256
وقد استوفى إحصاء العلوم وتعدادها وترتيبها أحسن استيفاء، وذكر في كل علم مشهور كتبه وأئمة مؤلفيه مع الدقة الفائقة، والترتيب المنطقي الجميل، والإحصاء الصحيح، وبخاصة علوم العرب والإسلام.
ولا ريب في أن هذه العلوم قد درست في عصور الإسلام الخمسة الأولى دراسات مختلفة بحسب طبيعة الزمان والمكان والظروف؛ ففي القرن الأول كانت عناية الناس بعلوم الدوحتين السادسة والسابعة؛ أعني علوم الدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه، كما كان لهم بعض اهتمام بعلوم الدوحتين الأولى والثانية؛ أعني علوم الخط والكتابة والإملاء والمفردات، مع قليل من علوم الدوحة الرابعة كبعض فروع العلم الطبيعي والعلم الرياضي.
وفي القرن الثاني عني الناس بعلوم الدوحة الأولى والثانية والرابعة والخامسة والسادسة، وكان اهتمام خلفاء بني أمية في آخر عهدهم وخلفاء بني العباس في أول عهدهم حتى عصر الخليفة الهادي؛ اهتماما ضيقا بعلوم هذه الدوحات التي أشرنا إليها. كما أن التأليف في علوم هذه الدوحات لم يكن شيئا مذكورا حاشا الدوحتين الثانية والسادسة.
وفي القرن الثالث والرابع عني الناس بعلوم جميع الدوحات، ونشطت همم الناس إلى علوم الدوحات الثالثة والرابعة والخامسة، وهي علوم المنطق والجدل والإلهيات والطبيعيات والرياضيات، وعلوم الحكمة العملية، كما أن علوم الدوحتين الثانية والسادسة؛ أعني علوم المفردات والمركبات وعلوم الشريعة، قد اهتم المؤلفون بها اهتماما ملموسا، وألفت فيها كتب المراجع والأمهات والبحوث القيمة.
وفي القرن الخامس وما بعده ارتقت علوم الدوحات كلها وكثرت فيها التآليف والبحوث ما خلا بعض علوم الدوحة الرابعة؛ أعني علم الإلهيات والطبيعيات، فإنها قد اعتورها بعض الانحطاط لانصراف الناس عنها إلى علوم اللغة والدين، ولمحاربة بعض الأمراء ورجال الدين إياها في المشرق وبلاد الأندلس والمغرب بصورة خاصة؛ فالمدرسة النظامية ببغداد والمدارس النظامية الأخرى في العواصم الإسلامية كانت لا تهتم بغير علوم العربية والدين، وأما العلوم الفلسفية والطبيعية والإلهية فإنها كانت تكون في الدرجة الرابعة والخامسة، وربما كانوا لا يهتمون بها أصلا. وكذلك كان الحال في المعاهد الأخرى التي شيدت بعد النظاميات وعلى غرارها في عواصم العالم الإسلامي، ولم يبق لعلوم الفلسفة والحكمة ما كان لها من شأن في عهد دار الحكمة ببغداد ودار العلم بالقاهرة، اللهم إلا دراسات الطب وما إليه، كالذي رأيناه في البيمارستانات معاهد الطب. (5) كتب التربية والتعليم عند العرب والمسلمين
ألف العرب والمسلمون في التربية والتعليم كتبا جليلة ومتنوعة منذ عهد مبكر. واهتموا بدراسة الأطفال وأحوالهم، وطرائق تعليمهم وأنجعها في ذلك. ولم يكن شأن المغاربة أقل من شأن المشارقة في هذا الموضوع الهام. وسنبين في هذا الباب ملاحظاتنا ودراساتنا، كما سنعرض للقارئ لائحة مفصلة عن بعض هذه الكتب وأصحابها، نرجو أن تكون موفية بالغرض. (5-1) كتاب آداب المعلمين لابن سحنون
إن أقدم كتب التربية العربية - فيما نعلم - هو كتاب «آداب المعلمين» مما دونه الإمام المربي الفقيه محمد بن سحنون المغربي (؟-226) عن أبيه الإمام الفقيه سحنون.
وهو كتاب لطيف الحجم ألفه محمد في سياسة الأطفال وتعليم الصبيان وتأديبهم، وبحث شيء من قواعد التربية وآدابها عند المسلمين. وقد طبعه الأستاذ العلامة حسن حسني عبد الوهاب الوزير التونسي المعروف في تونس سنة 1350ه ضمن مطبوعات اللجنة التونسية لنشر المخطوطات العربية، وقدم له بمقدمة مطولة مفيدة، كشفت عن قيمة الكتاب وفضله. ومن يتصفح الكتاب يجد فيه معلومات مفيدة جدا عن القواعد الأولية التي كان العرب والمسلمون بصورة عامة يتبعونها في تعليم أولادهم منذ فجر الإسلام حتى أواسط القرن الثالث للهجرة، وها أنا ذا مثبت فيما يلي عنوانات فصول الكتاب ليتبين القارئ الموضوعات التي تعرض إليها، والمعلومات التي كان المربون المسلمون يحرصون عليها: (1)
ما جاء في تعليم القرآن العزيز. (2)
صفحة غير معروفة