تاريخ الطبري
ويقول كثير من أهل الكتب إن الذي كان على منكبيه كان لحمتين طويلتين ناتئتين على منكبيه كل واحدة منهما كرأس الثعبان وأنه كان بخبثه ومكره يسترهما بالثياب ويذكر على طريق التهويل أنهما حيتان يقتضيانه الطعام وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاع كما يتحرم العضو من الإنسان عند التهابه بالجوع والغضب ومن الناس من يقول كان ذلك حيتين وقد ذكرت ما روي عن الشعبي في ذلك والله أعلم بحقيقته وصحته
وذكر بعض أهل العلم بأنساب الفرس وأمورهم أن الناس لم يزالوا من بيوراسب هذا في جهد شديد حتى إذا أراد الله إهلاكه وثب به رجل من العامة من أهل أصبهان يقال له كابي بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه وقيل إنه لما بلغ الجزع من كابي هذا على ولده أخذ عصا كانت بيده فعلق بأطرافها جرابا كان معه ثم نصب ذلك العلم ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته فأسرع إلى إجابته خلق كثير لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجور فلما غلب كابي تفاءل الناس بذلك العلم فعظموا أمره وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم علمهم الأكبر الذي يتبركون به وسموه درفش كابيان فكانوا لا يسيرونه إلا في الأمور العظام ولا يرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجهوا في الأمور العظام
وكان من خبر كابي أنه شخص عن أصبهان بمن تبعه والتف إليه في طريقه فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه قذف في قلب الضحاك منه الرعب فهرب عن منازله وخلى مكانه وانفتح للأعاجم فيه ما أرادوا فاجتمعوا إلى كابي وتناظروا فأعلمهم كابي أنه لا يتعرض للملك لأنه ليس من أهله وأمرهم أن يملكوا بعض ولد جم لأنه ابن الملك الأكبر أوشهنق بن فرواك الذي رسم الملك وسبق إلى القيام به وكان أفريدون بن أثفيان مستخفيا في بعض النواحي من الضحاك فوافى كابي ومن كان معه فاستبشر القوم بموافاته وذلك أنه كان مرشحا للملك برواية كانت لهم في ذلك فملكوه وصار كابي والوجوه لأ فريدون أعوانا على أمره فلما ملك وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك واحتوى على منازل الضحاك أتبعه فأسره بدنباوند في جبالها
وبعض المجوس تزعم أنه جعله أسيرا حبيسا في تلك الجبال موكلا به قوم من الجن
ومنهم من يقول إنه قتله وزعموا أنه لم يسمع من أمور الضحاك شيء يستحسن غير شيء واحد وهو أن بليته لما اشتدت ودام جوره وطالت أيامه عظم على الناس ما لقوا منه فتراسل الوجوه في أمره فأجمعوا على المصير إلى بابه فوافى بابه الوجوه والعظماء من الكور والنواحي فتناظروا في الدخول عليه والتظلم إليه والتأني لاستعطافه فاتفقوا على أن يقدموا للخطاب عنهم كابي الأصبهاني فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم فأذن لهم فدخلوا وكابي متقدم لهم فمثل بين يديه وأمسك عن السلام ثم قال أيها الملك أي السلام أسلم عليك أسلام من يملك هذه الأقاليم كلها أم سلام من يملك هذا الإقليم الواحد يعني بابل فقال له الضحاك بل سلام من يملك هذه الأقاليم كلها لأني ملك الأرض فقال له الأصبهاني فإذا كنت تملك الأقاليم كلها وكانت يدك تنالها أجمع فما بالنا قد خصصنا بمؤنتك وتحاملك وإساءتك من بين أهل الأقاليم وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا بيننا وبين الأقاليم وعدد عليه أشياء كان يمكنه تخفيفها عنهم وجرد له الصدق والقول في ذلك فقدح في قلب الضحاك قوله وعمل فيه حتى انخزل وأقر بالإساءة وتألف القوم ووعدهم ما يحبون وأمرهم بالانصراف لينزلوا ويتدعوا ثم يعودوا ليقضي حوائجهم ثم ينصرفوا إلى بلادهم
صفحة ١٢٣