى التي تأثر تصميمها بانعدام حيز عام مميز في المدن الإسلامية الأولى وأيضا بانتشار هذه «التقنية» العربية الفريدة من نوعها. صارت حاميات المدن نفسها مراكز اقتصادية مهمة جذبت إليها غير المسلمين من المستوطنات المجاورة وأعادت رسم خريطة الشرق الأدنى.
غير أن انتشار اللغة العربية والإسلام كان أهم نتائج الفتوحات الإسلامية الأولى. ومع أن الانتصارات الجوهرية على الإمبراطوريات تحققت أثناء فترة حكم الخليفة الثاني عمر (من عام 634 حتى عام 644)، فإن عهد الخلفاء الأمويين (من عام 661 وحتى عام 750) هو الذي شهد انتشار الثقافة العربية والحكم الإسلامي - بدرجة أو بأخرى - من شبه الجزيرة الأيبيرية حتى البنجاب؛ الأمر الذي أسفر عن تثبيت حدود العالم الإسلامي إلى حد ما على مدار قرون قادمة.
يرى بعض المسلمين في أواخر القرن السابع، وكل المسلمين تقريبا منذ ذلك الحين، أنه ما كان ينبغي للأمويين أن يكونوا خلفاء. كان أسلافهم الأربعة - أبو بكر وعمر وعثمان (الذي امتدت خلافته من عام 644 وحتى عام 656) وعلي (الذي امتدت خلافته من عام 656 وحتى عام 661) يرتبطون بمحمد إما برباط النسب أو الدم (أو كليهما معا كما في حالة علي)، علاوة على أن حكم هؤلاء الخلفاء الأربعة الذين عرفوا (بين أهل السنة في القرون التالية) بالخلفاء الراشدين كان عصرا ذهبيا حكمت فيه الأمة طبقا للمبادئ الإسلامية. (الشيعة هم الذين يؤمنون بأن عليا كان الأحق بخلافة محمد.) وعلى النقيض، لم يكن للأمويين صلة مباشرة بالنبي، بل قيل إنهم جاهروا بمعارضته، ولم يدخلوا في الإسلام إلا اضطرارا، وفي وقت متأخر نسبيا من حياة محمد. ومع أن عثمان نفسه كان ينتمي للأسرة الأموية، فقد اعتنق الإسلام وهو بعد صغير، وكان صهر محمد ، ويحسب له أنه أمر بجمع نسخة موثوقة من القرآن (مع أن البعض أخذوا عليه ذلك في هذا الوقت) إلى جانب أفعال أخرى حميدة. ساءت الأوضاع عندما قتل عثمان، وظهر اثنان يدعيان الحق في تولي الخلافة: علي، الذي كان أنصاره يرشحونه للخلافة منذ عام 632، ومعاوية، أحد أقرباء عثمان الأمويين الذي طالب بالثأر لمقتل عثمان. تولى علي الخلافة عام 656، وحاول جاهدا بسط نفوذه على نطاق واسع؛ وبحلول عام 657، دخل في مفاوضات مع معاوية. رأى الكثيرون من أنصار علي أنه ما كان ينبغي لأمر كهذا أن يحدث - إذ كان شعارهم «إن الحكم إلا لله» - وانشقوا عن معسكره؛ ولهذا السبب عرفوا باسم «الخوارج». دفعتهم آراؤهم المتعنتة بشأن أحقيتهم في الحكم إلى اعتبار المنشقين كفارا يستحقون الموت. وكان أشهر ضحاياهم هو علي نفسه عام 661، على الرغم من أن الخوارج ظلوا يعارضون الخلفاء طوال القرن التالي وما تلاه.
انتهى عصر «الخلفاء الراشدين» بوفاة علي، وعرف الصراع الدموي الذي أدى إلى وصول معاوية إلى الحكم بأنه أول حرب أهلية أو «فتنة» في التاريخ الإسلامي، وهي التي حددت نهاية فترة من التآلف الملموس داخل نسيج الأمة. لذا استهل الأمويون خلافتهم ببداية حافلة بالأخطاء، واستمرت الأوضاع في التدهور وفقا للمصادر المكتوبة على أيدي المعادين لهم. نقل معاوية عاصمة الدولة الإسلامية إلى دمشق، واختار ابنه يزيد (الذي امتدت خلافته من عام 680 حتى عام 683) خلفا له؛ مما أرسى مبدأ توريث الخلافة، وهو ما أخذ على الأمويين (من قبل أشخاص أنشئوا هم أنفسهم سلالات حاكمة). وسرعان ما تورط يزيد في القلاقل عندما قتل الحسين بن علي في كربلاء (العراق) عام 680؛ وهو ما رسخ سوءاته في أذهان الشيعة، فضلا عن أن نفوذه قد لاقى مجابهة من خليفة آخر في الحجاز. لم يدم حكم يزيد أو ابنه معاوية الثاني (الذي تولى الخلافة عام 683) طويلا. وتسببت أحداث فتنة ثانية في حالة خلل شديد في تلك الفترة (680-692)، ولم تسترد سلطة الأمويين إلا مع تولي عبد الملك بن مروان (692-705) الخلافة. ومن هنا عرف عام 692 باسم «عام الوحدة »، واتخذت تدابير إدارية لتشديد سلطة الخليفة على رعاياه بهدف الحيلولة دون وقوع أي تحديات مستقبلية لسلطته.
يعترف لعبد الملك وخلفائه بالفضل على مضض لما قدموا من إسهامات دام أثرها على الحضارة الإسلامية، وإن عابت عليهم مصادرنا أنهم كانوا ملوكا لا يعرفون الورع (وليس خلفاء ورعين). لقد فرضوا اللغة العربية لغة إدارية رسمية في الأراضي الإسلامية، وعملوا على توسيع رقعة تلك الأراضي غربا وصولا إلى إسبانيا والمغرب، وشرقا وصولا إلى باكستان وآسيا الوسطى. شدد نفوذ الخليفة على الأقاليم الخاضعة لحكمه، واستبدلت بالتقاليد القبلية اللامركزية تقاليد إمبراطورية أفضل تنظيما، وتشكلت عن وعي هوية عربية وإسلامية فرضت على مؤسسات الخلافة. سكت العملات «الإسلامية»، وحلت اللغة العربية محل اللغات اليونانية والفارسية والقبطية في المكاتب الإدارية (مما أفسح المجال أمام مشاركة المسلمين). وأكثر ما يلفت النظر أن «قبة الصخرة» شيدت فوق جبل الهيكل في القدس في تحد لنبوءات اليهود عن المسيح (أو في توافق معها وفقا لآراء بعض الباحثين)، علاوة على أنه حفر عليها نقش يتعارض مع العقائد الأساسية للمسيحية. كان المغزى واضحا بما يكفي لأن يدركه الجميع؛ وهو أن الإسلام قد وصل.
لكن ماذا كان يعني «الإسلام» في هذه الفترة؟ كبرى مشكلات الأمويين أن إجابتهم عن هذا السؤال اختلفت اختلافا جوهريا عن تلك التي قدمها علماء الدين (المنصبون ذاتيا) الذين حظوا بتأييد شعبي في ذلك الوقت، والذين وضعوا كتب التاريخ فيما بعد. اعتبر الأمويون وفاة محمد نهاية عهد. فلما كان محمد خاتم الأنبياء، فلن تبلغ إرادة الله بعد الآن من خلال بشر يحملون الكتب المقدسة. بدلا من ذلك كان الخلفاء ممثلي الله في الأرض. ذاك هو عهد الخلفاء، وهم مالكو السلطة الدينية. أما علماء الدين، فاعتبروا هذا الكلام محض هراء. فقد أمد الله الأمة بكل ما تحتاج إلى معرفته؛ ويمكن استنباط كل ما لم يرد ذكره في القرآن من السنة النبوية. ولأن العلماء هم الأكثر دراية بتلك الأمور، كان ينبغي أن تترك السلطة الدينية لهم.
شكل 1-2: قبة الصخرة في القدس. تضم النقوش المحفورة على قناطر المبنى مثمنة الأضلاع آيات قرآنية تتحدى بعض العقائد الأساسية للديانة المسيحية.
1
من سوء حظ الأمويين أن قطاعا كبيرا من رعاياهم المسلمين أيدوا العلماء، فضلا عن أن عددا كبيرا من المسلمين الآخرين كانت لديه اعتراضات لاهوتية على ادعاء الأمويين بأحقيتهم في الخلافة. وعلاوة على ذلك فإنه طوال الجزء الأكبر من حكم الأمويين (فيما عدا استثناء واحد أو اثنين) كان الخلفاء سببا في إثناء الشعوب المفتوحة بلادها عن الدخول في الإسلام، وهو ما يعني أمرين: أن عددا كبيرا من الأشخاص كانوا يمقتونهم (وهم غير المسلمين المطالبين بدفع ضرائب أكثر)، وأن أغلب رعايا الخلفاء كانوا من غير المسلمين. بذا كان لدى المسلمين العرب، والمسلمين غير العرب، وغير المسلمين العرب، وغير المسلمين غير العرب سببا لمعارضة الخلفاء في دمشق. وفي عام 750 أطاحت ثورة شيعية من الشرق بالأمويين، ووصلت بالأسرة العباسية إلى الحكم.
زعم العباسيون (750-1258) أنهم ينتسبون لأحد أعمام محمد، وتعهدوا - بالأقوال والأفعال المنتقاة - بالبعد كل البعد عن الظلم الذي مارسه الأمويون. نقل العباسيون مركز السلطة من سوريا إلى الشرق، وأسسوا عاصمة جديدة في بغداد عام 762، واتخذوا ألقابا مسيحية بغرض الإشارة إلى اختلاف الوضع عما كان عليه. وبالتأكيد كان الوضع مختلفا في نواح عدة؛ فهم أيضا - مثلما فعل الأمويون قبلهم - أراقوا دماء القادة المسلمين الذين يتمتعون بحضور لدى العامة (فقد نفذوا أعمال القتل الوحشي في مهندسي الثورة العباسية)، وأقاموا سلالة حاكمة، وادعوا الحق في السلطة الدينية. وعزز العباسيون أيضا الانتقال من دولة مفككة قائمة على القبلية إلى إمبراطورية متشابكة. وكان عبد الملك بن مروان قد بدأ في تنفيذ هذا الأمر قبل نصف قرن، لكن في دمشق وهي مدينة لم تكن قط مركزا لأي إمبراطورية على الرغم من عراقتها الهائلة. وفي بغداد كان العباسيون قريبين من العاصمة الساسانية القديمة قطيسفون، ومع أن حياة الخمر والنساء والغناء التي سادت شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بدت شبيهة بحياة الخمر والنساء والغناء في البلاط العباسي، فإنه مع تولي هارون الرشيد (786-809) الحكم، كان الشرق الأدنى قد شهد تحولا جذريا من نواح عديدة.
صفحة غير معروفة
800-1100
يعزى وجود الإسلام إلى الأحداث التي وقعت في الفترة ما بين عامي 600 و800، أما الصورة التي يظهر بها الإسلام الآن فتعزى في المقام الأول إلى الأحداث التي وقعت في الفترة ما بين عامي 800 و1100. ومثلما ميزت الجمال الفترة الأولى، يمكن القول إن القوافل ميزت الفترة الثانية. تتكون القافلة من عدة جمال (أو حيوانات نقل أخرى) تقودها مجموعة من المسافرين، وهو ما يعكس أحد الاختلافات الرئيسية بين الأمويين والعباسيين الأوائل؛ فقد أنشأ الأمويون ما يشبه إمبراطورية «عربية» حصرية، بينما أسس العباسيون عن وعي إمبراطورية شاملة غير محلية تمنح سلطات لغير العرب (ممن يحملون الثقافة الفارسية في الأساس، حتى إن كلمة قافلة هي كلمة فارسية الأصل)، وضموهم تحت راية الإسلام. لعبت القوافل أيضا دورا محوريا في هذه الفترة؛ إذ كانت تذرع الطرق التي تربط الأقاليم العباسية المنتشرة من أجل نقل الحجاج والرسل والتجار وطلبة العلم والجنود عبر شبكة من الطرق التي شجعت على ظهور مستوى من الدولية والتعددية الثقافية والترابط قد يربطه معظم أبناء الغرب بالحداثة.
تتشابه أسس هذا الإنجاز تمام الشبه مع تلك الأسس التي ينسب إليها ظهور الغرب الحديث. لكن بدلا من ثورة في عالم الطباعة، شهد العالم الإسلامي في هذه الفترة ثورة في تصنيع الورق أدت إلى استبدال هذه الوسيلة الأقل تكلفة بأكثر وسائل الكتابة تكلفة واقتصارا على النخبة (أوراق البردي والبرشمان على سبيل المثال). ويعتقد أن الإلمام بالقراءة والكتابة زاد آنذاك بمعدلات هائلة؛ مما أدى إلى ظهور جمهور جديد من القراء استهلك (وأيضا أنتج) ألوانا جديدة من الأدب. دون كل شيء بدءا من الشعر الجاهلي وحتى المؤلفات التي تناولت التوحيد والفلسفة والطب والعلم والأدب والتاريخ. نتج عن ذلك ثورة متكافئة في الثقافة والحضارة الإسلامية أدت إلى ظهور نخبة مدنية متنوعة في العالم الإسلامي بحلول القرن التاسع.
انتعشت حركة السفر والتجارة أيضا في هذه الفترة متأثرة بهذا التطور الثقافي ومؤثرة فيه. لم يقتصر الأمر على أن أدب الرحلات (سواء الحقيقي أم الخيالي)، والخرائط، والمؤلفات الجغرافية قد أنتجت على أساس تجارب جديدة في أراض بعيدة - وإن كان هذا قد حدث بلا شك - ولكن تجار الشرق الأدنى زادوا أيضا من نطاق تعاملاتهم إلى ما وراء حدود الدولة العباسية. يحدثنا أحد كتاب القرن التاسع عن اليهود العراقيين متعددي اللغات الذين جابوا أوراسيا متنقلين بين فرنسا والصين (مرورا بالأراضي الإسلامية، وجنوب روسيا، والهند في طريقهم)، كما أن اكتشاف الآلاف من عملات الدولة العباسية في إسكندنافيا يشهد باتساع نطاق هذا النشاط التجاري. حتى انتشار صناعة الورق من الصين إلى الشرق الأدنى يفيدنا في هذا السياق؛ فالمصادر المتاحة لدينا تخبرنا بأن المسلمين هزموا أحد الجيوش الصينية عام 751، وأسروا صانعي الورق في تلك الأثناء، وتعلموا منهم تقنيات الصناعة. ما يثير الاهتمام أن مثل هذه الظروف العدائية - حيث نشوب حرب دموية في آسيا الوسطى - لم تمنع التفاعل الثقافي بين الشعوب، وانتشار السلع والأفراد والأفكار. كان لدى المسلمين في هذه الفترة مناطق حدودية قائمة في كل من إسبانيا، وجنوب أوروبا، وآسيا الوسطى والهند، وأفريقيا؛ وهو ما أتاح للحكام والأفراد فرصة لاستقاء المجد من رفع راية الجهاد. تذكرنا قصة صانعي الورق الصينيين (وهي بلا شك مجرد قصة) أن مثل تلك المواجهات من وجهة نظر مؤلفي القصة كانت تتيح مزيدا من الفرص للتفاعل الثقافي بقدر ما قد تعيقه.
تحقق هذا «العصر الذهبي» للحضارة الإسلامية (حسبما يسميه البعض) بفضل وجود توازن دقيق بين ظروف ملائمة، وخصوصا التدفق الثابت للدخل في خزينة الخلافة معززا بالإمساك الكفء للدفاتر، وكذلك وجود استقرار نسبي داخل أراضي الدولة العباسية. اختل هذا التوازن بدءا من النصف الثاني من القرن التاسع فصاعدا، ولم يكن ممكنا أبدا تحسن الظروف اللازمة لعولمة الدولة العباسية. وبدأت الثروة الناجمة عن التجارة وفرض الضرائب تتضاءل لعدد من الأسباب. فقد انخرط إقليم «السواد» في جنوب العراق - الذي كان مصدرا لجزء كبير من الحاصلات الزراعية للعباسيين - في حالة من الفوضى بسبب تمرد قام به عبيد شرق أفريقيا العاملين في البصرة بتحريض من الخوارج («ثورة الزنج» 869-883)، كذلك بدأ الحكام في المناطق البعيدة استثمار إيرادات الضرائب محليا بدلا من إرسال الأموال إلى العاصمة؛ إذ عادة ما كان يعقب الاستقلال الاقتصادي استقلال سياسي. علاوة على ذلك، هذه هي الفترة التي أدى فيها اعتناق غير العرب الواسع لدين الإسلام إلى نتيجة محمودة هي انتشار الإسلام، لكنه أدى أيضا إلى نتيجة غير محمودة هي تضاؤل إيرادات الجزية. وما زاد الأمور سوءا أن ما تبقى في خزانات البلاد كان يبدده سريعا بلاط مسرف ازداد اتساعا على نحو فاق قدراته واحتياجاته؛ مما أدى إلى ظهور نخب حاكمة جديدة كثيرا ما كانت مكلفة أكثر من كونها فعالة. هذه الفترة هي التي فقد فيها العباسيون سلطتهم السياسية والعسكرية والدينية كما سيتضح فيما يلي.
من الناحية السياسية، ناضل العباسيون للإبقاء على وحدة أقاليم دولتهم الواسعة؛ ففي ظل وجود إمبراطورية امتدت نحو 6500 كيلومتر من الشرق إلى الغرب، ودون التمتع بمزايا سبل الاتصالات الحديثة، كان واردا أن يسعى بعض رعاياهم للحصول على قدر من الاستقلال. ربما كان باستطاعة الرسل السراع، والحمام، والمنارات وغيرها من سبل الاتصال أن تغطي إلى حد ما الاتساع الهائل للإمبراطورية، لكن التفتت السياسي كان في الأغلب مسألة وقت فحسب. والواقع أنه في حالة الأندلس لم يكن الأمر حتى كذلك؛ فأثناء خضوعها لحكم العباسيين، فر أحد الأمراء الأمويين إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، وأقام ولاية مستقلة أصبحت فيما بعد - تحت حكم عبد الرحمن الثالث (الذي امتد حكمه من 912 إلى 961) وخلفائه - خلافة ومركزا جليلا لثقافة راقية. وحينما نقل العباسيون السلطة والاهتمام إلى الشرق، انفصلت الأقاليم الغربية للخلافة تدريجيا؛ المغرب تحت حكم الأدارسة (789-926)، وبقية دول شمال أفريقيا تحت حكم الأغالبة (800-909)، ومصر تحت حكم الطولونيين (868-905) والإخشيديين (935-969)، يليه حكم الفاطميين في شمال أفريقيا ومصر وسوريا (909-1171). وحتى الأقاليم الشرقية سعت إلى الحصول على قدر من الاستقلال، حيث حكم الطاهريون خراسان (821-873)، وخلفهم في حكمها السامانيون (874-1005) والغزنويون (977-1186) الذين اتخذوا من شرق أفغانستان قاعدة لهم. ومع استثناء واحد أو اثنين (مثل الصفاريين في شرق إيران، 861-900)، مالت تلك السلالات الحاكمة في الأقاليم الشرقية إلى التعاون مع السلطات العباسية والاعتراف الرسمي بها، على عكس السلالات الحاكمة في الأقاليم الغربية مثل الأدارسة، والأمويين الأندلسيين، والفاطميين. وعلى الرغم من ذلك، فإنه على أرض الواقع ولأسباب جغرافية محضة، غالبا ما كان للعباسيين قدر من التفاعل - الإيجابي والسلبي على حد سواء - مع كل من مصر وسوريا اللتين لا تدينان لهم بالولاء أكبر مما كان عليه الوضع مع شرق إيران وآسيا الوسطى المخلصتين لهم اسما.
من الناحية العسكرية، بدأ العباسيون في بداية القرن التاسع يستبدلون بالجيش الذي جاء بهم إلى الحكم جنودا عبيدا أتراك («المماليك» أو «الغلمان») جرى شراؤهم أو أسرهم من آسيا الوسطى. تمتع هؤلاء الأتراك بثلاث مزايا جذبت إليهم الخليفة المعتصم (الذي امتدت فترة حكمه من عام 833 حتى عام 842)، والذي كان أول من جلبهم بأعداد كبيرة. أولا، نظرا لأنهم كانوا من خارج البلاد، لم يكونوا مهتمين بالولاءات الداخلية أو الضغوط الشعبية؛ بل كان ولاؤهم للخليفة نفسه. ثانيا، كانوا رماة سهام راكبين بارعين تفوقوا عسكريا على قوات خراسان التي حلوا محلها. ثالثا، على الرغم من اعتناقهم الإسلام وإعتاق رقابهم في كثير من الأحيان، فإن وضعهم كعبيد أتراك لن يمكنهم أبدا من ادعاء الحق في الخلافة. من الناحية النظرية، كان اختيار الجنود العبيد فكرة رائعة، لكنهم - عمليا - سرعان ما خرجوا عن نطاق السيطرة. في البداية أسست عاصمة جديدة في سامراء (838-883) لتأويهم وتبعدهم عن سكان بغداد الذين كانوا يصطدمون بهم. وفي النهاية وصل بهم الأمر إلى حد انتزاع القوة المؤثرة من المسلمين أحرار المولد في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ليتصرفوا بوصفهم صناع ملوك من منتصف القرن التاسع فصاعدا (حينما اغتالوا الخليفة المتوكل وخلفاءه الثلاثة). كذلك جردوا الخزانة من أموالها ليزيدوا من تقويض حكم الخليفة ويتسببوا في نزف موارد الخليفة ونفوذه على نحو خارج عن نطاق السيطرة.
ومن الناحية الدينية، كما حدث مع الغلمان، وقع الخلفاء العباسيون ضحايا لإحدى مبادراتهم. وفي هذه الحالة، كان تركيزهم على مركزية محمد للإسلام عامة ولمنصب الخلافة خاصة هو ما أضعفهم. لقد برروا إطاحتهم بالأمويين عن طريق التأكيد على بعد صلة الأمويين بمحمد ، بينما بالغوا في إظهار صلتهم الضعيفة به؛ فكون أحد أسلاف المرء واحدا من أعمام النبي محمد لا يتساوى مع كون المرء سليلا مباشرا للنبي نفسه على نحو ما أوضح الشيعة الساخطون. ومع ذلك كانوا هم من نجحوا في تولي السلطة، وذلك في حد ذاته أمر يستحق الاهتمام. ومشكلة استمداد الشرعية والهيبة من محمد هي أن الخلفاء العباسيين - عندما فعلوا ذلك - كانوا يرفعون النبي إلى منزلة أعلى مما كان يتمتع به في السابق؛ وهو ما ترك مجالا ضئيلا أمام ادعاءات العباسيين بالحق في السلطة الدينية. لقد منح محمد العباسيين الحق في الحكم، لكنه أيضا منح العلماء الحق في تحديد المعتقد التقليدي؛ إذ كان يعتقد أن العلماء - لا الخلفاء - هم من احتفظوا بسجل دقيق لسلوكه النموذجي (السنة). تقبل الخلفاء في النهاية مكانة العلماء ولكن بعد مقاومة؛ فقد حاول المأمون (الذي امتدت فترة خلافته من عام 813 حتى عام 833) التأكيد على النفوذ الديني لمنصبه عن طريق إخضاع العلماء لتحقيق (عرف باسم «المحنة»)، وفيها كان يفرض رأي الخليفة بشأن مسألة لاهوتية على جميع العلماء مع التحقق الدوري من آراء العلماء كل على حدة. ظلت هذه «المحنة» سياسة للخلافة حتى تخلى عنها الخليفة المتوكل عام 848، وعندها بات واضحا أن الخلفاء خسروا المعركة والحرب كلها؛ والمثير للدهشة أنه سرعان ما أيد الخلفاء العلماء بعد ذلك عن طريق شمولهم بالرعاية الفائقة في كثير من الأحيان.
بحلول منتصف القرن العاشر، لم يكن لدى الخلفاء العباسيين سوى أثر من النفوذ في العراق نفسه. وحتى هناك، تعرضوا للإهانة مع وصول البويهيون الشيعة العاصمة، وهم غزاة غلاظ من شمال إيران أحيوا بعض التقاليد الساسانية لكنهم أبقوا العباسيين على عرش الخلافة. منذ ذلك الوقت - ومع القليل من الاستثناءات - كان الخلفاء العباسيون في أفضل الأحوال رؤساء روحانيين للعالم الإسلامي. حكم البويهيون العراق وغرب إيران لما يزيد عن قرن (945-1055)، ليطيح بهم السلاجقة السنة (1037-1157 تقريبا) الذين مثلوا أولى موجات عدة من الأتراك تدخل العالم الإسلامي طواعية.
مع أن كل هذا يبدو سلبيا للغاية - وهو ما كان حتما كذلك من منظور الخلفاء العباسيين والعراق بصورة عامة - كان «الإسلام» بوصفه دينا وحضارة في أزهى صوره بنهاية هذه الفترة. ففي ظل التقسيم السياسي للخلافة ووجود خلافتين أخريين متمركزتين في قرطبة والقاهرة، انتقلت ملامح السلطة العباسية والحضارة الإسلامية بصورة عامة إلى البلاطات المتعددة التي ظهرت في كل أنحاء العالم الإسلامي، بما لذلك من تبعات دينية وثقافية مهمة حقا. فوجود مراكز إقليمية للثقافة الإسلامية - تشكل العديد منها عن قصد على شاكلة البلاط العباسي - كان يعني إمكانية تركيز الطاقات السياسية على مناطق كانت بعيدة للغاية بحيث لم تكن تسترعي اهتمام الخليفة في قرون سابقة. تحقق انتشار الإسلام فيما وراء حدوده التقليدية في المنطقة القاحلة الكبرى بفضل الإجراءات التي اتخذها الحكام الإقليميون؛ إذ شن الفاطميون والبربر في شمال أفريقيا غارات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مثلما فعل الغزنويون في الهند، حيث شن السلطان محمود (الذي امتدت فترة حكمه من عام 997 حتى عام 1030) ما لا يقل عن 17 غارة في شبه القارة. وهكذا لانت شوكة أفريقيا والهند وجنوب شرق آسيا تمهيدا لاعتناق شعوبها الإسلام على نطاق واسع في القرون التالية.
صفحة غير معروفة
جدير بالذكر أن هذه الفترة هي أيضا التي وضع فيها أهل السنة والشيعة بعضهم البعض داخل القوالب التي تميز كل جماعة منهم حاليا. كان للصراع بين البويهيين والفاطميين الشيعة من ناحية، والسلاجقة والغزنويين السنة من ناحية أخرى طابع طائفي أيديولوجي. فقد أيد كلا الجانبين العلماء، وشيد المكتبات، ومدارس القانون ابتداء من القرن الحادي عشر، وأرسل المدرسين والإرساليات في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية وما وراءها. حكمت الخلافة الفاطمية في ذروة مجدها مصر، وشمال أفريقيا، وصقلية، وسوريا، واليمن، والحجاز، وأجزاء من شرق أفريقيا، وامتد نفوذ الدولة الفاطمية أيضا إلى مجتمعات في الهند. وكان المذهب الشيعي الذي نشره الفاطميون مختلفا عن ذلك الذي اعتنقه البويهيون (أو الذي اعتنقه معظم الشيعة في العالم الحديث). اتبع كل الشيعة مبدأ الإمامة - أي زعامة الأمة - بدءا من الإمام علي مرورا باثنين من أبنائه ونسلهم. وبعد وفاة الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق عام 765، انقسمت الحركة إلى مجموعتين؛ فتبع البعض ابنه إسماعيل (ومن هنا أطلق عليهم الشيعة الإسماعيلية) في حين تبع آخرون ابنا آخر اسمه موسى. واصلت المجموعة الأخيرة اتباع الأئمة حتى عام 874 حينما اختفى الإمام الثاني عشر (ومن هنا أطلق عليهم الشيعة الاثني عشرية) أو مات حسبما يقول معارضوهم. وفي ظل الرعاية الفاطمية خضعت الشيعة الإسماعيلية (والشيعة الاثني عشرية تحت حكم البويهيين) لتنظيم دقيق، وتحدى الفاطميون منافسيهم السنة ناحية الشرق على جميع المستويات. كان رد فعل أهل السنة لتحدي الشيعة مذهلا؛ إذ جمعت كتب الأحاديث النبوية الست الأعلى مقاما في الفترة من عام 800 حتى 1100، وتوافقت الاتجاهات الفلسفية واللاهوتية والصوفية في الإسلام مع المذهب السني، وظهرت المذاهب الإسلامية الأربعة. وبحلول نهاية القرن الحادي عشر، اعتقد أن المذهب السني قد تبلور أخيرا، مع تأكيد العلماء أن باب الاجتهاد قد أغلق من الآن فصاعدا.
في التسعينيات من القرن الحادي عشر أغلقت أيضا الأبواب التي انتقلت عبرها سلطة ونفوذ السلاجقة والفاطميين؛ فبوفاة الخليفة الفاطمي عام 1094 انقسمت الحركة الفاطمية إلى مجموعتين عرفت إحداهما في أوروبا باسم «الحشاشين» الذين شرعوا في هزيمة أعدائهم ليس عن طريق التغلب على جيوش هؤلاء الأعداء ولكن عن طريق استهداف قادتهم (واسم الحركة مشتق من استخدامهم المشتبه فيه للحشيش لتثبيت أعصاب منفذي الاغتيالات قبل أن يندفعوا إلى موت شبه مؤكد). ومن أشهر ضحاياهم الأول الوزير السلجوقي نظام الملك الذي كان المحور الذي تدور حوله سلطة دولة السلاجقة. بعد ذلك ضعف الحكام الفاطميون والسلاجقة في إيران والعراق واحدا تلو الآخر. لكن بحلول ذلك الوقت كان أهل السنة والشيعة قد استقروا على دروبهم، وصار اعتمادهم على رعاية الدولة أقل من ذي قبل. علاوة على ذلك، فإنه بانتهاء تلك الفترة، فاق المسلمون غيرهم عددا في الأراضي الإسلامية؛ فبلغ الإسلام سن الرشد بكلا المعنيين.
1100-1500
كثيرا ما يشار إلى الفترتين الأوليين على أنهما الفترتان «التأسيسية» و«الكلاسيكية» من التاريخ الإسلامي، وهما القرون الأكثر أهمية لدى معظم المسلمين (الذين يجدر الإشارة إلى أنهم لا يميلون إلى استخدام هذه المصطلحات أو التقسيمات المرتبة زمنيا). لكن من شبه المؤكد أن الأغلبية الساحقة من المسلمين في العالم كانت ستظل على إلحادها لولا الأحداث التي وقعت في الفترة ما بين عامي 1100 و1500. ومع أن الإسلاميين المعاصرين (الذين يرون الإسلام نظاما سياسيا ودينيا أيضا) يسلطون الضوء على عهد النبي والخلفاء «الراشدين»، فإن الحركات الإسلامية لم تظهر إلا استجابة لأحداث هذه الفترة. من منظور أوروبي، تلك هي الفترة التي لولاها لما كانت لتركيا حجة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي (ولا لأن تكون هناك «تركيا» من الأساس)، ولولاها لما كانت لروسيا «مشكلات» مع المسلمين في الجنوب. وإليك ما حدث.
في ظل هيمنة المسلمين على جيرانهم طيلة قرون وتحديدهم مسار تاريخهم، كثيرا ما وجد المسلمون أنفسهم بدءا من نهاية القرن الحادي عشر فصاعدا يستجيبون لأفعال الآخرين - مسلمين وغير مسلمين - الذين عاشوا خارج حدود الإسلام السياسية. وهؤلاء الأجانب اتخذوا ثلاث صور: الأتراك المسلمون، والغزاة غير المسلمين (المسيحيون في الغرب والمغول في الشرق)، وأخيرا الغزاة المسلمون (التيموريون).
في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، واصلت موجات من القبائل التركية الهجرة غربا متخذين طريق المراعي التي اعتمدوا عليها عبر شمال إيران وفي أذربيجان والأناضول. ومن هناك شنوا غزوات (كثيرا ما كانت ذات دوافع دينية) داخل الأراضي البيزنطية، مما أثار رد فعل عسكريا. هزم الأتراك القوات البيزنطية في معركة «ملاذ كرد» عام 1071، وفي غضون عقدين كانت معظم أجزاء سوريا وفلسطين والأناضول تحت سيطرتهم. وبحلول القرن الثالث عشر، صارت الأناضول تضم عددا كبيرا من السكان المسلمين، وساهم وصول موجات متتابعة من الأتراك في القضاء على انتشار الثقافة اليونانية في المنطقة. كان الحكم التركي في الأناضول لامركزيا تحكمه - كما كان من قبل - سلالات حاكمة متنافسة لا ينتسبون إلا من بعيد إلى السلاجقة الكبار في إيران. أدت الغزوات المستمرة للأتراك داخل الأراضي البيزنطية إلى سعي الإمبراطور لطلب المساعدة من المسيحيين الغربيين؛ الأمر الذي ينقلنا إلى الصورة الثانية من التدخل الخارجي في الأراضي الإسلامية.
لم تكن الحروب الصليبية استجابة لطلب الإمبراطور البيزنطي العون ضد الأتراك فحسب ؛ فامتدادها على نطاق ثلاث قارات طيلة خمسة قرون يمثل الكثير للعديد من الأشخاص. حتى الحملة الصليبية الأولى التي شنت عام 1095 كان ارتباطها بالنزاعات التركية البيزنطية أقل من ارتباطها بالسياق الأعم للاعتداءات المسيحية على الإسلام وبالطبع استعادة القدس والأرض المقدسة. فسر المؤرخون المسلمون - على حد اهتمامهم بالحملات الصليبية (وكثيرون منهم لم يكونوا مهتمين) - في ذلك الوقت الحملات الصليبية في سياق المكاسب المسيحية ضد المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية وإيطاليا وفي أماكن أخرى. أعيد غزو صقلية التي كانت خاضعة للحكم الإسلامي منذ منتصف القرن العاشر على يد قوة مشتركة من النورمان من إيطاليا والجنود الإيطاليين فيما بين عامي 1061 و1091 على الرغم من أن رحيل آخر المسلمين منها لم يحدث إلا في الأربعينيات من القرن الثالث عشر. كذلك أعيد غزو الأندلس تدريجيا: فبقدر ما كانت مقاومة المسيحيين الكبيرة للحكم الإسلامي في الشمال والغرب منذ القرن الثامن، استغرقت «حروب الاسترداد» نحو 800 سنة إجمالا، لتكتمل فقط بسقوط غرناطة على يد فرديناند وإيزابيلا عام 1492. ومع ذلك لم يستطع المسيحيون إحراز تقدم حقيقي في المنطقة إلا بدءا من نهاية القرن الحادي عشر مع عودة طليطلة إلى الحكم المسيحي عام 1085.
شكل : العالم الإسلامي نحو عام 1100.
زادت وتيرة «حروب الاسترداد» وزخمها في القرن الحادي عشر في ظل الاختلال السياسي للمسلمين. ففي عام 1013 استولى بعض البرابرة على قرطبة ونهبوها، وفي عام 1031 انتهت الخلافة الأموية وانقسمت أراضيها إلى دول-مدن إقليمية صغيرة حاربت بعضها البعض بلا توقف. وأمام عجز الحكام المسلمين عن التصدي لتقدم القوات المسيحية، ناشدوا المرابطين الذين كانوا يحكمون شمال أفريقيا أن يقدموا لهم المساعدة. كان المرابطون بربرا «متزمتين» هدفهم الأول نشر رؤيتهم عن مذهب سني إسلامي أكثر صرامة ليحل محل ما اعتبروها أشكالا سطحية وزائفة من الإسلام في ذلك الوقت. حكم المرابطون الأندلس من عام 1086 حتى عام 1147 حينما حلت محلهم سلالة حاكمة أخرى من البربر هم الموحدون. تراجع الموحدون أنفسهم إلى شمال أفريقيا بحلول منتصف القرن الثالث عشر حينما سقطت معظم أجزاء الأندلس في يد المسيحيين (قرطبة عام 1236، وإشبيلية عام 1248). أثارت المذاهب الدينية المتشددة لهذه السلالة الذعر في نفوس المسلمين المحليين (الذين لم يطلبوا مجيئهم) وأيضا قوات «حروب الاسترداد». وكانت المعاناة الأكبر من نصيب اليهود والمسيحيين الأصليين الذين ترعرعوا في ظل الحكم الأموي؛ فمع قدوم السلالات الحاكمة البربرية المسلحة، كثيرا ما كان هؤلاء اليهود والمسيحيون يجبرون على الاختيار بين اعتناق الإسلام أو الهجرة أو الموت. فر البعض إلى مناطق مسيحية في إسبانيا والبرتغال أو إلى أراض أخرى في دول البحر الأبيض المتوسط.
إلى جانب إشعال الأتراك المنتسبين من بعيد إلى السلاجقة بقدر ما فتيل الحملات الصليبية، فإنه ينسب إليهم أيضا الفضل في مقاومة الحروب الصليبية والانتصار عليها في نهاية الأمر. ففي أوج نفوذهم، عهد السلاجقة الكبار بأراضيهم إلى أمراء من العائلة صغار السن إلى حد لا يستطيعون معه إدارة حكم مستقل. لذا كان يرافق هؤلاء الأمراء أوصياء (أتابكة) يمارسون السلطة الحقيقية؛ لفترة مؤقتة نظريا وعلى نحو دائم عمليا. ومن بين هؤلاء «الأتابكة» زنكي حاكم الموصل وحلب (امتدت فترة حكمه من عام 1128 حتى عام 1146) الذي استطاع أن يلحق أول هزيمة منكرة بالصليبيين حينما انتزع منهم مدينة الرها عام 1146. ووحد ابنه نور الدين سوريا، واستولى أحد مرتزقة نور الدين الأكراد على مصر من الفاطميين عام 1169. وبعد ذلك وحد كردي سني آخر - معروف لدى الأوروبيين باسم صلاح الدين - مصر وسوريا؛ ليضع بذلك نهاية للسلالة الشيعية للفاطميين عام 1171 (محققا بذلك أهدافه المعلنة) ويعيد القدس للمسلمين عن طريق هزيمة الصليبيين في معركة حطين عام 1187 (محققا بذلك الشهرة).
صفحة غير معروفة
شغل النزاع المستمر خلفاء صلاح الدين في السلالة الأيوبية التي أوجدها (1174-1250)؛ ولهذا السبب كانوا كثيرا ما يعقدون هدنات استراتيجية مع الصليبيين، ويحيطون أنفسهم بجنود عبيد أتراك تابعين لهم (يسمون المماليك). أطاح هؤلاء المماليك (الذين امتدت فترة حكمهم من عام 1250 حتى عام 1517) بالأيوبيين، وحكموا منطقة كبيرة شملت مصر، وسوريا، وأجزاء من العراق، وشبه الجزيرة العربية، وشمال أفريقيا وشرقها. أنشأ ارتباطهم بنظام جلب الجنود العبيد - الذي كان يستلزم الاستجلاب الدائم لدفعات جديدة من الأتراك - مجتمعا قويا ومستقرا عسكريا قادرا على التصدي للتحديات الخارجية . وبدلا من عقد هدنات مع الفرنجة (مثلما فعل السابقون)، طردوا الصليبيين من فلسطين بحلول عام 1291، بعد أن كانوا قد هزموا المغول في معركة عين جالوت عام 1260، وهي انتصارات وضعت نهاية لذلك التهديد الثنائي الذي كان يواجهه المسلمون في الشرق الأدنى.
على الرغم من ذلك لم ينج المسلمون في أماكن أخرى من غزوات المغول، وحتى وقت حديث نسبيا - ووقتها لا شك - حاز المغول وليس الصليبيين على انتباه المسلمين في جميع أنحاء العالم. ومثلما فعل النبي محمد، حقق «تيموجن» (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1206 حتى عام 1227) القوة عن طريق توحيد عدة قبائل بدوية تحت حكمه، وسلطت عليه الأضواء في سن الأربعين تقريبا حينما أعيد تسميته باسم جنكيز خان (الحاكم الأعلى). ومثل محمد أيضا، لم يعش جنكيز خان حتى يشهد اتساع دولته إلى إمبراطورية عالمية؛ فمع وفاته، كان المغول قد غزوا جزءا كبيرا من آسيا الوسطى، لكن كان لا يزال أمامهم ضم أجزاء من الصين، وكوريا، وأوروبا الشرقية، والقوقاز، والعالم الإسلامي، وكلها ستشكل في النهاية الإمبراطورية المغولية. وفي وقت سابق كان المغول قد غزوا أجزاء مهمة من شمال إيران وآسيا الوسطى المسلمة، وهو ما كان له تبعات مدمرة؛ فالروايات المتداولة عن الدمار الذي أحدثه المغول تثير الفزع حتى وإن نقحت بغية تجنب المغالاة. كان غزو المغول لإيران والعراق في الخمسينيات من القرن الثالث عشر من أكثر الغزوات التي ألحقت دمارا بالمسلمين؛ إذ دمر نظام الري الضعيف الذي كانت تقوم عليه الزراعة في العراق، وحدث الشيء نفسه مع المكتبات والمساجد، وشعوب كاملة في مدن وقرى بارزة. لكن الحدث الأبرز في الذاكرة الإسلامية هو نهب بغداد عام 1258 الذي وضع نهاية للخلافة العباسية بعد 500 عام من قيامها. وفي النهاية اعتنق حكام إيران والعراق المغول (الإيلخانيون 1265-1335) الإسلام، وحاولوا كسب ود المسلمين المحليين عن طريق رعاية الفنون، وتعيين مدراء من الفرس، وخفض الضرائب. لكن وقتها - مثلما هو الآن - كان ينظر إلى المغول على أنهم أوغاد لئام لدورهم في القضاء على الخلافة العباسية .
على الجانب الآخر، ظهر المماليك في صورة الأبطال. لقد كان السبب وراء الاستعانة بالعبيد الأتراك في الفترات الأولى من الخلافة العباسية أن وضعهم كعبيد كان يحول دون ادعائهم الحق في تولي الخلافة. وعلى الرغم من أنهم لم يدعوا الحق في الخلافة، ظلت خلفيتهم القائمة على العبودية مشكلة للسلاطين المماليك؛ ولهذا الغرض قدموا أنفسهم على أنهم دعاة جهاد ضد الكفار، وجاءوا بأحد أعمام آخر خليفة عباسي إلى مصر حيث منح وجوده الشرعية للحكم المملوكي. شمل السلاطين أيضا العلماء برعايتهم، وقدموا الدعم لعدد من المؤسسات الدينية ومشروعات البناء. وكتب العلماء الذين عينوهم كتب التاريخ وقالوا خير الكلام عنهم. لكن حتى المماليك - المدافعون عن الإسلام ضد المغول والصليبيين - عجزوا عن مقاومة الطاعون الأسود في الأربعينيات من القرن الرابع عشر، وهو الذي ساعدوا دون قصد في نشره، ولم يتعافوا منه تماما.
على الصعيد السياسي ونحو نهاية هذه الفترة كانت الأراضي الإسلامية المركزية تعاني حالة من الفوضى. لم يقتصر الأمر على ضعف المماليك، لكن الحاكم المغولي التركي تيمور (تيمورلنك 1336-1405) شن حملة مدمرة من بلاد ما وراء النهر في الشمال الشرقي على غرار الغزوات المغولية الأولى. كان تيمور يعتنق الإسلام، لكن ثقافته وهويته كانتا مغوليتين عن وعي (حتى الإسلام الذي كان يمارسه هو وأتباعه كان متأثرا بالعادات المغولية)، ويبدو أنه لم يستهدف سوى الأراضي التي غزاها جنكيز وخلفاؤه. ومع أنه هزم الجيوش الإسلامية في دلهي (عام 1398)، وحلب (عام 1400)، ودمشق (عام 1401)، والأناضول (عام 1402) وأماكن أخرى، فإنه لم يؤسس إمبراطورية دائمة. وفور وفاته عام 1405، قسمت الأراضي التي كان يحكمها بين أربعة أبناء لم يكن لدى أي منهم طموح عسكري مثل والدهم.
تفيد الغزوات التي شنها تيمور في إبراز مواطن القوة والضعف لدى نظم الحكم الإسلامية المختلفة في بداية القرن الخامس عشر. وإنه لأمر كاشف أن نعرف أن ما اكتسبه من غنائم من غزواته في الهند المسلمة تفوق بكثير ما حققه من أي مكان آخر، علاوة على أنه في الهند والمناطق المجاورة حقق الحكم والدين الإسلاميين تقدما مبهرا في هذه الفترة. كانت الهند محل استهداف ممنهج من قبل الحكام المسلمين منذ عهد الغزنويين، لكن لم يتمتع المسلمون بالحكم المستقل فيها إلا بدءا من أواخر القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر؛ أولا تحت حكم الغوريين من أفغانستان (1148-1218) ثم السلالتين التركية والأفغانية اللتين شكلتا سلطنة دلهي (1206-1526). ومثلما حدث كثيرا في التاريخ الإسلامي، انشق أحد الجنود العبيد من إحدى السلالتين عن أسياده وأسس سلالة حاكمة لنفسه. وفي هذه الحالة، كان هذا الجندي هو أيبك - أحد غلمان الغوريين - الذي غزا دلهي عام 1206 وأسس دولة المماليك في الهند. ومع أنه مات بعد خمس سنوات في حادث غريب أثناء اشتراكه في أحد سباقات الضرب بالصوالجة، فقد خلفه أحد غلمانه الذي أسس سلالة حاكمة من الجنود العبيد استمرت حتى عام 1290. وعلى مدار القرنين التاليين تشكلت ثقافة إسلامية هندية في المنطقة، وانتشر الإسلام في شبه القارة وما وراءها فيما يعرف الآن بماليزيا وإندونيسيا.
على الرغم من أن المغول وتيمور نشروا الدمار في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية، أدت غزواتهم أيضا إلى انتشار كل شيء بدءا من الأدب الفارسي حتى أوراق اللعب. والنقطة المهمة أن ضعف الخلافة العباسية - والمؤسسات والهياكل السياسية بوجه عام - وسقوطها سارا في تواز (وترابط) مع تأسيس هياكل سياسية واجتماعية بديلة داخل المجتمعات الإسلامية، وأبرزها المؤسسات الصوفية. والصوفية - بوصفها منهجا روحيا للوصول إلى الله - قديمة كقدم الإسلام في بعض النواحي، مع أن مذاهبها الرسمية لم تظهر إلا في القرن التاسع، ولم تكتسب الفروع المحددة للصوفية طابعا مؤسسيا إلا بدءا من القرن الثالث عشر. تلك «المؤسسات» (أو الطرق)، بمقراتها (الخوانق أو الرباطات أو الزوايا حسب المنطقة المقامة فيها)، ورؤسائها (ممن يحملون لقب شيخ أو بير أو غيرها من الألقاب)، وطقوس الانتماء إليها، وشعائرها الغريبة ربما تحيي في أذهان الغرب صور الماسونية في اتخاذها من الروحانية أساسا لها. لكن على عكس الماسونية، فإن للصوفية تأثير اجتماعي وسياسي وديني حقيقي، وينسب الكثير من الفضل إلى شيوخ الصوفية المؤثرين في تعريف أجزاء كبيرة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وجنوب آسيا وجنوبها الشرقي بالإسلام.
نجح الإسلام أولا في كسب معتنقين بين شعوب الشرق الأدنى الذين كانوا على علاقة وطيدة بعقيدة التوحيد السامية؛ فلم يكن الانتقال من اللغة الآرامية إلى العربية ومن «أبراهام» إلى «إبراهيم» كبيرا. كانت علاقة اليهودية والمسيحية بالإسلام علاقة وثيقة للغاية حتى قيل إن اليهودية والمسيحية كانتا في الأصل الدين الإسلامي نفسه، لكنه حرف بمرور الوقت؛ ولهذا السبب أراد الله أن يذكر البشرية بالصراط المستقيم بأن يبعث إليها محمدا وينزل عليها القرآن. ولا يمكن أن يتسع نطاق هذا القول ليشمل الهندوسية، أو البوذية، أو الأديان الوثنية في أفريقيا وجنوب شرق آسيا، لكن شيوخ الصوفية أثبتوا عكس ذلك. باختصار، أقنعت الدعوات التبشيرية الصوفية الوثنيين والمشركين أنهم مسلمون «بالفعل» في الأساس، لكن آلهتهم وطقوسهم تختلف في مسمياتها في لغة الإسلام. ولكن لكي ينجح هذا المنهج لا بد من نشر نسخة سطحية للغاية من الإسلام، ولا بد من ملاءمة العناصر الخاصة بالأديان السابقة للإسلام التي لا نظير لها في الإسلام مع الدين الجديد للمتحولين (مثلما وجد عيد القديس فالنتين، وعيد القديسين، وأشجار عيد الميلاد طريقها إلى الثقافات المسيحية). حدث هذا بسلاسة بين المتحولين الموحدين؛ فإعادة رواية قصص الإنجيل - المعروفة باسم «الإسرائيليات» - وجدت طريقها إلى كتب التراث الإسلامية دون أن يلحظها أحد في كثير من الأحيان. أما في حالات الوثنيين والمشركين، كانت النتيجة حدوث توفيق ديني اعتبر إهانة بالغة للمسلمين السنة. وقد تعرفنا على حالة سابقة تعكس هذا الأمر متمثلة في رد فعل المرابطين تجاه إسلام البربر، ولمعظم الحركات الإسلامية الحديثة تاريخ من محاولات مماثلة لتطهير المجتمعات الإسلامية من النماذج التوفيقية للعقيدة والعبادة وغيرها من النماذج الزائفة.
في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، كانت الحركات الصوفية فاعلة ومؤثرة بين الأتراك في الأناضول وأذربيجان (وفي معظم المناطق الأخرى). وتدريجيا في نهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر، تفككت العناصر المختلفة للسنة والشيعة والصوفية الابتداعية وغيرها من الأفكار التي كانت قد تضافرت بعضها مع بعض في هذه المنطقة؛ ليظهر العثمانيون السنة والصفويون الشيعة الذين تشكل الشرق الأدنى الحديث من إرث إمبراطورياتهم وخلفائهم.
1500 إلى الآن
متى ينتهي التاريخ الإسلامي؟ على الرغم من أن نهايته لا تظهر بأي حال في بعض أجزاء العالم، ثمة ثلاث وجهات نظر مهمة يمكن من خلالها القول بأن التاريخ الإسلامي قد انتهى في الفترة «من عام 1500 إلى الآن». أولا، وكما سيتضح في الفصلين
صفحة غير معروفة
السادس
و
السابع ، فإن الوقائع التي تشكل المخزون التاريخي لدى جميع المسلمين تخص الفترات الثلاث التي تعرضنا لها سابقا. ثانيا، التاريخ الذي يخص الإسلام والمسلمين في هذه الفترة هو تاريخ «عالمي» لعب فيه الإسلام والمسلمون دورا أكثر من كونه تاريخا «إسلاميا». ولأن هذا الدور كثيرا ما يكون ثانويا، فإن النظر للأحداث التي شهدتها هذه الفترة على أنها جزء من التاريخ «الإسلامي» يمنح الإسلام والمسلمين قدرا من السيطرة على مجريات الأمور، وهي فكرة مضللة على أحسن تقدير. وهكذا، فإنه عندما احتل الفرنسيون مصر عام 1798، كان البريطانيون هم من طردوهم؛ المصريون أنفسهم اكتفوا بالمشاهدة. ثالثا، تلك هي الفترة التي شهدت تلاشي العديد من السمات البارزة للتاريخ الإسلامي وللمجتمعات الإسلامية فيما قبل العصر الحديث، بما في ذلك الاعتماد واسع النطاق على الجنود العبيد (وسلاح الفرسان بوجه عام)، والتمييز القانوني بين المسلمين وغيرهم في الأراضي الإسلامية، ومحورية الحج (والشبكات الدينية الأخرى) فيما يتعلق بترابط الأمة، وسيطرة العلماء على السلطة الدينية وغيرها من الأمور الأخرى.
بسبب كل هذه العوامل، فإن نسبة كبيرة من مسلمي اليوم تنحدر أصولهم من أولئك الذين اعتنقوا الإسلام في تلك الفترة، وكما ذكر أحد المؤرخين فإنه «في القرن السادس عشر من زمننا، كان يمكن لزائر من المريخ أن يظن أن عالم البشر على وشك أن يصبح مسلما». ربما توصل ضيفنا القادم من كوكب المريخ إلى هذه النتيجة بسبب الوجود المعاصر للحضارات والإمبراطوريات الإسلامية الكبرى التي أقامها العثمانيون (1300-1922)، والصفويون (1501-1722)، والمغول (1526-1858). وإليك صورة لما بدا عليه الحال.
كانت الإمبراطورية العثمانية أول دولة إسلامية عظمى يبزغ نجمها في هذه الفترة وآخر دولة يأفل نجمها أيضا؛ إذ استمرت بشكل أو بآخر من بداية القرن الرابع عشر وحتى بداية القرن العشرين. بزغ نجمها نحو عام 1300 عندما استطاع قائد طموح لمجموعة من المحاربين على الحدود التركية في الأناضول الغربية أن يؤسس دولة إسلامية مستقلة في المنطقة. اتسعت الدولة - التي سميت باسم مؤسسها عثمان - سريعا على حساب الإمبراطورية البيزنطية. وفي عام 1453 فتح العثمانيون القسطنطينية (وتنطق بالتركية إسطنبول). وعلى مدار القرن التالي، انتزعوا القدس ومكة والمدينة من سلطنة المماليك (التي فتحوها عام 1517)، وانتزعوا بغداد من الصفويين عام 1534، إلى جانب التوسع غربا في أوروبا ليضيفوا إلى أراضيهم بلجراد والمجر ويحاصروا فيينا عام 1529. سارع السلاطين العثمانيون بالاستفادة من مكاسبهم ليحققوا النفوذ والثروة والهيبة، فاستجلبوا الأموال والمكتبات والمحفوظات والعلماء إلى إسطنبول من المناطق التي فتحت مؤخرا في مصر وسوريا، وادعى السلاطين وراثتهم لسلطة الحكام الذين فتحت بلادهم ولأراضيهم أيضا، وأطلقوا على أنفسهم ألقاب «قيصر» و«شاهنشاه» و«خليفة»؛ بل و«خليفة الله» في بعض الأحيان. وكالمتوقع، تولى السلاطين أو «الخلفاء» أدوارا دينية، فأصدروا المراسيم الدينية، وعينوا القضاة، وضموا العلماء إلى السلطة الحاكمة. وفي هذه الفترة، اشتهر السلطان سليمان (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1520 حتى عام 1566) لدى الأوروبيين بفضل نجاحاته العسكرية باسم «سليمان العظيم»، واشتهر بين المسلمين باسم «سليمان القانوني» بسبب دمجه القانون العرفي في الشريعة.
بحلول منتصف القرن السادس عشر، أسس العثمانيون إمبراطورية قوية مركزية عالمية ضمت بعض أهم المدن والموارد الإسلامية - والعالمية أيضا - لها مرتكز في كل من أوروبا وآسيا وأفريقيا. لكن عالمية هذه الإمبراطورية كانت لها نتائج إيجابية وأخرى سلبية؛ فمن ناحية نشطت التجارة والثقافة في المدن العثمانية عن طريق استيعابها عشرات الآلاف من اللاجئين اليهود من محاكم التفتيش الإسبانية. وتكونت الآلة العسكرية العثمانية في جزء منها من شباب مسيحيين («الإنكشاريين» أو «الجنود الجدد» في اللغة التركية). ولأن العثمانيين قد انتقل إليهم حكم مجموعات متباينة من التركمان الذين سكنوا الأناضول بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، فقد حكموا عددا كبيرا من الشيعة والصوفيين (الذين كانوا أحيانا يعتنقون معتقدات غير تقليدية) وكذلك مجموعات متنوعة من المسيحيين. ولم يكن التكوين العرقي للإمبراطورية أقل تنوعا. ومن الناحية الأخرى، بات واضحا بنهاية القرن التاسع عشر أنه ليس هناك الكثير مما يمكن فعله لتوحيد هذا النسيج المتنوع من السكان. علاوة على ذلك فإنه على الرغم من أن العثمانيين اتخذوا ألقابا دينية، وسيطروا على العلماء، وأظهروا الفخر بما لهم من نفوذ على المدن المقدسة، فالحقيقة أنه حتى في ذروة مجد الإمبراطورية العثمانية كان نصف الرعايا بالكاد من المسلمين وأقل من نصف مسلمي العالم عثمانيين. وتوحيد الأمة على النحو الذي حققه الخلفاء الأوائل (وإن كان سياسيا فحسب) كان يمكن أن تكون جدواه لحاكم مسلم أكبر من جدوى السيطرة السياسية على ألبانيا وكرواتيا. علاوة على ذلك فإن التطورات التي شكلت أهمية حقيقية للإسلام والمسلمين كانت تقع أيضا في أماكن أخرى؛ أي في الأراضي الصفوية والمغولية.
قريبا من الوقت الذي كان عثمان يؤسس فيه دولته في الأناضول، أسس أحد أبناء أذربيجان واسمه صفي الدين (1252-1334) رابطة صوفية في أردبيل عرف أتباعها باسم الصفويين. وبحلول نهاية القرن الخامس عشر، تطورت هذه الرابطة إلى حركة صوفية-شيعية مقاتلة آمنت بأن قائدها إما الإمام المختفي أو الله نفسه. ومع نهاية القرن الخامس عشر ومطلع القرن السادس عشر، خرج قائد الجماعة الصفوية - وهو مراهق يدعى إسماعيل - من مخبئه وشرع في غزو إيران. وبحلول عام 1501 كان قد أصبح شاه المنطقة متخذا من تبريز عاصمة له. مع ذلك هزمت القوات الصفوية عام 1514 على أيدي العثمانيين في معركة جالديران التي ترتب عليها ثلاث نتائج مهمة. أولا، رسمت الحدود الإيرانية التركية المعاصرة. ثانيا، لما خسر شاهات الصفويين المعركة (وادعاءهم الألوهية) أمام استخدام العثمانيين البارود، فإنهم استجلبوا البارود هم أيضا. ثالثا، نقل الشاهات اللاحقون عاصمتهم شرقا بسبب تعدي القوات العثمانية على أقاليمهم الغربية؛ ليستقر الصفويون في النهاية في أصفهان تحت حكم الشاه عباس الأول (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1587 حتى عام 1629).
بالانتقال شرقا، كان الصفويون يبعدون أنفسهم عن مركز قوتهم التركماني الأصلي، ويثبتون أقدامهم في قلب الأراضي الإيرانية. تخلصت الشخصية الدينية للدولة من أفكارها الراديكالية التي حلت محلها الشيعية الاثنا عشرية (بينما حلت النخبة الفارسية محل النخبة التركية). فرض هذا الشكل من أشكال المذهب الشيعي قسرا على قطاع كبير من أهل السنة، واستقدم العلماء الشيعة من البحرين والشام والعراق إلى أصفهان حيث ازدهرت الثقافة الدينية والدنيوية. نقل عباس أيضا إلى عاصمته أصفهان سكانا من المدن الإقليمية لينشئ مركزا ثقافيا واقتصاديا. وهكذا، فإنه في ظل حكم الصفويين سلطت الأضواء على الحدود الحديثة لإيران وعلى هويتها الثقافية والدينية؛ وذلك في تناقض واضح مع التنوع المتسم بقبول الآخر الذي كان يميز الإمبراطورية العثمانية. وصل الأدب الفارسي ذرى جديدة؛ وعلى قدر استخدام العثمانيين والمغول اللغة الفارسية لغة للثقافة الرفيعة (في الأناضول قبل الحكم العثماني والهند قبل الحكم المغولي)، كان الصفويون في قلب الحضارة الإسلامية. مع ذلك بدأ أفول نجمهم بعد وفاة عباس الثاني (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1642 حتى عام 1666)؛ إذ اجتمعت الكوارث الطبيعية (المجاعات والزلازل وانتشار الأمراض) مع وجود حكام ضعاف، مما خلف فراغا سياسيا ملأه العلماء الشيعة أو الملالي الذين أحكموا قبضة الشيعة على المجتمع. وفرض الدين بالقوة ليس بأي حال سبيلا لكسب الأصدقاء والتأثير في الناس، وهكذا أطاح رجال القبائل السنة الحانقون من أفغانستان بالصفويين عام 1722، ووضعوا نهاية لحكمهم. وعادت الوحدة السياسية - والمذهب الشيعي - إلى إيران على أيدي القاجاريين (1794-1925) الذين قادوا إيران إلى الحداثة.
من مكان آخر في أفغانستان وفي أوائل القرن السادس عشر، شن أحد الأمراء ويعرف باسم بابر غارة ناجحة على الهند. ومع ادعاء بابر أنه ينتسب لكل من جنكيز خان وتيمور، كان مؤكدا أنه سيحاول غزو بلد ما. وهذا ما فعله عام 1526 حينما هزمت قواته سلطان دلهي وأسست سلالة حاكمة في الهند. ومع ذلك، لم تؤسس الإمبراطورية المغولية إلا تحت حكم حفيده أكبر (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1556 حتى عام 1605)، وعلى مدار قرن ونصف قرن تاليين، ازدهر حكم أكبر وخلفائه واتسعت أراضيهم. وبحلول الفترة التي حكم فيها أورنكزيب (1658-1707)، كاد المغول يحكمون جميع أجزاء شبه القارة الهندية وأجزاء من إيران وآسيا الوسطى بلغ عدد سكانها نحو 100 مليون نسمة. ومع أن الغالبية العظمى من هؤلاء الرعايا لم يكونوا مسلمين، فإنهم اندمجوا بالكامل داخل المجتمع على كافة مستوياته، وتمتعوا بدرجة غير مسبوقة من التسامح؛ إذ أعفوا من دفع الجزية، وتزوج الأباطرة المغول زوجات هندوسيات، واستبدل السلطان أكبر بالتقويم القمري الإسلامي تقويما شمسيا. كذلك مزجت الثقافة المغولية العادات الإسلامية بالعادات الهندية لتوجد أشكالا جديدة وترسي معايير جديدة في الرسم، والشعر، والعمارة. ويمكن رؤية إرث إنجازاتهم اليوم في عظمة «تاج محل» واستخدام لفظة «المغول» إشارة إلى من يملكون النفوذ والثروة.
على الرغم من ذلك، لم يطبق خلفاء السلطان أكبر جميع أفكاره عن طيب خاطر. ففي عام 1581، وضع أكبر ما أطلق عليه اسم «الدين الإلهي» الذي يهدف إلى التوفيق بين الحقائق العديدة لجميع الأديان المعروفة له داخل منظومة واحدة. حتى الدعوات التبشيرية الصوفية لم تفلت من ذلك المخطط، وجاءت المعارضة الأعلى صوتا لهذه الهرطقة من قبل الزعيم الصوفي أحمد سرهندي (1564-1624). ولم تستمر تجربة السلطان أكبر بعد وفاته، وفي النهاية أثار فرط التسامح مع غير المسلمين تعصبا زائدا؛ إذ شن أورنكزيب الجهاد ضد الهندوس وهو ما كان له تبعات متنوعة. وصلت حدود الإمبراطورية إلى أقصى مدى يمكن الوصول إليه؛ لكن في ظل وجود الكثير من الأراضي الخاضعة للحكم وعدد أقل من السكان المستعدين لإبداء التعاون، انهار حكم المغول سريعا؛ إذ فقدوا نفوذهم المؤثر في وقت مبكر يعود إلى عام 1725 (مع أن الدولة استمرت حتى عام 1857). وفي عام 1803، وفي ظل انقسام المنطقة بين الحكام البريطانيين والهندوس المحليين، أعلن أحد قادة العلماء في دلهي أن الهند لم تعد دولة مسلمة.
صفحة غير معروفة
لكن ما الذي كان يفعله البريطانيون - وغيرهم من الأوروبيين - في آسيا من الأساس؟ الإجابة السريعة - آنذاك والآن أيضا - هي «شراء السلع». فبدءا من القرن السادس عشر، سعت دول صغيرة لديها سفن كبيرة (هولندا والبرتغال) ولاحقا دول كبيرة لديها سفن كبيرة (بريطانيا وفرنسا) إلى بسط نفوذها على الطرق التجارية الممتدة إلى الشرق الأقصى التي يمكن منها شراء التوابل والسلع الأخرى مباشرة (ومن ثم بأسعار زهيدة ). لقد استفادت الدول والمجتمعات الإسلامية طيلة قرون من موقعها الاستراتيجي الذي كان يشكل جسرا بين أوروبا وآسيا. وفيما قبل العصر الحديث، اجتمعت مركزية العالم الإسلامي جغرافيا مع ثقافته الرفيعة، وتنظيمه السياسي، وقوته العسكرية، وهو ما أتاح للمسلمين الهيمنة على أجزاء كبيرة من أفرو-أوراسيا في وقت كان فيه الأوروبيون - بشكل نسبي - يتسلقون الأشجار ويعيشون حياة بدائية. لكن في القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر تحديدا تزامن أفول نجم الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى مع بزوغ نجم الإمبراطوريات الأوروبية.
نتيجة للثورة الصناعية، حظي الأوروبيون بمزايا مهمة في مجالي الإنتاج والاتصالات؛ ووجهت الحروب النابليونية (1793-1815) الجهود الصناعية لخدمة الأغراض العسكرية؛ وحشدت الثورة الفرنسية قطاعات كبيرة من السكان عن طريق تشجيع الحس الوطني والأفكار الخاصة بخدمة البلاد؛ وقدم عصر التنوير تبريرا علميا لوجود تسلسل هرمي من الحضارات (يقبع الأوروبيون على قمته لا شك). ولما كانت الإمبراطوريات الإسلامية الثلاث الكبرى مكونة في الأغلب من اليابسة، فقد كانت عاجزة عن محاربة السفن الأوروبية، حتى وإن كانت في ذروة قوتها، وهي لم تكن كذلك. فقد المغول والصفويون قوتهم في بداية القرن الثامن عشر، ولم يستمر العثمانيون إلا بإعادة تنظيم إمبراطوريتهم على غرار الإمبراطوريات الأوروبية. حرر الحصار العثماني الفاشل لفيينا عام 1683 والهزائم المخزية في الحرب الروسية العثمانية (1768-1774) السلاطين العثمانيين من وهم الاعتقاد بأنهم متفوقون عسكريا على القوى الأوروبية، أو حتى مساوين لها. وساهمت لامركزية الإمبراطورية، والشقاق الحزبي داخل البلاط العثماني، وانعدام الاستقرار الداخلي في تعزيز الانطباع بأن الإمبراطورية العثمانية هي «رجل أوروبا المريض». واستجابة لذلك، سعى السلاطين بدءا من عهد سليم الثالث (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1789 حتى عام 1807) إلى إعادة التأكيد على نفوذهم عن طريق اتخاذ تدابير داخلية أدت إلى «إعادة تنظيم» الإمبراطورية فيما عرف باسم «التنظيمات» (1839-1876)، وفيها حل القانون المدني محل الشريعة، وتساوى غير المسلمين مع المسلمين، وجرى تحديث الإدارة العثمانية في معظم جوانبها. أدخل الحاكم المستبد (أو «الخليفة» كما كان يرى نفسه) عبد الحميد الثاني (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1876 حتى عام 1909) شبكة خطوط سكة حديدية إلى الإمبراطورية [المتقلصة]، وكثف الاستثمار في مشروعات البناء. وجدير بالملاحظة أنه بينما كان السلاطين السابقون يتباهون بتكفلهم إقامة المساجد وغيرها من المنشآت الدينية الأخرى، كادت مشروعات عبد الحميد تكون كلها دنيوية بحتة. كان التحديث واسع النطاق باهظ التكلفة؛ ولذا وجدت الدول الإسلامية نفسها مدينة بمبالغ كبيرة إلى الدول الأوروبية، وسرعان ما وجد الأوروبيون أنفسهم يتولون السلطة السياسية على الأراضي الإسلامية.
غير أنه لم يكن هناك مفر من كل ذلك، وفي بعض المناطق في العالم الإسلامي تحركت الأوضاع في اتجاه مختلف تماما. ففي القرن السادس عشر، تحرك البدو من الصحراء الكبرى نحو الشمال ليسيطروا على قلب الأراضي المغربية مؤسسين سلالة من «الأشراف» (هؤلاء الذين زعموا انتسابهم إلى النبي) تولوا حكم البلاد من مراكش؛ ومن يومها وهم يحكمون المغرب. استطاعت سلالة السعديين (التي امتدت فترة حكمها من عام 1554 حتى عام 1659) أن تجتاز الصحراء التي كانت تعتبر في السابق منيعة عسكريا، ودمرت دولة سنغاي في غرب أفريقيا وعاصمتها الشهيرة تمبكتو عام 1591. قادت هذه السلالة أيضا حركة المقاومة ضد القوات الإسبانية والبرتغالية عام 1578، وصمدت أمام التحديات العثمانية جزئيا عن طريق تأليب البريطانيين والإسبان ضد بعضهم البعض، وجميعها عوامل ساعدتهم على البقاء دولة إسلامية مستقلة. نجحت الدول الخاضعة لحكم الأشراف في درء خطر الأوروبيين حتى أواخر القرن التاسع عشر، وكان الأشراف العلويون (الذين امتدت فترة حكمهم من عام 1666 حتى الآن) أول من يعترف بدولة الولايات المتحدة الأمريكية حين نالت استقلالها. مع ذلك، حتى هذه السلالة لم تسلم من الاستعمار في النهاية؛ ففي عام 1912 فرض الفرنسيون وصايتهم على المغرب، ولم ينل المغاربة استقلالهم إلا عام 1956 في عهد السلطان محمد الخامس (الذي امتدت فترة حكمه من عام 1927 حتى عام 1961).
خضعت معظم المجتمعات الإسلامية للحكم الأجنبي على مدار الألفية السابقة عندما حكم الأتراك، والمغول، والبرابرة، وكذلك العرب - في بعض الفترات والمناطق - بوصفهم أجانب، وعادة ما كان يصاحب ذلك عدم مراعاة للعادات والاهتمامات المحلية. الاستعمار الأوروبي على وجه التحديد لاقى مقاومة لثلاثة أسباب . أولا، كانت القوى الاستعمارية - مثلها مثل الصليبيين - غير مسلمة، وكثيرا ما كانت في تنافس مباشر مع المسلمين لنشر عقيدتها (وهي منافسة عادة ما كان يفوز فيها المسلمون). لكن على عكس الصليبيين، كانت هذه القوى تتمتع بحضور دائم وعلى علاقة بجميع المسلمين تقريبا. ثانيا، كانت المجتمعات الإسلامية في هذه الفترة قد أصبحت على دراية بآليات مقاومة الاستعمار وبدائله، وذلك بعيدا عن مفهوم الجهاد الذي ناصره البعض. حذت الحركات المنادية بالوحدة الإسلامية والوحدة العربية والوحدة التركية حذو حركات التحرير الوطنية في أماكن أخرى؛ الأمر الذي زاد من تطلع المسلمين إلى التغلب على الحكم والنفوذ الأجنبيين. ثالثا، في ظل انتشار وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة ذاعت الحقائق المرتبطة بالنقطتين السابقتين في كل مكان.
بداية من القرن التاسع عشر (وقبل ذلك)، بزغ في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي نجم عدة حركات تهدف إلى إعادة تمكين الإسلام وتطهيره، واستهدفت تلك الحركات القوى الخارجية (الاستعمار) والقوى الداخلية (ما أطلق عليه الممارسة السطحية أو التوفيقية للإسلام، وكذلك علمنة المجتمعات الإسلامية وحكامها). وعلى الرغم من أن الحركات الفردية عادة ما كانت لديها شكاية معينة، فإنه مع الوقت أصبح عدد كبير من هذه الجماعات - ومعظم أتباعها - يجمع بين عدد مختلف من صرخات الحرب أو يختصر الشكايات في مجرد شعور عام بأن «الأمور ليست على ما يجب أن تكون عليه»، وأن الحل هو التغيير على خطى إسلامية متشددة. وما أثار حنق هذه الجماعات على وجه الخصوص أنها كانت ترى أن القيادة الإسلامية تساهم في المشكلة بدلا من حلها. وقد مال هؤلاء المفكرون والناشطون إلى تسمية أنفسهم باسم «المجددين»، بينما نميل إلى تسميتهم باسم «الإسلاميين» (وهو مصطلح يشمل مجموعات أخرى عديدة أيضا). ومع أن جذور الإسلام السياسي غالبا ما تعود إلى محمد بن عبد الوهاب (الذي توفي عام 1787)، فإنه قد شهد تحولا في القرن العشرين بتأسيس حسن البنا (الذي توفي عام 1949) جماعة الإخوان المسلمين (مصر 1928) وتأسيس أبو الأعلى المودودي (الذي توفي عام 1979) الجماعة الإسلامية (الهند 1941). استهدفت الجماعة الأولى المستعمرين الأجانب والعلمانيين من أهل البلاد، بينما انصب تركيز الجماعة الثانية على البريطانيين وحلفائهم الهندوس. وسرعان ما اتسع نطاق هذه الحركات دوليا، وأصبحت لها فروع عديدة؛ فقد أثرت أفكار المودودي في المفكر الإسلامي المصري البارز سيد قطب (الذي توفي عام 1966) الذي ينتمى هو نفسه لجماعة الإخوان المسلمين (التي أسس أعضاؤها حركة حماس عام 1987).
يقال إن أساس فهم المجتمعات الإسلامية في القرن التاسع عشر هو الاستعمار، مع أن ثمة عاملا آخر لا يسلط الضوء على أهميته الكبرى، هو انتشار الطباعة في جميع أنحاء الأراضي الإسلامية في هذه الفترة. لقد أدت الطباعة - وأشياء أخرى - إلى انتشار الصحف، فظهرت الصحف الحكومية في مصر (1824)، وتركيا والأقاليم العثمانية الأخرى (1831)، وإيران (1837)، وأماكن أخرى في سنوات لاحقة. والجدير بالذكر أن الرواد من الإصلاحيين الإسلاميين أشرفوا على تحرير الصحف، ونشروا أفكارهم عبرها. أصدر الأيديولوجيون أمثال محمد عبده (الذي توفي عام 1906) وجمال الدين الأفغاني (الذي توفي عام 1897) صحيفة دينية مجانية اتخذت منبرا لبث الأفكار الإسلامية والمناهضة للبريطانيين، ووصلت إلى القراء في أنحاء العالم الإسلامي (فيما عدا مصر والهند حيث حظرها البريطانيون). أيضا أشرف رشيد رضا (الذي توفي عام 1935) - وهو أحد تلاميذ محمد عبده - على تحرير المجلة الإسلامية «المنار» لمدة تصل إلى 40 عاما قام خلالها بنشر أفكار أستاذه على نطاق واسع بالإضافة إلى مقترحاته بشأن تأسيس خلافة إسلامية موحدة.
أسفرت الطباعة أيضا - وإن كان بغير قصد - عن إضفاء طابع الديمقراطية على السلطة الدينية. ففي الماضي، كانت التعاليم الإسلامية تنتشر من خلال التفاعلات الشخصية مع العلماء أو الزعماء الصوفيين. وحدهم الزعماء المبجلون الذين يستطيعون - بفضل تعليمهم الديني وسمعتهم - اجتذاب جماعة من الأتباع هم من كانوا يتركون تأثيرا لدى الناس. أما في ظل انتشار وسائل الإعلام الحديثة (بدءا بالطباعة وليس انتهاء بها)، كان بوسع أي شخص يستطيع الوصول إلى التقنية المطلوبة أن يؤثر في ملايين الأشخاص. لم تعد السمعة المحلية والشهادات الدينية تحظى بأهمية وسائل الاتصال. وكثيرا ما تسبب هذا التطور في اختلال التوازن المتحقق بين العلماء والسلطات السياسية؛ وهو توازن كان بقاؤه يعتمد على السيطرة على العلماء أو مساندة المذعنين منهم على حساب الطرق الصوفية الشهيرة. وهكذا تعقدت المصفوفة بظهور الإسلاميين الذين كان لديهم وقت قليل لمعظم الصوفيين وللسياسيين المسلمين المتغربين (أو العلماء الذين تنازلوا لهم عن كل شيء).
كل هذا يوضح بلا شك أنه من السطحية اعتبار الإسلام السياسي رفضا تفاعليا للغرب ولمناهجه. لقد سعد الإسلاميون بحصولهم على معدات الحضارة الغربية الحديثة وبرامجها والاستفادة منها في خدمة قضيتهم. ولا يخفى على أحد أن آية الله الخميني نشر رسالته الثورية من خلال شرائط التسجيل المسموعة، واستفاد تنظيم القاعدة أقصى استفادة من تكنولوجيا الاتصالات في بث رسائله إلى القنوات الإعلامية، والتواصل عبر غرف الدردشة المتاحة عبر شبكة الإنترنت، واستغلال الاهتمام الإعلامي الذي يثار حول عملياته في اجتذاب أعضاء جدد. ومن الأمثلة الأخرى على هذا الاستعداد للاستفادة من مثل هذه التقنيات رسائل الاستشهاد ومقاطع قطع الرءوس المروعة المتداولة على المواقع الإلكترونية. أما فيما يتعلق بالبرامج، فقد استغلت الأفكار الغربية حتى من قبل من يسعون إلى التحرر من تأثير الغرب؛ ومع أنه قد يقال إن الوحدة الإسلامية تمتد جذورها إلى ما قبل العصر الحديث، فإن حركات التحرير الوطنية - بدءا من الشيشان إلى فلسطين وشينجيانج - منقولة من الغرب. وبالمثل، فإن النظريات المعادية للسامية المؤيدة على نطاق واسع من قبل المسلمين بهدف التصدي لآثار الاستعمار (التي يسأل عنها اليهود على حد زعم هذه النظريات) هي نفسها منتجات غربية إمبريالية؛ إذ لم تظهر مثل هذه النظريات في المجتمعات الإسلامية إلى أن استجلب العرب [المسيحيون] الأفكار من أوروبا إلى الأراضي الإسلامية في القرن التاسع عشر. وفيما يتعلق بالغالبية العظمى من المسلمين الذين يرفضون أيديولوجيات الإسلاميين، فإنهم يستخدمون التقنيات الحديثة ويعتنقون الأفكار الغربية على نحو يتزايد يوما بعد يوم، مما أدى إلى ظهور نتائج مثيرة للاهتمام؛ فقد أوضح البعض (على نحو مقنع) دور الإسلام في نشأة العلم الحديث والطب والتكنولوجيا، بينما حاول آخرون (على نحو أقل إقناعا) بيان أن أفكار الغرب من ديمقراطية وحقوق إنسان ومساواة بين البشر ترجع أصولها إلى الإسلام. ومع أن هذا الأمر قد يشير إلى عملية التغريب المتزايدة للمسلمين، فإنه يوضح أيضا مدى سهولة تكيف التغريب مع الإسلام.
شكل : العالم الإسلامي نحو عام 1700.
ملخص
صفحة غير معروفة
إذن ذلك هو ما حدث بوجه عام. وكما يتوقع من أي استعراض لفترة تساوي 1400 عام من التاريخ على نطاق ثلاث قارات، فقد تطرقنا إلى قدر كبير من الحكام، والمعارك، والتواريخ، والأسماء التي تبدو متشابهة. ولقد حاولت أن أوازن بين ذلك وبين بيان كيفية تطور الإسلام نفسه في كل فترة، وسوف أقتصر هنا على استنتاج واحد يرتبط بالتطورات السياسية والدينية المشار إليها أعلاه.
فور قيام إمبراطورية في أعقاب الفتوحات الإسلامية الأولى، لم يكن يحدث تداخل بين انتشار الإسلام بوصفه دينا من ناحية وبين القوة السياسية من ناحية أخرى؛ فالواقع أنه في حالات عديدة كان الإسلام يبلي بلاء حسنا حين كان أداء الحكام المسلمين سيئا للغاية. ولذا اعتنق الإسلام الكثيرون أثناء الحكم الاستعماري الأوروبي بخلاف أي فترة أخرى، وفي فترة ما بعد الاستعمار ازداد التوزيع الجغرافي للمسلمين زيادة هائلة؛ فبدون وجود البريطانيين في الهند والفرنسيين في شمال أفريقيا، لكان هناك قلة من الباكستانيين في بريطانيا وقلة من الجزائريين في فرنسا. ومع أن حركة الديوبندية قد بدأت كرد فعل تجاه الحكم البريطاني في الهند، فإن ذراعا تبشيريا للحركة يتحكم الآن فيما يقرب من نصف المساجد في المملكة المتحدة، ويقدر عدد أفرادها بأكثر من ثلاثة أرباع رجال الدين المسلمين المدربين داخليا، وتخطط لإقامة أكبر مسجد في أوروبا بجوار الموقع الذي أقيمت فيه دورة الألعاب الأوليمبية عام 2012 في لندن. ومن التبعات المثيرة للاهتمام لذلك أنه حتى لو نجحت محاولات إقامة خلافة إسلامية عالمية - على افتراض دوام الاتجاهات التاريخية - فلن يصاحبها بالضرورة انتشار للإسلام نفسه. والواقع أنه لو دامت الاتجاهات الديموغرافية والإحصائية، فإن ثلث البشر قد يكونون من المسلمين - حتى دون قيام خلافة - قبل مرور وقت طويل.
هوامش
الفصل الثاني
شعوب وثقافات
على نحو ما ذكرنا آنفا، يخضع جزء كبير من قصة التاريخ الإسلامي للعوامل نفسها التي تشكل تاريخ المجتمعات الأخرى ، وهي الحقائق الجغرافية وانتشار التكنولوجيا ؛ من الجمال إلى السيارات ومن البردي والبرشمان إلى الورق ثم الطباعة. الحج مثلا تطور من كونه طقسا دينيا يعتمد على القوافل إلى عمل تجاري تخدمه الطائرات. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا الحديثة مكنت عددا غير مسبوق من المسلمين من الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج، فإنها قللت أيضا من دور الحج كوسيلة لنشر الأفكار، والسلع، والأخبار، والإحساس بوجود أمة موحدة. قد يكون مشوقا أن نتعرف على كيفية تأثير التطورات «المحايدة» على التقاليد «الإسلامية» مثل الحج، لكن هذا في حد ذاته لا يشكل تاريخا «إسلاميا» على وجه الخصوص؛ إنه مجرد تاريخ عالمي عبر نماذج إسلامية. أما ما يقترن بالتاريخ الإسلامي بصورة خاصة فهو تلك الشعوب - العرب والفرس والأتراك - التي شكلته عن طريق توجيه الجغرافيا والتكنولوجيا (من بين عوامل أخرى) في اتجاهات محددة للغاية.
العرب
عام 2003، كتب روبرت كيلروي-سيلك - وهو سياسي وإعلامي بريطاني بارز - مقالا في مجلة «ذا صنداي إكسبريس» بعنوان «نحن لا ندين للعرب بأي شيء»، وفيه ذكر أن العرب ليسوا سوى «منفذي عمليات انتحارية، وباتري أطراف، وقامعي نساء». جاءت إدانة المقال ومؤلفه سريعة كالمتوقع، وقاد المجلس الإسلامي البريطاني الاحتجاجات. ليس غريبا على الإطلاق أن تسفر الأفكار البغيضة عن اعتراضات. ولكن الغريب في هذه الحالة أن يأتي الاعتراض على مقال عن «العرب» من مسلمين «غير عرب». وعلى الرغم من أنه معروف على نطاق واسع أن معظم المسلمين ليسوا عربا، فمن الواضح أن العرب لعبوا دورا محوريا للغاية في الحضارة والتاريخ الإسلاميين حتى إن مؤيدي الإسلام ومعارضيه على حد سواء يجمعون دائما بين «العرب» و«المسلمين».
على نحو مثير للاهتمام، تكشف المتابعة الدقيقة للتاريخ الإسلامي منذ بدايته الأولى أن الجمع بين العرب والمسلمين ليس أمرا غير عقلاني تماما. يمكن القول إن الإسلام بدأ دينا لأشخاص مصطفين وإنه استهدف العرب على وجه القصر. يذكر القرآن (سورة يوسف: الآية 2، وسورة الزخرف: الآية 3) أنه أنزل باللغة العربية
لعلكم تعقلون ، وهي عبارة تفترض أن من يخاطبهم يتحدثون اللغة العربية. علاوة على ذلك، كان اعتناق غير العرب للإسلام في عهد الخلفاء الأمويين يلقى تثبيطا عادة، وأولئك الذين اعتنقوا الإسلام أصبحوا «تابعين» للقبائل العربية. بعبارة أخرى، كي تكون مسلما لا بد أن تكون عربيا؛ أو على الأقل تكون عضوا فخريا. وطيلة قرون قال اليهود في الأراضي الإسلامية (عادة في بلاد فارس) إن محمدا كان حقا نبيا صادقا أرسله الله لنشر التوحيد، لكن بين العرب الوثنيين الذين احتاجوا إليه فحسب. (لم يعد اليهود الفرس يؤيدون هذا الرأي.) يأتي تأييد مثل هذه الفكرة من القرآن ذاته (سورة الأحقاف: الآية 12) الذي يقول:
صفحة غير معروفة
ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ...
على الرغم من ذلك، من الواضح أن هذه ليست الطريقة الوحيدة التي ينظر بها للأمور، وليس ذلك بالطبع ما آلت إليه الأمور. غير أن العرب وثقافتهم كانت لهم أهمية لدى كل المسلمين في عدد من النواحي. إن الربط الأولي بين الإسلام والعرب - علاوة على الاعتراض الأزلي (والبائد حاليا) على ترجمة القرآن - أسفرا عن أنه حتى المسلمين غير العرب كان لديهم سبب لتعلم أساسيات اللغة العربية على الأقل. ولا ضير في النظر إلى اللغة العربية - حتى بين الفرس - على أنها لغة الله (على الرغم من أن معظم المؤرخين المسلمين يعتقدون أن آدم وحواء تحدثا اللغة الآرامية). لابد لمن يريد قراءة الأعمال المهمة في الفقه الإسلامي وعلم اللاهوت والدراسات القرآنية وعلم الحديث والتاريخ وما إلى ذلك أن تكون لديه معرفة شاملة باللغة العربية. ولأن الإسلام انتشر في الأغلب في مناطق وفترات كان فيها الإلمام بالقراءة والكتابة محدودا للغاية، كثيرا ما تتضمن أولى تجارب المسلم في الإلمام بالقراءة والكتابة تعلم قراءة لغة الله وكتابتها.
نتيجة لذلك، حتى اللغات غير العربية صارت تكتب في صورة من الخط العربي جرى تعديلها لتلائم الطبيعة الخاصة للغات المنطوقة. فاللغات الفارسية والأردية (الهندية بالخط العربي) والتركية - حتى وقت حديث نسبيا - علاوة على مجموعة من اللغات الأخرى تستخدم الحروف الأبجدية العربية وتحتوي على كلمات عربية عديدة. لهذه الأسباب كان كل المؤلفين - بصرف النظر عن انتمائهم العرقي - في القرون القليلة الأولى من التاريخ الإسلامي يكتبون أعمالهم باللغة العربية. لذا قد تقارن اللغة العربية باللغة الصينية التي أتاح ثباتها على مدار آلاف السنين للدارسين الصينيين الاطلاع على أفكار من سبقوهم واتخاذها أساسا لأفكارهم؛ مما أدى إلى أن العديد من الابتكارات التي غيرت العالم قد نشأت هناك؛ بدءا من الورق، والطباعة، والبوصلة، والبارود إلى الألعاب السحرية والكونغ فو. وكلغة أكاديمية يتشاركها المتحدثون غير الأصليين لها، تستدعي اللغة العربية إلى الأذهان أيضا استخدام اللغة اللاتينية في أوروبا قبل الحداثة وأثناء العصر الحديث المبكر. لقد سمح انتشار اللغة العربية كلغة أكاديمية للدارسين - مسلمين وغير مسلمين على حد سواء - بنقل أفكارهم عبر الحدود والأجيال، ونتج عن ذلك نتائج مبهرة حقا في العديد من المجالات. فقد ترجم على سبيل المثال قدر كبير من المؤلفات اليونانية القديمة إلى اللغة العربية تحت رعاية الخلفاء في القرن التاسع، وذلك في وقت فقد فيه معظم أهل الغرب القدرة على الاستمتاع بهذا التراث؛ ومن خلال ترجمات هذه النسخ العربية من اليونانية إلى اللاتينية، أعادت أوروبا اكتشاف الكثير من هذه الأعمال والأفكار التي تتضمنها. ومن ثم قيل (إن لم يكن قد أقر على نطاق واسع) إن «عصر النهضة» كما نعرفه ما كان ليحدث إن بقي العرب ولغتهم في شبه الجزيرة العربية.
لا شك أن تأسيس حضارة إسلامية لم يكن ليحدث إن بقي العرب في شبه الجزيرة العربية، والعرب هم من فتحوا الشرق الأدنى، وشمال أفريقيا، وشبه جزيرة أيبيريا، وآسيا الوسطى. علاوة على ذلك، أرسى العرب الأسس السياسية والأيديولوجية التي بنيت عليها الإمبراطوريتان العباسية والأموية. لكن في حين احتفظت اللغة العربية وثقافتها بأهميتهما للإسلام في الأزمان الحديثة، تخلف العرب أنفسهم في بعض النواحي؛ فحتى في ذروة الثقافة الإسلامية العربية في القرنين التاسع والعاشر، كانت معظم الشخصيات الثقافية اللامعة من غير العرب. عرف الكندي (الذي توفي عام 873) باسم «فيلسوف العرب»؛ ليس لأن معظم الفلاسفة كانوا من العرب ولكن لأنهم لم يكونوا كذلك تحديدا. وبدءا من القرن العاشر فصاعدا، كثيرا ما وجد العرب أنفسهم خاضعين لحكم آخرين؛ عادة ما كانوا إخوة في الدين من الفرس أو البربر أو الأتراك.
شهد انقسام الإمبراطورية العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى إعادة تشكيل عام للعناصر الدينية والعرقية في الشرق الأدنى مع تسابق جماعات مختلفة للتأسيس لهويات قومية وفوق قومية. ومع أن البحث عن هوية اجتماعية بدأ مع الإسلام - الذي قدم عامل توحيد جاهز من خلال فكرته عن الأمة - كان العديد من المفكرين العرب مسيحيين، وسعوا لتعزيز الهوية «العربية» بدلا من الهوية «الإسلامية». لذا كانت القومية العربية والوحدة العربية عن قصد حركتين علمانيتين (وكثيرا ما كانتا اشتراكيتين). لكن بسبب فشل تجربة الوحدة العربية التي تبناها عبد الناصر (1958-1961)، وعجز الدول العربية عن هزيمة إسرائيل، وعوامل أخرى كثيرة، بزغ نجم الأيديولوجيات الإسلامية مجددا لتحل محل الوحدة العربية كعامل توحيد في الشرق الأدنى وما وراءه.
في هذا السياق كانت الحدود الفاصلة بين الحركات المتمركزة حول العرب وتلك المتمركزة حول الإسلام أحيانا غير واضحة؛ فقد أكد ميشيل عفلق (الذي توفي عام 1989) - أحد دعاة القومية العربية البارزين - أن الإسلام هو الإنجاز الأعظم للعرب، وأن محمدا أعظم أبطاله؛ هذا مع أنه كان مسيحيا سوريا. علاوة على ذلك، استطاع أفراد وأمم كاملة في الوقت ذاته تشجيع هويات متعددة؛ فقد ناصر معمر القذافي كلا من الوحدة العربية والأفريقية، واستكشف بعض اللبنانيين جذورهم الفينيقية، وكذلك استكشف الفلسطينيون خلفيتهم الكنعانية وذلك على سبيل المثال لا الحصر. والمثير للاهتمام أنه على الرغم من أن «الإسلام» و«العرب» كانا متلازمين في البداية - كي تكون مسلما لا بد أن تكون عربيا - فبحلول منتصف القرن العشرين كانت الأيديولوجيات العربية والإسلامية في صراع مباشر من أجل اجتذاب قلوب وعقول شعوب الشرق الأدنى. ففي العالم العربي كانت الهيمنة للحركات الإسلامية، لكن صوب شرق هذا العالم - في إيران - نجد السباق بين الولاءات الدينية والعرقية سباقا حامي الوطيس.
الفرس
يدين العرب والأتراك - كما سنرى - للإسلام بالفضل في تصدرهم للمسرح العالمي. أما الفرس، فليسوا كذلك. للفرس تاريخ طويل باعث على الفخر من الاستقلال يرجع إلى حكم الأخمينيين (559-330 قبل الميلاد)؛ وحينما هزم الفاتحون العرب الإمبراطورية الساسانية (التي حكمت من 224-651)، كانوا يضعون نهاية لنحو 12 قرنا من استقلال سياسي وحكم ذاتي فارسي كاد يكون متواصلا. لذا، بينما كان ظهور الإسلام نجاحا تاما للعرب والأتراك، كان أشبه بنعمة ونقمة للفرس الذين فازوا بالتوحيد والدين الحنيف لكنهم خسروا إمبراطوريتهم واستقلالهم. ومع أن المسلمين الأوائل أقاموا دولتهم في الأراضي البيزنطية والساسانية سابقا، فالساسانيون هم من تكبدوا تكلفة باهظة؛ إذ كان بإمكان الرعايا البيزنطيين الذين فتحت أراضيهم أن يفروا إلى أجزاء أخرى من الإمبراطورية لم تخضع للفتح الإسلامي، وكان بإمكان أي ثقافة مسيحية أو يونانية اجتثتها يد الفتوحات أن يعاد غرسها من جديد في الأراضي البيزنطية الباقية. على النقيض، فتح المسلمون الإمبراطورية الساسانية بالكامل، ومع أن بعض الزرادشتيين فروا إلى الهند (حيث عرفوا باسم «البارسيين» منذ ذلك الحين)، فلم يكن أمام الثقافة الفارسية سوى الاندثار. وكان لكل هذا تبعات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل.
على المدى القصير، تصدى الشعب الفارسي (وأراضيه) للجيوش العربية بشراسة، وهو ما كان يعني أن الخضوع لحكم الخلافة، والتحول إلى الإسلام، واستيطان العرب، والتعريب في بعض الأقاليم كانت أمورا ظاهرية. وفي معظم المناطق سمح لشخصيات فارسية بارزة بأن تحتفظ بقدر من السلطة، ولذا بقيت العادات الإدارية الفارسية. وعلى نحو غريب، نظر الكثيرون من الفرس إلى الفتوحات الإسلامية على أنها تحول مؤقت يمكن الرجوع عنه. وعلى مدار القرنين التاليين ظهر عدد كبير من «المخلصين» هدفهم المعلن استعادة الوضع الديني والاجتماعي والسياسي الذي كان قائما قبل الفتح الإسلامي. وقد نظر بعض المؤرخين المعاصرين وحتى بعض المراقبين آنذاك (على نحو خاطئ) إلى أحداث مختلفة في التاريخ الإسلامي على أنها أمثلة لحركات تحرير الفرس، ومن بينها الثورة العباسية، وتأسيس بغداد، وظهور البويهيين والسامانيين والصفويين، وتبني الحكام الصفويين ورعاياهم للمذهب الشيعي. ومثل هذا التفسير للأحداث غير صحيح في كل حالة، لكنه دقيق في إدراكه العام للتأثير المربك الذي خلفه ظهور الإسلام على كثير من الفرس.
على المدى المتوسط، وبدلا من القضاء على الآثار التي ترتبت على مجيء الإسلام، تأسلم الفرس وثقافتهم الفارسية. حدث هذا على نحو أكثر وضوحا تحت حكم العباسيين الذين أسسوا قاعدتهم السياسية من أنقاض المؤسسات الساسانية، عن طريق الانتقال إلى العراق. لم يقتصر الأمر على أخذ العباسيين التنظيم الحكومي والسياسي من التقاليد الفارسية (مثلما أخذ الأمويون في سوريا أشكال التنظيم البيزنطي)، بل إن جوانب كثيرة من الحضارة العباسية - بما في ذلك الأدب والتاريخ والعلوم الدينية والدراسات القرآنية بل والشعر العربي واللغويات - تشكلت وتأثرت بأشخاص ألفوا الكتب باللغة العربية لكنهم كانوا يتحدثون اللغة الفارسية في حياتهم اليومية. كان الفرس مدركين كثيرا لتفوقهم الثقافي، وظهرت حركة أدبية تدعم الثقافة الفارسية وتذكر العرب بما يدينون به من فضل لها. حتى العلامة ابن خلدون (الذي توفي عام 1406) - الذي كان يكتب في الغرب الأقصى من العالم الإسلامي - أورد في كتابه «المقدمة» فصلا تحت عنوان «في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم».
صفحة غير معروفة
على المدى الطويل، اصطبغت الثقافة الإسلامية نفسها بصبغة فارسية، رغم وجود بدائل أخرى ممكنة. بدأت هذه العملية بظهور السلالات الحاكمة الفارسية شبه المستقلة في الشرق العباسي، حيث اتخذ الحكام ألقابا ساسانية، وتتبعوا سلاسل النسب الساسانية لأسرهم الحاكمة، والأهم من ذلك أنهم وفروا الرعاية للأدب باللغة الفارسية. ربما يكون العمل الأدبي الأكثر شهرة والمكتوب باللغة الفارسية «شاهنامه» («كتاب الملوك») قد كتب أثناء حكم السامانيين وأهدي إلى أحد الحكام الغزنويين. يسرد الكتاب بأسلوب ملحمي كل ما اعتقد أنه ذو أهمية حقيقية في التاريخ الإيراني، بدءا من خلق العالم وانتهاء على نحو مفاجئ وشديد الأثر بهزيمة المسلمين للقوات الساسانية في معركة القادسية (عام 637).
علاوة على كل العوامل الأخرى، أدى انتشار الأتراك، والمغول، والمغول الأتراك في الأراضي الإسلامية وداخلها إلى ازدهار الأدب الفارسي حتى - أو خصوصا - خارج إيران. لعبت الدعوات التبشيرية الناطقة بالفارسية دورا محوريا في انتشار الإسلام إلى الشرق، وليس من قبيل الصدفة أن المصطلحات الدينية المستخدمة من جانب المسلمين الصينيين تفضل كلمات فارسية مثل «نماز» (بمعنى الصلاة) على مرادفاتها العربية. وقبل دخول القبائل التركية التي ينحدر منها العثمانيون والسلاجقة إلى العالم الإسلامي في أواخر القرن العاشر، كانت هذه القبائل قد تحولت إلى الإسلام على أيدي الفرس؛ وهكذا غربل الدين الذي وصلهم بفعل مصفاة فارسية. وعندما أقام السلاجقة سلالة حاكمة في إيران/العراق، كانت نماذجها الإدارية والأدبية فارسية، وعندما انتقل أقاربهم غربا لفتح الأناضول وتأسيس الإمبراطورية العثمانية، اتخذت الفارسية هنا أيضا لغة للثقافة.
أيضا ساهمت فتوحات المغول والتيموريين - رغم طبيعتها التدميرية - في نجاح اللغة الفارسية. من ناحية، لما لم يكن للمغول في إيران (الذين استعانوا بإداريين إيرانيين محليين) علاقة باللغة العربية كلغة دينية، فإنهم شملوا برعايتهم المنح التعليمية الفارسية حتى في تلك المجالات التي كانت قاصرة حتى ذلك الوقت على اللغة العربية. ومن الناحية الأخرى، أجبرت الفوضى التي تسببت فيها الفتوحات الباحثين الإيرانيين البارزين على السعي وراء الأمان (والرعاية) في مكان آخر؛ الهند الإسلامية في الأغلب. وفي ظل حكم سلاطين دلهي وسلاطين المغول على وجه الخصوص، كان الأدب الإسلامي الهندي، والفنون (الرسم على وجه الخصوص)، وشئون الإدارة الإمبراطورية فارسية لغة وشكلا، وكذلك شهدت الأراضي المغولية إنتاج بعض أرقى نماذج الثقافة الفارسية. لذا كانت الفارسية اللغة البارزة للثقافة الرفيعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي بدءا من القرن الحادي عشر وحتى القرن التاسع عشر (بل وحتى وقت متأخر عن ذلك في بعض المناطق). وحتى عندما أفل نجم الفارسية أخيرا على يد اللغة الإنجليزية ثم الأردية والهندية في الهند، وعلى يد اللغة التركية والعربية في الأقاليم فيما بعد الحكم العثماني، كان أثرها لا يزال ملموسا على عدة مستويات؛ فالأدب الأردي لا يزال يقتفي أثر النماذج الفارسية، وأهل الغرب العصريون يقرءون الكتابات الصوفية للرومي (توفي عام 1273) الذي قيل عنه إنه «لم يكن نبيا لكنه أوتي الكتاب». كذلك وجد الأدب الفارسي معجبين في أعمال جوته (الديوان الغربي الشرقي) وبوتشيني (توراندوت) من بين عدة مؤلفين غرب آخرين.
من الواضح أن هناك الكثير من الأمور التي يفخر بها الفرس؛ بوصفهم قادة إمبراطوريين في عصور ما قبل الإسلام ورواد ثقافة وإدارة في العصور الإسلامية. كفل الوصول المتأخر للهيمنة الغربية غير المباشرة إلى إيران عام 1907 (حينما قسمت البلاد إلى مناطق نفوذ على يد بريطانيا وروسيا) عدم ضعف الوطنية الإيرانية قط. وعلاوة على ذلك، ساهمت مقاومة الفرس لانتشار اللغة العربية - بالإضافة إلى الهوية الشيعية لإيران - في نشر مشاعر التفرد القومي طيلة قرون.
الجانب الآخر لكل هذا أنه حينما عجزت مكانة إيران في العالم عن تلبية الطموحات والتطلعات القومية، كان يجري بين الحين والآخر البحث عن المسوغات في مواضع غريبة (وخطيرة). فمنذ بداية القرن العشرين حينما كان التدخل الأجنبي في البلاد في ذروته، شاعت على نحو واسع - حتى بين النخب الدينية والسياسية في البلاد - نظريات المؤامرة التي تربط المحن التي مرت بها إيران بمخططات سرية وضعها الروس، والبريطانيون، والأمريكيون، والصليبيون/المسيحيون، والصهاينة/اليهود، والماسونيون، والبهائيون، بل والشيطان.
شكل 2-1: جدارية على السفارة الأمريكية السابقة في طهران بإيران تشير إلى وجود مؤامرة أمريكية-إسرائيلية-شيطانية للسيطرة على العالم.
1
بعض هذه النظريات أقل غرابة من البعض الآخر؛ فجهاز المخابرات الأمريكية أدار انقلاب عام 1953 الذي أطاح بالحكومة الإيرانية، لكن من المنافي للعقل القول إن آية الله الخميني كان عميلا بريطانيا أو أمريكيا، أو أن اليهود والماسونيين تآمروا منذ البداية لنشر الهلينية (!) على حساب إيران. ومما لا شك فيه أنه كان لإيران والفرس تأثير تشكيلي على حدود الحضارة الإسلامية ومضمونها، غير أنهم - في نواح عدة - ما كانوا ليستطيعوا تحقيق هذا دون مساعدة الأتراك.
الأتراك
تزخر علاقة الأتراك بالتاريخ الإسلامي بالمفاجآت التي يكاد جميعها يكون سارا. المفاجأة الأولى هي أنهم لم يسعوا قط للدخول في تلك العلاقة. فقد أقام الأتراك - في تاريخ ما قبل العصور الإسلامية - سلسلة من الإمبراطوريات (في الفترة ما بين 552-840 تقريبا، وفي القرن العاشر في المناطق الغربية من السهل الأوراسي)، واعتنقوا عددا من الأديان في تلك الأثناء، من بينها المانوية والبوذية والمسيحية النسطورية واليهودية، بالإضافة إلى الإبقاء على الأشكال التقليدية من الشامانية. علاوة على ذلك وعلى عكس العرب والفرس، لم يكن الأتراك سكانا أصليين للشرق الأدنى ؛ إذ كانت منغوليا موطنهم الأصلي . ولما كان الأترك بدوا من السهل الأوراسي، فقد عاشوا بالقرب من حضارات مستقرة يذرعون الطرق من الشرق إلى الغرب، وأحيانا يقيمون دولا خاصة بهم. ثمة علاقات وثيقة جمعت بين إمبراطورية الأتراك الأويغور (744-840) - على سبيل المثال - والصينيين، فكانوا يستبدلون بالخيول الحرير (بأسعار مميزة للأتراك) ويقيمون علاقات مصاهرة بين الحين والحين مع الأسر الحاكمة الصينية. وكشعوب الهون في القرون الأولى والمغول في القرون اللاحقة، كانت الحضارة الصينية الهدف الجوهري للأتراك. وإن ترك الخيار للأتراك في هذه المسألة، لانضموا على الأرجح إلى العالم المتوطن في الصين بدلا من الشرق الأدنى. لذا، كان دخولهم العالم الإسلامي أول مرة ضد إرادتهم حينما دخلوه عبيدا عسكريين في العشرينيات من القرن التاسع.
صفحة غير معروفة
من المهم أن نلاحظ أنه على الرغم من الروابط اللغوية والعرقية التي جمعت ما بين الأتراك، فإنهم يتألفون من مجموعات عديدة غير وثيقة الترابط؛ حتى الشعوب التركية المترابطة اليوم - وإن كانت مستقلة بعضها عن بعض في الأساس - تنتشر انتشارا واسعا عبر آسيا؛ من تركيا عبر جنوب روسيا وإيران وآسيا الوسطى إلى غرب الصين أو «تركستان الشرقية». وبينما دخل الأتراك العالم الإسلامي أول مرة كصغار جنود عبيد، فإن الأتراك اللاحقين دخلوه طواعية بعد أن اعتنقوا الإسلام في نهاية القرن التاسع على يد التجار والزعماء الصوفيين (الذين لا بد أنهم شابهوا الشامانات في أديانهم). وفي حالة القراخانيون في بلاد ما وراء النهر (992-1212)، فالعالم الإسلامي هو الذي جاء إلى الأتراك، لكن في معظم الحالات الأخرى كان الأتراك هم من ذهبوا إلى العالم الإسلامي.
المفاجأة الثانية هي أن الجنود العبيد (الغلمان) الأتراك الذين أبدوا ولاء شديدا لخليفتهم وافتقروا إلى الطموح السياسي سرعان ما هيمنوا على البلاط العباسي في القرن التاسع وأسسوا في النهاية دولا خاصة بهم، بدءا من المماليك في الغرب (الذين كانوا غلمانا أيوبيين) حتى الغزنويين (الغلمان السامانيين) وسلاطين دلهي (الغلمان الغوريين) في الشرق. وقد نسبت أهمية سياسية كبيرة لأولئك الأتراك الذين جاءوا إلى العالم الإسلامي من موضع قوة - كغزاة حازوا النفوذ والشهرة على الطريقة التقليدية - بالجمع بين الدبلوماسية، والاستراتيجية، وأيديولوجية موحدة، والقوة العسكرية. وإلى هذه الفئة ينتمي السلاجقة والعثمانيون والمغول والصفويون. حينما بدأ الخليفتان المؤمن والمعتصم في جلب الأتراك إلى الأراضي الإسلامية في القرن التاسع لم يتوقعا قط أن الأتراك (الذين ولدوا أحرارا) سيكونون آخر الشعوب التي تتولى منصب الخليفة حينما ألغاه العثمانيون عام 1924.
وهكذا عاش معظم المسلمين على مدار ما يزيد عن ألف سنة تحت حكم الأتراك أو في حمايتهم. ولا غرو إذن في أن علم المصطلحات التركية والممارسات الإدارية التركية قد تركتا بصمتهما على التاريخ الإسلامي، وخصوصا في العصور الكلاسيكية والحديثة المبكرة. والواقع أن كلمة «دمغة» - مرادف «طابع» في اللغة العربية الحديثة - هي كلمة تركية قديمة (كانت تنطق في الأصل «تمغة») وتعني «وسما قبليا» في عصور ما قبل الإسلام و«رسما تجاريا» في العصر المغولي. وهذه الرحلة وليدة الصدفة لهذه الكلمة بدءا من منغوليا القديمة إلى العالم العربي الحديث توضح على نحو منظم نطاق نشاط الأتراك ومداه في التاريخ.
والمفاجأة الثالثة (للتاريخ وليس لنا حتى الآن) هي أن الأتراك كثيرا ما كانوا يفضلون نشر اللغة الفارسية وتطويرها بدلا من الأدب التركي. أنتج الأتراك أعمالا أدبية خاصة بهم؛ فالوثائق التركية الأولى يرجع تاريخها إلى القرن الثامن، وبحلول القرن الحادي عشر، كانت تكتب الأعمال التركية الإسلامية التي حظي اثنان منها - عمل ينتمي لأدب «مرايا الأمراء» أو «الآداب السلطانية» من عام 1068 ومعجم عربي تركي من عام 1077 - بشهرة واسعة. وعلى الرغم من ذلك، اعتمد الأتراك على الفرس في كل الأعمال الأدبية، وتلك حقيقة مسجلة في قول مأثور يعود تاريخه للقرن الحادي عشر، ووفقا لهذا القول فإنه «لا يوجد تركي من دون إيراني مثلما لا توجد قبعة من دون رأس». بدأ تأليف الأدب باللغتين التركية الغربية (العثمانية) والشرقية (الشاغاتية) في البلاط التركي، وزاد في القرن الخامس عشر. لذا كتبت السيرة الذاتية للقائد المغولي بابر باللغة الشاغاتية مع أن الثقافة الرفيعة في البلاط المغولي كانت فارسية اللغة. مع ذلك، فإنها مفارقة أن يكتب أحد مؤسسي الثقافة الأدبية التركية - علي شير نوائي (الذي توفي عام 1501) - عملا جدليا عن تفوق اللغة التركية على الفارسية، وأن يكون نحو ثلثي اللغة المستخدمة في العمل فارسية.
ثمة مفاجأتان أخريان تتعلقان بالثقافة، وهما حقيقة أن رمز «الهلال والنجمة» الذي كثيرا ما يقرن بالإسلام تعود أصوله إلى التركية القديمة (وليس العربية أو الفارسية)، وأن الأتراك غذوا حرفيا الحضارات الإسلامية (وحضارات أخرى) بتأثيرهم فيما يتعلق بفنون الطهي؛ فالزبادي ومحشو ورق العنب (دولمة) والكباب والشاورما والبقلاوة وغيرها الكثير من الأطعمة المعروفة تنسب للأتراك (مع أن القهوة التركية ليست كذلك). وإن ثبتت صحة الرواية القائلة إن خبازي فيينا قد ابتكروا الكعكة الهلالية احتفالا بفشل الحصار العثماني لمدينتهم عام 1683، فإننا ندين لهم - على الأقل بصورة غير مباشرة - بالفضل في معرفة الكعك الهلالي أيضا.
المفاجأة الأخيرة أن شعبا مثل الأتراك المعروفين على مدار زمن طويل بالبسالة العسكرية طالما اتصف بالتسامح الملحوظ تجاه الثقافات والأديان الأخرى والانفتاح عليها. ربما كان ترحال الأتراك عبر طريق السهل الأوراسي سببا في احتكاكهم بثقافات عديدة لا يرتبط بعضها ببعض، على نحو لم يحدث مع بدو آخرين. (على النقيض، احتك العرب أثناء ترحالهم الموسمي بشعوب جاورتهم من الشمال والجنوب والشرق - بينما كان البحر الأحمر يحدهم من الغرب - وكانت في الأساس شبيهة بهم غير أنها كانت قليلة الترحال.) لهذا السبب فإن للأتراك تاريخ طويل من التضمين الطوعي لعناصر من ثقافات أخرى داخل ثقافتهم، مثلما يتضح من اقتباسهم أدب الآخرين حسبما كان الحال مع الثقافة الرفيعة الفارسية، وأيضا من مرورهم بأبجديات عدة إلى أن استقروا على الأبجدية العربية مثل غيرهم من الشعوب الإسلامية الأخرى. وعلى نحو معبر، فإن قدرتهم على التكيف مع الظروف المتغيرة قد دفعتهم - على النقيض من العرب أو الفرس - إلى استخدام الأبجدية اللاتينية في القرن العشرين؛ وهو تغير لم يمر به الأتراك في تركيا فحسب، ولكن مر به أيضا الأتراك في أوزبكستان وتركمانستان وأذربيجان. نوعا ما، أثبت الأتراك حنكتهم في تحديد الاتجاهات الفائزة ومهارتهم الكبيرة في تكييف مجتمعاتهم معها. يمكن ملاحظة هذا الأمر في اعتناقهم الإسلام، وتبنيهم الحداثة ، واستخدامهم اللغة الفارسية كلغة أدبية والبارود (على عكس ما قد يرتبط بعاداتهم الأصلية). ربما يحتج العرب والفرس بكونهم شديدي الفخر بعاداتهم بما لا يسمح لهم بالتخلي عنها تحت ضغط الغرباء، لكن قد يرد الأتراك بأنهم إلى جانب تبني الثقافة السائدة - وهي الحداثة في هذه الحالة - والتكيف معها، فإنهم أيضا يحافظون على عاداتهم.
ملخص
أشار الفقهاء المسلمون منذ القرن التاسع إلى العالم الإسلامي على أنه دار الإسلام، ومع أن المصادر لا تستطرد في الحديث عن هذا المجاز، فإنني أميل إلى فعل ذلك. وفقا لهذه الصورة المجازية، فالأرض التي بنيت عليها الدار حصل عليها أول الأمر العرب الذين وضعوا أيضا أسس الدار وخططها المعمارية. كان معظم الطوب الذي بنيت منه الدار فارسيا وكذا معظم البنائين؛ وعلى مدار جزء كبير من التاريخ الإسلامي - من القرن التاسع حتى القرن التاسع عشر - كان الأتراك (الذين كانت لهم إسهاماتهم أيضا فيما يتعلق بالطعام المقدم في تلك الدار وبما احتوت عليه من بسط) ملاكها. أما عن الشيعة، فقد اعتقدوا منذ زمن طويل أن الدار بنيت على أسس متزعزعة، واليوم انقسم البناء إلى شقق فردية ذات أحجام متباينة. ومنذ القرن الثامن عشر، هيمنت على التصميم الداخلي للبناية الطرز الغربية التي تعارضت مع الديكور التقليدي في بعض الشقق؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور بقع قبيحة المنظر. قد يقول الإسلاميون إن الشقق ليست سوى غرف في فندق رديء بحاجة إلى اهتمام عاجل؛ الأمر الذي يجعلهم يتمنون إزالة البناية بأكملها وإعادة بنائها من جديد. تحاول هذه الصورة المجازية الممتدة توضيح كيف أن شعوب التاريخ الإسلامي المختلفة تفاعلت بعضها مع البعض، واتحدت من أجل بناء شيء لكل منهم نصيبه الجوهري وقدره من المساهمة فيه مع اختلاف السبل.
هوامش
الفصل الثالث
صفحة غير معروفة
المؤسسات
نعرف من قصة التاريخ الإسلامي كيف كانت المجتمعات الإسلامية المختلفة على مر العصور، ونعرف أيضا أن مصائر المسلمين والإسلام تأرجحت باختلاف الزمان والمكان؛ بل أحيانا في الزمان والمكان الواحد. وحتى لو قصرنا اهتمامنا على زمان ومكان معينين، ثمة مقاييس متنوعة يمكن في ضوئها قياس المجتمعات الإسلامية؛ فرغم كل ما يقال عن «العصور الذهبية» - تحت حكم الخلفاء الراشدين أو العباسيين الأوائل أو الأمويين الأندلسيين أو في أي وقت آخر - نادرا ما كان اعتناق الإسلام، والإنتاجية الثقافية الإسلامية، والحكم السياسي الإسلامي يتزامن بعضها مع بعض في أي مكان.
إلى حد ما، يمكن تفسير هذا التنوع اللافت للنظر عن طريق التعريف بالشعوب المختلفة التي برزت في التاريخ الإسلامي؛ كل بما يحمله من مخزون ثقافي خاص به. لكن ضيق المساحة يجبرنا على تقديم بعض التعميمات (التي نأمل التماس العذر فيها)؛ فبالطبع ليس كل الأتراك متفتحي الذهن مثلما أنه ليس كل الفرس فخورين أشد الفخر بثقافتهم رفيعة الشأن. ثمة طريقة أخرى لتفسير هذا التنوع وتوضيحه، وهي دراسة المؤسسات التي كانت طابعا مشتركا - من الناحية النظرية - في كل المجتمعات الإسلامية، وإن كانت مختلفة - على أرض الواقع - في الأماكن والأزمنة المختلفة من التاريخ الإسلامي. ودراسات الحالة الثلاثة المختارة هنا هي المسجد، والجهاد، والخلافة (أو الإمامة). الأولى مؤسسة مادية، والثانية دينية قانونية، أما الثالثة فتجمع بين سمات المؤسستين الأولى والثانية معا.
المسجد
في الحلقة الأولى من المسلسل التليفزيوني البريطاني الشهير «الحضارة» الذي يدور حول تاريخ الفن، علق لورد كلارك على أن المباني الرومانية الإغريقية تميزها:
نفس اللغة المعمارية، ونفس التصوير الخيالي، ونفس المسارح، ونفس المعابد؛ فيمكنك العثور عليها في أي وقت على مدار 500 سنة في جميع أرجاء دول البحر المتوسط - في اليونان، أو إيطاليا، أو آسيا الصغرى، أو شمال أفريقيا، أو جنوب فرنسا ... هذا المبنى ... هو معبد إغريقي صغير ربما وجد في أي مكان في العالم الروماني الإغريقي.
اتصفت بعض المساجد الأولى التي بنيت في الأقاليم المفتوحة بالسمات المعمارية الرومانية الإغريقية أيضا، ولكن بدلا من الإشارة إلى أن الثقافة الإسلامية كانت الوريث للتقاليد الكلاسيكية، أظهرت تلك المساجد العكس تماما. لم يحاول الحكام المسلمون أن يفرضوا طراز بناء (رومانيا إغريقيا) موحدا في كل مكان ذهبوا إليه؛ بل كانت العادات المحلية هي التي تؤثر في المسلمين الذين كيفوا المباني القائمة - ومواد البناء وأساليبه حينما كانوا يبدءون من لا شيء - بما يتلاءم واحتياجاتهم. وفقا لذلك، أثر الموروث الثقافي الروماني الإغريقي على المعمار الإسلامي فقط في الأراضي التي استولى عليها المسلمون من أيدي البيزنطيين.
ما الذي يحتاجه المسجد؟ على وجه التدقيق، ثمة نوعان من المساجد؛ الأول هو المسجد أو «مكان العبادة»، والثاني هو الجامع، وهو مسجد يقام في المدينة، ومثلما يشير الاسم فإنه يجمع المسلمين معا من أجل الصلاة وغيرها من الأمور الدينية الأخرى. ولما كانت المساجد مكانا للعبادة، فإنها تستلزم في المقام الأول وجود متعبدين وأئمة للصلاة. ومع أن بعض المتعبدين يبقون في المسجد بين الصلوات (بل يتناولون الطعام وينامون هناك)، فهؤلاء الأشخاص ربما يمثلون جزءا من أثاث المسجد وليس تصميمه المعماري. يستلزم المكان نفسه وجود مكان للوضوء قبل الصلاة (بما في ذلك المصدر الضروري للمياه النقية)، و«محراب» يحدد مكان مكة التي يتخذها المسلمون قبلة للصلاة، وأيضا - في أغلب الأحيان وليس جميعها - «منبر» تلقى منه الخطب، ومئذنة يدعى من خلالها المسلمون للصلاة خمس مرات يوميا.
شكل 3-1: مسجد في غرب أفريقيا (جينيه، مالي).
1
صفحة غير معروفة
شكل 3-2: المسلمون في مسجد نيوجيه (بكين، الصين).
2
شكل 3-3: مسجد الحسن الثاني (الدار البيضاء، المغرب).
3
لا غرو أن أكبر مسجد في العالم هو المسجد الحرام الذي بني حول الكعبة في مكة التي يتوافد إليها ملايين الحجاج كل عام. وعلى نحو غير متوقع إلى حد ما، يقال إن ثاني أكبر المساجد هو مسجد الحسن الثاني في الدار البيضاء بالمغرب. المسجد الذي تم بناؤه على مدار سبع سنوات (1986-1993) على يد أكثر من 6000 شخص (عادة ما كانوا يعملون ليل نهار) يتسع لعدد 25000 شخص، وبه أطول مئذنة في العالم (نحو 213 مترا). إنه مبنى مذهل بكل المقاييس؛ حيث الأرضية الزجاجية (المبنية جزئيا فوق سطح الماء)، والسقف المنزلق الأوتوماتيكي، وأشعة الليزر التي تشير إلى مكة أثناء الصلوات الليلية، والأرضيات الرخامية الدافئة، والأبواب الكهربائية، والأسقف المزينة بالرسوم والنقوش، وأعمدة الجرانيت الأبيض، والثريات الزجاجية المستوردة من إيطاليا. ما لا يقل إثارة للدهشة عما سبق حقيقة أن الشعب المغربي (حتى الفقراء منه) تحملوا بالكامل تكلفة بناء هذا المسجد التي بلغت 800 مليون دولار.
من منظور الشريعة الإسلامية، ليست المساجد ضرورية بالأساس؛ فكل ما يحتاجه المسلم لأداء الصلوات هو سبيل للوضوء، وسطح نظيف للسجود، ودراية بموقع مكة. لذا كثيرا ما يرى زوار العالم الإسلامي مجموعات كبيرة من الرجال يؤدون الصلاة في شوارع المدن ظهر يوم الجمعة. لم تبنى المساجد من الأساس إذن؟ ولم ينفق عليها 800 مليون دولار؟ قدم الفقهاء منذ زمن عددا من الإجابات عن السؤال الأول مؤكدين على التأثير الزائد للصلاة الجماعية والأهمية الخاصة للأماكن المقدسة (مثل مكة والمدينة؛ تماما مثلما يصلي اليهود عند «حائط المبكى» مع أنهم - مثل المسلمين - يؤمنون بوجود الله في كل مكان). أما الإجابة عن السؤال الثاني فأكثر تعقيدا. من الواضح أن المسجد يتعدى كونه قاعة للصلاة؛ فقد لعبت المساجد دورين آخرين لهما أهمية تاريخية كبرى على مر القرون؛ الأول أنها رمز للانتصار والقوة موجه للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، والثاني أنها أداة عملية لتداول الأفكار داخل الأمة.
على مر القرون، عندما كان يفتح المسلمون أرضا، كانت لهم حرية بناء المساجد أينما شاءوا. والواقع أنه بقدر ما كانت الشريعة الإسلامية تحمي الكنائس والمعابد التابعة لغير المسلمين (ما دامت لا تطغى على دور العبادة الإسلامية)، فإن الأماكن الوحيدة المحظورة على المسلمين في هذا السياق هي دور العبادة القائمة بالفعل. على الرغم من ذلك، يزخر العالم الإسلامي - بدءا من القرن السابع وحتى القرن الحادي والعشرين - بمساجد كانت في وقت من الأوقات كنائس ومعابد. فقد بني المسجد الأقصى وقبة الصخرة المجاورة له فوق جبل الهيكل في القدس، والمسجد الأموي في دمشق كان فيما سبق كنيسة يوحنا المعمدان (وقبلها كان معبدا رومانيا)، وكنيسة آيا صوفيا تحولت على يد السلطان محمد الثاني إلى مسجد آيا صوفيا بإسطنبول (واستكمالا للقصة، فقد حول المسجد مرة أخرى إلى متحف عام 1935). وتوجد مئات الأمثلة على هذه العملية، وكذلك حالات عديدة حدث فيها التحول ولكن في الاتجاه الآخر؛ فأثناء الحملات الصليبية، حولت المساجد (التي كان العديد منها كنائس في الأساس) إلى دور عبادة مسيحية، ولم تعد مساجد مرة أخرى إلا عندما طرد الفرنجة من الأرض المقدسة عام 1291. بالمثل، بني جامع قرطبة في القرن العاشر في مكان كان معبدا ثم كنيسة حتى عاد في الثلاثينيات من القرن الثالث عشر كنيسة (وظل هكذا حتى اليوم).
وهكذا كان بناء المساجد وسيلة فعالة لنقل رسالة مفادها تفوق الإسلام على الأديان الأخرى. فالقضاء على الحضور الأبرز لثقافة منافسة في إحدى المدن يعطي إشارة واضحة بأن ميزان القوى قد انتقل بعيدا عن الموروث الأقدم، ويعيد الحسابات لصالح الإسلام. يريد معظم الناس أن يكونوا على الجانب الفائز من التاريخ، وعادة ما كان فتح الأراضي يتبع بتحول السكان المحليين إلى الإسلام على نطاق واسع. ويمكن أن تكون رسالة الانتصار التي يحملها المسجد موجهة أيضا إلى المسلمين أنفسهم، وثمة أمثلة عديدة لمساجد فريدة من الناحية المعمارية كان الهدف من تشييدها ترك انطباع محدد لدى المسلمين المحليين. لذا من المرجح أن يكون مسلمو العراق الذين شهدوا تشييد مسجد سامراء ومئذنته في القرن التاسع قد ربطوا شكل المبنى - المكون من الطوب اللبن الرافدي على شكل زقورة بابلية قديمة - بموروثات قديمة من الشرق الأدنى عن ملوك مفوضين من السماء يمكنهم الصعود إليها للحديث مباشرة مع الآلهة.
منذ العصور الأولى، استخدم الحكام المسلمون المساجد لنقل رسائل سياسية مهمة إلى المجتمعات الإسلامية البعيدة. فممثل الخليفة في المدينة كان يستحوذ على انتباه المجتمع حينما يحتشد الناس في الجامع أيام الجمعة وغيرها من الاحتفالات الدينية، وفي مثل هذه الظروف كان بإمكانه أن يذيع الرسائل الرسمية على نحو موثوق به. بالمثل، كانت الجماعات المحلية تتعهد بالولاء لخليفتها في الصلوات الأسبوعية عن طريق ذكر اسمه في الخطبة. كانت أسهل طريقة للتمرد على السلطات عدم ذكر اسم الحاكم في الخطبة أو - الأسوأ من ذلك - محاولة ذكر اسم أحد المنافسين. في عالم اليوم، تخلى في الأغلب القادة السياسيون المسلمون الذين يسعون إلى الوصول إلى أكبر جمهور ممكن عن هذه الوسيلة من وسائل التواصل مع رعاياهم ، ولجئوا بدلا من ذلك إلى وسائل الإعلام الحديثة. وبدلا من انتهاء دور المساجد، آل دورها كمدخل يستخدمه الإسلاميون للوصول إلى المؤمنين، ويتكون جمهور الإسلاميين المعتاد في الأغلب من رواد المساجد على أية حال، وهم يستفيدون أيما استفادة من حرمة المساجد. فما من سياسي - مهما بلغت درجة استبداده - يود أن يظهر بمظهر من يغير على المساجد، وحتى الرسائل المعارضة للمؤسسة الحاكمة يمكن نقلها داخل جدران المساجد مع التمتع بالحصانة.
شكل 3-4: المئذنة الملوية بالمسجد الكبير في سامراء (العراق).
صفحة غير معروفة